أستعير لفظ عنوان هذا المقال من الافتتاحية التي كتبها الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله سنة 1981 في مجلة الجماعة) الممنوعة في المغرب، أي قبل 34 سنة، والتي لا زالت حقائق حروفها ناطقة عن واقع الظلم والطغيان بمصر الكنانة، حيث جاء فيها: حملة الفجار على الأبرار تعيد في مصر كنانة الله، وعرين أسد الله، عهدا عقده الشيطان مع أوليائه حلفاء الصهيونية والصليبية، أن يبيدوا جند الله. رمي هنالك المؤمنون “بالتطرف” و”التكفير والهجرة”. وأسكتت أصوات الصادقين الذين كانوا لسان الحق، ما استطاع صوت أن يندد بحلف الخزي والعار مع اليهود والمشركين مثلما فعلت. حياكم الله يا رجال الإسلام في مصر) 1 .

أزيد من 21 شهرا متتالية من القتل والبطش والاعتقالات بعد مجزرة ومحرقة رابعة في محاولة يائسة من الانقلاب الإرهابي الذي يقوده السفاح السيسي مدعوما بسند صهيوني، لاستئصال جماعة الإخوان المسلمين وكل أحرار وحرائر الشرعية بمصر الكنانة. الآلاف من القيادات والعائلات إما في سجون التعذيب أو في المنفى، وشعار السلمية والصمود تصدح به حناجر المغدورين.

ويحلو للبعض من مدمني نمائم أرائك الصالونات المكيفة -بدل أن تتحرك فيه مشاعر الإنسانية- أن يلوك تحاليل صغائر أخطاء الإخوان ويتناسى كبائر من تحالفوا مع العسكر من مختلف التيارات. لو أراد الإخوان ومؤيدو الشرعية أن يبيعوا الثورة لباعوا مصر وخضعوا لإغراءات أولياء نعمة السيسي وزبانيته، لكنهم مدركون أن حياة الأحرار ترفض الذل والعبودية وخيانة أمانة الشعب.

إن لجوء النظام الانقلابي اليوم إلى تدشين حملة الإعدامات هي محاولة للهروب إلى الأمام من أجل التغطية على حالة الارتباك التي يتخبط فيها على جميع المجالات، وفشله الذريع في كسر شوكة أحرار مناصري شرعية أول رئيس منتخب الدكتور محمد مرسي. وتفكك مخططه الصهيوني بالمنطقة الذي يستهدف المقاومة الفلسطينية.

إنها مشيئة الله عز وجل، أن يستمر ثبات الحق بأقل الإمكانيات أمام الباطل المدجج بشتى أنواع الدعم الخارجي الصهيوني والتواطؤ الدولي والاعتراف العربي المخزي.

يا عقلاء: نظام عسكري انقلابي دموي، مملوك لملوك البترودولار، نظام استعدى أغلب مكونات الشعب المصري حتى تلك التي باركت مشهده الدموي الوحشي، نظام بهذا الخبث والغدر الراكب في مركبه لا يمكن أن تكتب له النجاة.

مؤسف جدا أن يبلع أساتذة علم “المبادئ لا تتجزأ” ألسنتهم حين يتعلق الأمر بمخالف لهم في المرجعية يساق إلى مشنقة طاغية سارت بذكر جرائمه الركبان. صمتوا بالأمس عن إدانة محرقة ومجزرة رابعة واليوم يصمتون عن الإعدام، وهم من صدعوا رؤوسنا بدعوات إلغاء عقوبة الإعدام. أين طاحونة بياناتكم عن كونية حقوق الإنسان ووو…؟!!!

ما أشبه اليوم بالبارحة، حين تعجب الصحابي الجليل بن عمر رضي الله عنه من سلوك أهل العراق فخاطبهم: ما أسْأًلَكم عن الصغيرة وأجرأكم على الكبيرة، تقتلون الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألون عن دم البعوضة).

نورد في مقام الابتلاء الذي يعيشه أحرار مصر، كلمات خالدة ورثها الشهيد الحي سيد قطب رحمه الله تعالى للأجيال المتعاقبة، دروس في الثبات والوفاء والعطاء لن تستطيع أيدي الغدر أن توقف روحها على مر الأزمان.

فقد أجاب سيد قطب رحمه الله تعالى أحد إخوانه الذي سأله: لماذا كنت صريحا كل الصراحة في المحكمة التي تملك عنقك؟

رد الشهيد الحي: أنه ليس للقائد أن يأخذ بالرخص.

وقال رحمه الله: لماذا أسترحم، إن سجنت بحق فأنا أرضى حكم الحق، وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل.

وقال: إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا يقر به حكم طاغية.

وتركها مدوية عندما سمع الحكم بإعدامه: الحمد لله لقد عملت خمسة عشر عاما من أجل الحصول على هذه الشهادة.

لقد سار سيد قطب رحمه الله إلى المشنقة ممشوق القامة، وعلى حافة المشنقة جاءه شيخ التلقين يقول له: قل لا إله إلا الله، فرد سيد قطب في عزة وإباء: حتى أنت جئت تكمل المسرحية؟! نحن يا أخي نعدم لأننا قلنا لا إله إلا الله .. أما أنت فتأكل الخبز بها.

وأطلق ابتسامة عريضة مشرقة ملأت وجهه وهو يودع إخوانه وقد وضع سيد قطب في ابتسامته هذه كل ما يريد أن يقوله لإخوانه وتلاميذه والأجيال اللاحقة من معاني الثبات على الحق والفرح بقرب لقاء الأحبة في الجنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه.

قال رحمه الله: نحن بحاجة إلى زعماء بلا مجد وبلا شهرة وبلا بريق بحاجة إلى جنود مجهولين، بحاجة إلى فدائيين حقيقيين لا يعنيهم أن تصفق لهم الجماهير… إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح، وكتبت لها الحياة) 2 .

قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: وصدق في الله ولي الله تعالى مفخرة العلماء في هذا العصر سيدي سيد قطب، فدعا العبد الخاسر فرعون الاشتراكية والقومية المتدجل بالشعارات الإسلامية إلى الحق، فغضب الفرعون وسفك دماء المؤمنين الزكية، وقتل عالم الإسلام ولم يقبل فيه شفاعة المسلمين في مشرق ومغرب. ورأيت ورأى الناس خزي الفرعون بعد سنة واحدة ومذلته وهزيمته وحزبه أمام أخس الناس وأرذلهم على وجه الأرض. ونعلم ما أخبرنا به الحق جل جلاله من مصير الظالمين السفاكين يوم القيامة) 3 .

إن التاريخ علمنا أن المشانق ليست سوى سبيل لإنفاذ قضاء الله للراحلين بأقدام تعلو جباه الجلادين. فمهما أعدم الطغاة وألهبوا ظهور الأحرار بسياطهم، فالصادقون باعوا أرواحهم لله في تجارة رابحة، يدخلون التاريخ من أعظم أبوابه يجددون روح الأمة ويحيونها من موات، بالمقابل يُقذف الطغاة الأقزام إلى مزابل التاريخ تلاحقهم اللعنة وينالهم خزي الدنيا والآخرة.

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ 4 .

لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون، بِنَصْرِ اللَّـهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّـهِ لَا يُخْلِفُ اللَّـهُ وَعْدَهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 5 .


[1] مجلة الجماعة، عدد 9، ص: 10.\
[2] رسالة الإسلام أو الطوفان، ص 55.\
[3] من كتاب مراحل التطور الفكري فى حياة سيد قطب – بتصرف -.\
[4] سورة آل عمران، الآيات: 173-174.\
[5] سورة الروم، الآيات: 4-5-6.\