تعد الأسرة لبنة أساسية في بناء المجتمع باعتبارها المسؤول الأول عن رعاية الأطفال وتنشئتهم بما يفضي إلى صياغة إنسان متوازن في المستقبل. وبحكم هذا الدور يمكن توصيف الأسرة بأنها برج استراتيجي بامتياز؛ برج يتعلق بصحته وعافيته وفاعليته نجاح المجتمع وصلاحه. إلا أن اضطلاع الأسرة بهذا الدور رهين بمستوى تماسكها، ووعيها بدورها، وقدرتها على أن تكون ذلك المحضن الفطري الذي يمد الأطفال بأسباب القوة والمنعة. لكن الأسرة ليست جزيرة منعزلة عن محيطها الطبيعي، بما في ذلك الشارع والمدرسة وباقي مؤسسات المجتمع، بل الواقع المعيش يؤكد أن السياق العام للمجتمع أخذ منحى معاكسا ومقاوما لدور الأسرة في بناء الإنسان، فأصبح هذا الكيان معرضا لمعاول الهدم من الداخل والخارج وأضحى في مهب رياح الفتنة، وأصبح كائنا ممنوعا من بَث الإيمان والفضيلة. وعوض أن تنكبّ الأسرة على مهمة التنشئة، أصبح الرهان أن تستعيد وظيفتها التربوية التي عرتها منها رياح فتنوية فعلت بها الأفاعيل عندما مَسخت طبيعة الأمومة، وشَردَت المـرأة عن بيتها وأصابت الأسرة في الصميم.

إن التربية في اللغة نمو وزيادة. وفي الاصطلاح، تعني السمو بالنفس نحو الكمال البشري الذي أودع الحق سبحانه متطلباته في الإنسان. وبالتالي فالتربية تعنى بجانبين أساسيين، ألا وهما: التقويم والتنمية؛ فهي من جهة اكتشاف لمؤهلات الإنسان وتنمية لخصال الخير فيه لبناء شخصية سوية جسما ونفسا وروحا وفكرا، وهي من جهة أخرى تقويم الاعوجاج الذي قد يشوب السلوك أو الشخصية. وهكذا، فمهمتا التقويم والتنمية المندرجين تحت مفهوم التربية مشروطان بوظيفتين أساسيتين، هما بالضبط التوجيه والتأديب.

فأما التوجيه فهو دلالة على الخط القويم، وتسديد متوازن للشخصية بما يحفظ الفطرة من غوائل النفس وأخطار الخارج. إنه وظيفة مستمرة تروم توجيه السلوك إلى مكارم الأخلاق، وتوجيه عواطف الناشئة وأحاسيسها نحو الخير والحق والجمال وكذا توجيه الفكر والعقل إلى سديد الآراء وصائبها. والتوجيه بالإضافة إلى ذلك، تعهد للإرادات، للطاقات الأخلاقية الإيمانية، للجهود والإمكانيات، للعبقريات المتبرعمة والمواهب الكامنة لتعطي أكلها ويجني أصحابها من جزيل ثمارها.

وأما التأديب فهو الدعوة إلى محامد الأفعال والأخلاق والنيات، وحمل على التحلّي بمجامعها، وتعليمها بالتي هي أحسن لا بالتي هي أخشن. إلا أن معظم الناس يحبس المصطلح في مجرد تقويم الاعوجاج وتسديد الزيغ الذي قد يشوب السلوك، وفي هذا اختزال وتسطيح للتأديب الذي هو أخذ جميل إلى جميل السلوك وأحسنه، واستكشاف لمنابع الخير في الإنسان.

وبالتالي فالتوجيه والتأديب توأمان لا تقوم التربية إلا باجتماعهما فهما الأساس الذي عليه يقوم فعل المربي، فإن هوى الأساس، فشلت العملية التربوية وزاغت ففسد الإنسان وزاغ بسلوكه العام عن الجادة. وتزداد أهميتهما بالنظر إلى طبيعة المرحلة حيث الطفل أحوج ما يكون إلى من يوجهه ويرشده، وينبهه ويساعده، وإلى من يصغي إليه، ويصبر على هفواته، ويستجيب لرغباته وطلباته ما لم تتجاوز الحد وسعا وشرعا. كما تتعاظم هذه الأهمية بالنظر إلى عوامل التضليل والتمييع التي قد تصيب التربية في مقتل ما لم تتداركها العناية الربانية و لم تمتد يد المربي للنشء بالعناية والحفظ والرعاية.

إن الكل يتفق على ملحاحية التوجيه والتأديب ليجتاز الطفل مرحلة الطفولة بسلام ويواصل مشوار الحياة بنجاح، إلا أن مبتدأ القضية يكمن في الأسلوب الذي ننهجه في تنزيل كل هذا، في الروح التي بها نتعامل مع الطفل، في الآفاق الرحبة التي نفسحها لهذا الكائن الضعيف، لا في المساحات الضيقة التي نتركها للمسكين ليتقزم داخلها بسلام. فإن اختلفت الآراء وتباينت المواقف، سنتفق على أن أي أساس تربوي ينبغي أن يحقق شرط التوازن في ذاته، شرط يستدعي تلافي الانزلاق إلى التسيب والتحجير على حد سواء.

فأما الأول فهو منزلق يرمي بالشخصية في أتون التّفلُّت الأخلاقي، والسلوكي، والفكري، والعقدي، فنكون إذاك أمام إنسان مجرد من أي وازع داخلي، أو مرجع أخلاقي معياري، كائن بلا قاع ولا سقف. والمادية معدن التسيب وأصله بدون منازع؛ ترفع الحرية شعارا مطلقا لتخفي نيات الإفساد والاستعباد. فالتربية إذن فعل مقاوم يتغيى تحقيق شروط النقلة من الزمن المتسيب إلى الزمن المنضبط، وهي ـ إن شاء الله ـ صياغة أجيال انتقال من التسيب الفكري العقدي الأخلاقي إلى الالتزام بالكلمة الحق، والرسالة الصدق، يحملونها في أمتهم وفي العالمين نبراسا في مدلهمات الدخان الجاهلي الجالب بخيله ورجله.

وأما التحجير فمغالاة في المنع والإجبار والتضييق على حرية النشء. وهذه مقاربة حدية قائمة على الإملاء أو الإثقال، وعلى الوصاية المتسلطة، فيمضي المربى إلى ما سقناه إليه مكرها مقهورا. وهو ما يفضي إلى تقزيم أفقه واختزاله في مجرد كائن بارد رخو مطيع، أو متمرد عنيف مستفز للطبع السليم. وتحت وطأة التحجير، وفي زحمة العروض المغرية، وكثرة النماذج الفتنوية، قد يهرب الطفل منك باحثا عن كنف رحيم، عن بديل في عالم هائج مائج بالعليل الوبيل، فإذا هو في قبضة الفاجر، أو رفقة جليس السوء.

إننا اليوم في زمن متسارع، عصي على القراءات الخطية، منفتح على قطائع في كل المستويات، فالتربية في هذه الظروف وظيفة ليست بالسهولة بمكان، بل هي مهمة تستدعي من جهة المربي أفقا رحبا، ونضجا تاما، وفهما أعمق، وتفتحا بانيا مؤسسا لنظرة قاطعة مع الأساليب البالية الجامدة، محققا لشروط الطفرة المطلوبة لاحتواء هذا الزخم الصاخب الذي تصدح به دنيانا بتوجيه وتأديب تنفتح لهما أنفس النشء وتستطيبانه. وهذا فهم لا يتعارض البتة مع حقيقة جامعة مفادها أن قلب الإنسان وعاؤه الأرقى ومفتاح صياغته الأوحد، وهو الضابط لاتزان أركانه. وما التربية إلا إنفاق الوقت والجهد والوسع في غرس الغرسة المباركة في هذه القلوب الحديثة العهد بربها وفق ما تقتضيه الرحمة الجامعة، والحكمة السديدة، والحكمة ـ هنا ـ تتلافى التسيب والتحجير.