مقدمة

يشكل هدف بناء مجتمع أكثر مساوة وأكثر مشاركة وأكثر تمثيلية وعدالة، طموحا استراتيجيا لكافة المجتمعات العربية المعاصرة. وفي هذا السياق، تقع على المجتمع المدني مهمة قيادة سفينة هذه المجتمعات نحو التقدم لتحقيق غايتها في بناء المجتمع الديمقراطي؛ ويتحدد التحدي -في هذا السياق- في إقامة مؤسسات ومنظمات مدنية حديثة تتمتع من جهة بالاستقلالية اللازمة؛ ومن جهة ثانية، بالقدرة على المساهمة الفعالة في تأطير المجتمع وتعبئته حول قضايا المشاركة والمساواة والعدالة باعتبارها أعمدة أساسية من أجل تحقيق التنمية والديمقراطية وترسيخ التمتع بحقوق الإنسان.

وإزاء هذا الطموح وهذا التحدي، تنتصب أمام منظمات المجتمع المدني في المغرب مهمة تأهيل ذاتها للقيام برسالتها التاريخية. وإذا كان من نافلة القول التأكيد على أهمية امتلاك هذه المنظمات لوعي استراتيجي تبني عليه رؤى استراتيجية واضحة وخطط عمل فعالة نابعة من تحليل عميق لواقع اشتغالها من جهة ووعي بتطلعات الشعوب من جهة ثانية، فإن نشطاء ومنظمات المجتمع المدني بهذا البلد يشددون على أن من أكبر العقبات أمام هذه المنظمات تلك التي تتعلق بقدرة هذه الأخيرة على تأمين مصادر التمويل اللازم للقيام بأدوارها المجتمعية.

وتحاول الدراسة الحالية تقييم مدى قدرة منظمات المجتمع المدني في هذا البلد على التمتع بهذا الحق الأساسي؛ وستعمل التقرير على ذلك من خلال تحليل الإطار القانوني الذي ينظم هذا الحق في هذا البلد ومقارنته مع ما هو متعارف عليه دوليا، كما ستعمل على رصد شكاوي منظمات المجتمع المدني المتعلقة بأهم المعوقات التي تحول بينها وبين التمتع بهذا الحق. ومن أجل تقييم أكثر انصافا، ستتوقف الدراسة عند مبررات السلطات المغربية لإجراءاتها في هذا الإطار. وفي الختام، فإن الدراسة معنية باستطلاع آفاق المستقبل من خلال قراءة في توصيات اللجنة الوطنية للحوار الوطني حول المجتمع المدني المتعلقة بهذا الجانب.

أولا: الحق في الحصول على التمويل

يؤكد المبدأ السادس من المبادئ الدولية التي تحمي المجتمع المدني على حق الجمعيات في التماس التمويل وتأمينه من مصادر قانونية، بما في ذلك الأفراد والشركات والمجتمع المدني والمنظمات الدولية، والمنظمات الحكومية الدولية فضلا عن الحكومات المحلية والوطنية والأجنبية؛ ويفرض القانون الدولي قيودا واضحة على قدرة الدولة على تقييد هذا الحق وذلك من منطلق أن أية قيود غير ضرورية على هذا الحق تشكل تهديدا لقدرة هذه المنظمات على العمل 1 ؛ وبالتالي فهو يشكل مساسا بجوهر الحق في تكوين الجمعيات.

ويفيد الحق في الحصول على التمويل حق الجمعيات في تأمين التمويل اللازم لنشاطها بعيدا عن أية قيود غير مبررة؛ ولا يعتبر قيودا مبررة -حسبما تنص المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية- إلا تلك التي ينص عليها القانون والتي تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي وفي صالح الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة والأخلاق أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم) 2 . ومن هنا، فإن القيود التي تشل قدرة منظمات المجتمع المدني على تحقيق أهدافها تمثل تدخلا لا مبرر له في حرية تكوين الجمعيات 3 .

وتعتبر تدابير تمس في الجوهر حق الجمعيات في الحصول على التمويل قيام الجهات المانحة المحلية العامة حصرا بتمويل الجمعيات التي تؤيد سياساتها؛ وفي هذا السياق، يؤكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات على أن احترام حق الجمعيات على اختلاف مواقعها ومواقفها في التمويل العمومي مقوم للديمقراطية واحترام تعدد الآراء كما يشدد على ضرورة أن تتخذ السلطات تدابير مناسبة عند الاقتضاء لدعم الجمعيات التي تواجه قيودا لا موجب لها 4 . كما يشدد على أن الشروط التي تضعها الحكومات على الإبلاغ عن التمويل الأجنبي ينبغي ألا تعرقل الاستقلالية الوظيفية للجمعيات وألا تفرض على نحو تمييزي قيودا على المصادر المحتملة للتمويل 5 .

طالع أيضا  منظمات المجتمع المدني بالمغرب والحق في التمويل 2/2

ويشدِّد المقرِّر الخاص في ذات السياق -أيضا- على أن القيود التي تفرضها الحكومات، وإن كانت تتوخّى هدفًا شرعيًا، فإﻧﻬا قد لا تنطوي على الامتثال لمقتضيات “مجتمع ديمقراطي” وأن سوء التفسير المتعمَّد من قبل الحكومات لمبدأ التبني والمواءمة لمطالبة الجمعيات بمواكبة أولويات الحكومات يتعارض مع جانب مع أهم جوانب حرية تكوين الجمعيات ألا وهو أن الأفراد يمكنهم أن يشكِّلوا بحرية جمعيًة لأي غرض قانوني؛ ومن ثم فإن الحكومات التي تقيِّد التمويل بدعوى فعالية المساعدة تنتهك المبادئ الديمقراطية الأساسية المتمثِّلة في “التعددية والتسامح والانفتاح الفكري” وبالتّالي تقيِّد على نحو لا موجب له حرية تكوين الجمعيات 6 .

ثانيا: تمويل منظمات المجتمع المدني بالمغرب: القانون وواقع مصادر التمويل الوطنية والأجنبية

ينص دستور المملكة المغربية لسنة 2011، في الفصل 29 منه على أن حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات، والانتماء النقابي والسياسي مضمونة. ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات)، وتنص ديباجة هذا الدستور -التي تعتبر جزء لا يتجزأ منه- على جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه هذه المصادقة). ومن هنا، فإن التزام المغرب بحق الجمعيات في الحصول على التمويل كما هو مبين في المواثيق الدولية لا سيا الميثاق الدولي حول الحقوق السياسية والمدنية تحصيل حاصل، والتزام يسمو على كل التشريعات الوطنية في هذا الصدد.

ويؤكد الفصل السادس من الظهير الشريف رقم 376-58-1 الصادر في 15 نونبر 1958 وفق آخر التعديلات على أن كل جمعية صرح بتأسيسها بصفة قانونية يحق لها أن تترافع أمام المحاكم وأن تقتني بعوض وأن تتملك وتتصرف في الإعانات العمومية، إعانات القطاع الخاص، وفي المساعدات التي يمكن أن تتلقاها من جهات أجنبية أو منظمات دولية. أما الفصول 32 و32 مكرر و32 مكرر مرتين، فتؤكد كما سيأتي ذكر ذلك -فيما يأتي من هذا التقرير- على جملة إجراءات بعدية يتعين التقيد بها في حالة تلقي هذه الإعانات.

يظهر مما سبق إن القانون المغربي يضمن جانبا من حق الجمعيات في تأمين مصادر تمويلها. وهو في هذا الجانب يفتح أمام الجمعيات أنواعا متعددة من المصادر الوطنية والأجنبية؛ ولا تعد الإجراءات المنصوص عليها في الفصول 32 و32 مكرر و32 مكرر مرتين إجراءات مقيدة تمس بجوهر هذا الحق. غير أن اشتراط التصريح بالجمعيات من أجل الاستفادة من هذا الحق كما هو منصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل السادس يعني -ضمنا- أن الجمعيات غير المصرح بها لا يمكنها التمتع بهذا الحق؛ وهو ما يمكن أن يعتبر مساسا بالمبدأ الأول من المبادي الدولية التي تحمي المجتمع المدني؛ ويتعلق الأمر بالحق في التكوين الذي يشمل الحق في تكوين الجمعيات دون الحاجة إلى اكتساب الصفة القانونية 7 . كما أنه يمكن أن يثار في هذا الصدد كون القانون لا ينص صراحة على إلزامية تمويل الجمعيات من طرف المؤسسات العمومية أو التنصيص على إجراءات لدعم الجمعيات التي تواجه قيودا لا موجب لها كما يشدد على ذلك المقرر الخاص المعني بالحق في التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات 8 ؛ كما يمكن أن يحتج أيضا بكون الفصول من 9 إلى 13 المتعلقة بمنح صبغة المصلحة العمومية تقنينا للتمييز بين الجمعيات على أساس القرب من السلطات الرسمية.

طالع أيضا  منظمات المجتمع المدني بالمغرب والحق في التمويل 2/2

وفيما يتعلق بقدرة الجمعيات على تعبئة الموارد المالية عمليا، نود أن نشير إلى أن تقرير المندوبية السامية للتخطيط بشأن البحث الوطني حول المؤسسات غير الهادفة للربح الصادر سنة 2007 يظهر أن النسيج الجمعوي استطاع تعبئة حوالي 8,5 مليار درهم. بينما أكدت الخزينة العامة للمملكة، حسب الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، أن حوالي 1214 جمعية، أي ما نسبته %1,35 من مجموع الجمعيات، قد استفاد سنة 2011 مما يقارب 650 مليون درهم من الأموال العمومية؛ وأن ما مجموعه 352 جمعية، أي ما يعادل أقل من %1 من الجمعيات المصرح بها، قد استفادت من أكثر من 145 مليون درهم من التمويل الأجنبي. وتظهر عدد من التقارير الرسمية أن حوالي %2,5 فقط من الجمعيات على الصعيد الوطني تستأثر بحوالي %63 من مجموع الموارد المالية؛ بينما %94,6 منها لا تتجاوز ميزانيتها السنوية 500000 درهم، ولا تمسك محاسبتها وفق المعايير المعمول بها.

ولأن الموارد التي تستفيد منها الجمعيات -والتي تشكل جزء من دعم المؤسسات الرسمية للجمعيات- لا تقتصر على الموارد المالية؛ فإننا نشير إلى أن التقارير المتوفرة تؤكد على اعتماد حوالي %70 من الجمعيات على التطوع في إنجاز برامجها حيث استقطبت 35200 متطوع ساهموا بما يقارب 96 مليون ساعة عمل، أي ما يعادل 56524 منصب شغل بدوام كامل؛ بينما لجأ حوالي %31,4 من الجمعيات إلى التشغيل المؤدى عنه حيث تم تشغيل حوالي 27919 شخصا بصفة دائمة، و56524 بصفة مؤقتة خصصوا ما يناهز 10 ملايين ساعة للعمل الجمعوي وهو ما يعادل أكثر من 33846 منصب شغل بدوام كامل. وفي هذا الإطار لا يفوتنا أن نشير إلى أن نسبة الجمعيات التي تستفيد من الوضع رهن الإشارة (الذي يعني وضع موظفين رسميين يتقاضون أجورهم من الميزانية العامة للدولة) لا تتعدى %2,4 وضع رهن إشارتها 5582 شخصا.

وفيما يخص قدرة الجمعيات في المغرب على تأمين مصادر الدعم الأجنبي، فإن المعطيات الشحيحة المتوفرة تشير إلى أنه منذ 2006 إلى غاية نهاية أكتوبر من العام الجاري (أي 2014)، توصلت الجمعيات المغربية بما قدره مليار و252 مليون درهم، حيث صرحت 128 جمعية بـ565 عملية تلقي أموال خارجية) 9 . ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن تصريحات لوزير الداخلية المغربي محمد حصاد حول التمويل الأجنبي للجمعيات كانت قد خلقت جدلا واسعا في صفوف عشرات منظمات المجتمع المدني التي اعتبرت -في بيان لها- أنه (أي التصريح) يحمل اتهامات للجمعيات التي تتلقى الدعم الأجنبي بالعمالة للخارج وتنفيذ أجندة خارجية، وأنه يحمل نوايا مبطنة للحكومة باتجاه التضييق على حق الجمعيات في الاستفادة من هذه المصادر خاصة وأن الأمين العام للحكومة أكد في معرض تقديمه للتقرير المشار إليه أعلاه أن حقيقة المبالغ التي تتلقاها الجمعيات من مصادر خارجية يفوق بكثير ما يتم التصريح به، وأن بعض الجمعيات تتعمد عدم التصريح بالأموال التي تتلقاها من جهات خارجية، وأن الجمعيات الحقوقية تتلقى تمويلات من الخارج لضرب مصالح المغرب)، كما دعا لمدونة لمراقبة الأموال التي تتلقى الجمعيات من جهات خارجية ضمن خطة لمراقبة تمويل الإرهاب 10 .

طالع أيضا  منظمات المجتمع المدني بالمغرب والحق في التمويل 2/2

ثالثا: المجالات والفعاليات والأنشطة التي تتمتع بالتمويل (الوطني والدولي)

لم تنشر، في المملكة المغربية، دراسات أو تقارير مفصلة بالقدر الكافي تقدم معطيات دقيقة حول مجالات صرف الأموال التي تتلقاها الجمعيات بحيث تربطها بمصادر هذه الأموال. ويعتبر تقرير البحث الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط حول المؤسسات غير الربحية سنة 2007، 11 والذي صدر في ديسمبر من العام 2011 الوثيقة الوحيدة التي تحمل تفاصيل في موضوع نفقات الجمعيات.

بغض النظر عن الفوارق الهائلة التي سجلها التقرير المذكور بين الجمعيات في المبالغ التي تم صرفها خلال سنة 2007، فإن التقرير يكشف عن أن أكثر من نصف نفقات النسيج الجمعوي تذهب إلى الأنشطة والفعاليات التي تصنف ضمن مجالي الصحة والخدمات الاجتماعية (32%)، والتنمية والسكن (30,1%)، ويأتي بعدهما بفارق كبير مجالي الثقافة والرياضة والترفيه (14,7%)، والتربية والبحث (13,7%) بينما تحتل الأنشطة المرتبطة بمجالي البيئة والدفاع عن الحقوق أسفل الترتيب بحوالي 1,1% و1,5% فقط من نفقات الجمعيات 12 .

وتظهر هذه النتائج أن النسيج الجمعوي فاعل أساس في المجال الاجتماعي وتوفير أساسيات الحياة خاصة وأن مجموع المبالغ التي استثمرها خلال سنة في هذين المجالين تقارب المليارين درهم لكل منهما. ومن هذا المنطلق، وإذا استحضرنا أن غالبية الجمعيات توجه أنشطتها في هذين المجالين للأوساط القروية وذات الهشاشة الاجتماعية، فإن الحكومة المغربية والجماعات المحلية مدعوة إلى تقديم مزيد من الدعم لهذه الجمعيات من أجل تدارك الخصاص الحاصل في هذا الوسط على اعتبار أن هذه المؤسسات المجتمعية هي الأقدر على الاستجابة الفعالة للحاجيات المحلية بحكم القرب.


[1] راجع: المركز الدولي للقانون الذي لا يهدف للربح: تقرير الدفاع عن المجتمع المدني، ص: 35-36.\
[2] الفقرة الثانية من المادة 22 من العهد الدولي اخاص بالحقوق المدنية والسياسية.\
[3] تقرير الدفاع عن المجتمع المدني، ص: 35.\
[4] الفقرة 14 من تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات، مجلس حقوق الانسان،الدورة23، ص: 7.\
[5] نفسه، ص: 8.\
[6] الفقرة 41 من تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات، مجلس حقوق الانسان،الدورة23، ص: 17.\
[7] راجع: تقرير الدفاع عن المجتمع المدني، ص: 27-28.\
[8] تقرير الدورة 23 المشار إليه أعلاه، ص: 7.\
[9] تقرير الأمين العام للحكومة أمام لجنة مراقبة المالية العامة بالبرلمان المغربي بتاريخ: 3 نونبر2014؛ المصدر: محمد بلقاسم: الضحاك يبسط خطة مراقبة التمويل الخارجي للجمعيات المغربية؛ موقع هسبريس الإلكتروني. بتاريخ: الأربعاء 05 نونبر 2014.\
[10] طارق بنهدا، عشرات الهيئات الحقوقية تطالب حصاد بالاعتذار؛ موقع هسبريس الإلكتروني. بتاريخ: الأربعاء 23 يوليوز 2014.\
[11] Haut-Commissariat au plan (Royaume du Maroc); Enquête nationale auprès des Institutions Sans But Lucratif (ISBL) (Exercice 2007) – Rapport de synthèse , Décembre 2011.\
[12] م. ن؛ ص: 61-63.\