مضت تسع سنوات على إغلاق البيتين ظلما وعدوانا، بيت الأستاذ الفاضل سيدي محمد عبادي بوجدة، وبيت الأستاذ الفاضل سيدي حسن عطواني ببوعرفة وكلاهما وأصدقاؤهما ومتعاطفين معهما من أفراد وجمعيات وطنية ودولية قاموا بوقفات ومسيرات وأصدروا بيانات وضمنوا الحدث والخروقات، في تقارير وطنية ودولية واجتمع هؤلاء وأولئك في قافلة…. وبقي الحال هو الحال ولا داعي إلى كثرة القال وكثرة السؤال، وسرد الكرونولوجيات والخروقات والاعتداءات فقد مضت سنة الأولين وكذلك سيتبعهم الله عز وجل الآخرين ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا).

بعد هذه السنين من المخاض، ما الغرض والمراد يا ترى، فتح البيت؟ أم بيت الفتح؟

فقد هاجر أبونا إبراهيم عليه السلام مقامه ومعه من معه من عائلته إلى واد غير ذي زرع، وأسكنهم به عند بيت الله المحرم فكان ذلك فتحا وأصبحت أفئدة الناس تهوي إليه من كل فج عميق إلى أن تقوم الساعة.

وفضل سيدنا يوسف عليه السلام غيابات السجن على دهاليز القصور ومناكيرها حفاظا على سلامة فطرته، إلى أن منّ الله الحنان المنان عليه فأصبح صاحب الأمر والنهي في القصور ودهاليزها وعلى من فيها.

ومن رحاب ديار الملك والجبروت والطغيان والفطرة الممسوخة هاجر سيدنا موسى عليه السلام إلى بيت الفطرة السليمة في مدين به عجوز وامرأتان وبمدّ يد العون بفطرة سليمة فتح الله عز وجل لبني إسرائيل وأورثهم الأرض.

ومن بيت نور الله والفطرة الأول بيت الله الحرام، الذي أظلمه فطرتهم الممسوخة بالشرك وما يرتبط به، هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه من شاء الله من الصحابة الكرام حفاظا على إيمانهم وسلامة فطرتهم إلى بيت الهجرة، إلى المدينة المنورة ومنها نوّر الله الآفاق بنور الإسلام دين الفطرة وفتح للأمة البقاع.

وابن آدم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يولد على الفطرة ويقول الله عز وجل في محكم كتابه فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون (الروم، الآيات 29 إلى 31). وفي مقابل ونقيض ذلك في الآية 119 من سورة النساء يقول الله عز وجل على لسان إبليس لعنه الله … وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا، ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا صدق الله العظيم. “استراتيجة” واضحة لا لبس فيها ولا تدليس عبّر عنها وبيّنها الشيطان لعنه الله غير ما مرّة منتهاها مسخ فطرة الإنسان التي فطره الله عليها وبعد مسخ الفطرة كل شيء يهون له ويفعل به ما يشاء، نعوذ بالله منه ومن قبيله وكيدهما ومكرهما.

وللرجوع الى الفطرة التي فطر الله الناس عليها وإزالة الغبار عنها قصد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله الانخراط في مشروعه التغييري الجهادي وبنى جماعة العدل والإحسان يقول رحمه الله مبينا مرماه أريد في هذا الكتاب أخي وأختي، والله المستعان، أن أحدثك عن حديث القلب، حديث الفطرة، في موضوع من أجلّ الموضوعات على الإطلاق، وهو موضوع صلة العبد بربه، وتقرب العبد من ربه، ووصول العبد إلى ربه، وفوز العبد بربه، ويا خسارة من خرج من الدنيا ولم يكن له حظ من الله ولا نصيب ولا علم ولا هدى ولا كتاب منير) 1 ، ولم يكن همّه رحمه الله محصورا في الخلاص الفردي والرجوع الفردي إلى الفطرة وإنما كان هم الأمة عنده أكبر رحمه الله وهمّ رجوع الأمة إلى الفطرة أعظم باعتبارها أمة رسالة للعالمين وأمة استخلاف، يقول رحمه الله فحين يبحث المؤمنون عن المنهاج النبوي الذي ربى به رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلا قرآنيا من المحسنين لإعادة الشخصية الجهادية إلى قيادة الأمة ولإعادة القيم الإيمانية الإحسانية إلى مكانتها في سلوك الأمة، يسعى الآخرون لتجريد الأمة من تلك القيم ولعزل الشخصية الإيمانية من تقدير المسلمين) 2 ، في هذه الفقرة جمع الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله بين معنيي الآيتين أعلاه، جمع بين الفريق الذي يسعى إلى الرجوع إلى فطرة الله وفق المنهاج النبوي والفريق الآخر الذي يسعى إلى تجريد الأمة من فطرتها التي فطرها الله عز وجل عليها وهذا الفريق تنطبق عليه معاني الآية 119 من سورة النساء أعلاه نعوذ بالله أن نكون منهم. ويقول رحمه الله في مكان آخر نحن المسلمون موعودون بالخلافة في الأرض لنعمرها، لكن عمارتها ليست مقصودة لذات العمارة، وإنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه ويتهيأ للقائه بعد الموت. بهذا نحن أمة لا تقاوم) 3 .

فبناء البيتين وغيرهما وفتحها لهذا الغرض ليس إلا، وهذا الغرض ليس بالضرورة أن يكون بين الجدران فهمّه رحمه الله كان ولا زال الهدف قبل هذا وذاك بناء البيوت التي في الصدور بناءً نبويا وفق منهاج نبوي وروح إيمانية إحسانية.

ففي زمن عزّ فيه هذا المراد وقل فيه من يسعى إليه وكثر من يحاربه بكل قوة وبطش وجبروت وبالكيد واللؤم والخبث والدسيسة والمناورة وتسخير كل الإمكانيات، لا زال البيتان رهن قيد الظالم والضياع والتضييع المقصود المشحون بالحقد والضغينة يمارسه مخزن لا لون له ولا طعم إلا طعم مرارة الحنظل، مخزن يدعي السعي إلى حماية “الأمن الروحي” بنشر الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويدعي تأسيس الحكم الديموقراطي باستكمال لبنات الحكم الديكتاتوري والانفراد بالقرار السياسي وتأثيث مشهد سياسي مبتذل شعاره الخصومات الكلامية وكثرة القيل والقال، وترك القضايا المصيرية للمواطن كالصحة والتعليم ومصير أموال الأمة المنهوبة.

فهل يمكن لمن هكذا مسعاه ومبتغاه أن يفتح البيتين؟ هل يمكن لقلوب عليها أقفالها أن تفتح بيوتا فتحها أصحابها للرجوع إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها؟ وهل يمكن لهؤلاء أن تكون لهم قابلية الرجوع إلى الفطرة، ذلك رجع بعيد؟

إذا كان المخزن يعتقد أن جماعة العدل والإحسان هي البيوت والجدران والأشخاص أكيد انه واهم، فمما سبق من أقوال مرشدها رحمه الله تعالى وغيرها ومما هو معروف من نهجها التربوي فالمراد الأول والأخير هو وجه الله عز جل والفوز بالله جل وعلا دون تفريط في حق من حقوقها، وفتح البيتين آت بإذن الفتاح العليم القدير، ولا بد من بيت الفتح، فتح القلوب التي محل الفتح بالدرجة الأولى ونعوذ بالله من قلوب عليها أقفالها. والفتح هو الأساس، وأساس الفتح التشبث بالله عز وجل وابتغاء وجهه، والفتح بعد النصر وهو المنتهى يقول الله عز وجل إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (سورة النصر)، ويقول جلت قدرته في سورة الصف الآية 13 وأخرى تحبّونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين صدق الله العظيم. وقد بشر رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالخلافة الثانية على منهاج فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عنه بسند صحيح “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.


[1] الإحسان، الجزء الأول ص 78 و79.\
[2] سنة الله، ص 11.\
[3] المنهاج النبوي، الطبعة 3 ص 8.\