ابتدأت حكايتهن سنة 1948 أو قبل ذلك بزمن، حين وجدن أنفسهن في وطن غير وطنهن، وفي أرض غير التي غرست فيها جذورهن، وبين أناس ليسوا من أهلهن وفي زمن الغلبة فيها للظالم الجائر. إنهن نساء النكبة التي أصابت شعب وأرض النبوءات ومهبط الوحي ومسرى الرسل والأنبياء.

إن المتتبع لرحلتهن سيجد أنهن بدأن حياتهن بطفولة مريرة غريبة جل ما ميزها هو التنقل من ملجأ إلى آخر، والعيش بين مشفق على حالهن ومستغرب لأمرهن. حيث لم يرافق أغلبهن أفراد العائلة المتفرقة لم ولم تتوفر لهن أدنى مقومات العيش الكريم. وكيف سيتحقق لهن ذلك وهن غريبات الدار والأهل والحزن على ما يصيبهن يقطع أوصال قلوبهن المجروحةّ؟ وفي المقابل تجد مثيلاتهن من الطفلات الإسرائيليات يتمتعن بنعيم الدار وبطيب الملبس والمأكل وبالأنس والدفء الأسري في الوقت الذي حرمت منه الفلسطينيات من كل شيء وهن صاحبات حق أخذ بالغصب والجور. فيالها من معادلة مقلوبة؟

لما بدأت هؤلاء الطفلات بفتح أعينهن على الواقع، وبدأن يستوضحن عن الأمور وجدن أنفسهن أمام مرارة العيش كغريبات الأرض والأهل في أوطان غير وطنهن، وحقيقة تغييب هويتهن كفلسطينيات المنشأ ومسلمات العقيدة. لكن الحقيقة التي لم يستطع أي أحد أن ينكرها أو يزيفها هي أن كل ما تعيشه هؤلاء النساء من اعتقالات ظالمة وتعذيب مميت وترحيل جائر وتمزيق للتماسك الأسري لم يجعلهن يغيرن ما يحملنه في قلوبهن من معاني الصبر والفداء والتضحية في سبيل عودتهن إلى وطنهن الغالي وفدائه بأرواحهن وبفلذات أكبادهن وبكل غال ونفيس يملكهن.

مرت على النكبة سبع وستون سنة وما تغير شيء في قلوبهن ولا في أحاسيسهن وما زادهن ما يحصل في أرض فلسطين إلا تعطشا للعودة إلى أرض الميعاد والوقوف جنبا إلى جنب مع إخوانهن وأخواتهن وأولادهن المقاومين لجيوش الاحتلال الصهيوني الغاصب الذي كلما حاول سلبهن هويتهن وأبعدهن عن وطنهن إلا ولقي ما لقي من صد ومقاومة أكبر.كيف يغيرن موقفهن وهن اللواتي ينمن ويستيقظن على نداء الله أكبر تخرج عالية من مآذن القدس الشريف؟ كيف يستطعن قبول تغييب هويتهن وهن اللواتي ارتوين من ماء الأرض الطاهرة مهبط الوحي؟ كيف يستطعن نسيان وطنهن وفيه قد تركن نصف أهلهن؟ كيف يقدرن تجاهل الحنين الذي يتحرك بداخلهن للعودة إلى الأرض التي رويت بدمائهن؟ كل ذلك يتضح من كلامهن حين تسألن عن فلسطين الحبيبة.

إنها قصة نساء النكبة اللواتي لا يفوتن فرصة تساعدهن في العودة إلى وطنهن الغالي ولو كان الثمن أرواحهن. إنهن جنديات المقاومة لكن سلاحهن هو إيمانهن بأن النصر لهن لا شك في ذلك. إنهن نساء قبلن التجارة مع الله فكانت السلعة الجنة كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة”، فتقبل الله منهن وزادهن إيمانا وثباتا.