إن الله تعالى ارتضى لهذه الأمة الإسلام دينا، وأمرها بالمحافظة عليه اعتقادا وسلوكا، وأمرنا بالمحافظة على الأبدان من التلف، إذ بها يقام الدين، وجعل المحافظة على النسل والأنساب شرطا في بقاء نوع الإنسان، ولهذه الغاية شرع الزواج بغية الإحصان، ووضع له سياجا شرعيا وأخلاقيا يقيه من الانهيار والتفكك، ودُعِي الزوجان إلى تفعيل مبدأ التوالد المفضي إلى إعمار الكون، ونُهِيا عن تعطيل هذا المبدإ المؤذن باضمحلال المجتمع وتآكله. هذا التوالد الذي نقصده مفض إلى تكثير نوعي لا غثائيٍّ، يسهم في استقرار الأسرة بإشاعة المحبة والمودة بين أفرادها، ويراعي حاجيات الأمة.

إن أول مراتب حفظ النسل هو إنجاب الذرية، إذ الإنجاب نعمة منَّ الله بها على الناس، وجعل الإخبار بها من قبيل المبشرات، وهذا يقتضي الفرح بها وتقبلها بالقبول الحسن؛ لما في ذلك من عرفان بفضل المنعِم، لا جحدها والعمل على تعطيلها المؤدي إلى انقطاع النسل لا محالة.

ولتحقيق هذا المقصد نهى الشارع عن الاسترسال في العزوبة، ومنع الاختصاء أو قطع الشهوة نهائيا، أو الإجهاض…

إن الأصل في هذا الفعل (الإجهاض) أنه محرم شرعا، وينبغي تجريمه قانونا؛ لأنه جناية على موجود، وله استثناءات لأن الشريعة وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا كما قال الشاطبي رحمه الله في موافقاته، ولم يقصد من وضعها إيقاع الناس في الحرج.. ولا مجال هنا للخوض في التفصيلات الشرعية والفقهية في الموضوع…

إن النقاش الدائر حاليا حول موضوع الإجهاض يعرف في تقديرنا مجموعة من النقائص تجعل معالجته جزئية إلى حد كبير لأنه ينصب على “الهوامش” دون الغوص في لب المشكل. وهذه المقاربة التجزيئية الاختزالية ليست جديدة في دراسة مثل هذه المواضيع في بلد كالمغرب من أجل محاولة توهيم الرأي العام أن هناك نقاشا وهناك تداولا في ما يهم المجتمع في قضاياه الأساسية.

خلاصة النقاش في موضوع الإجهاض تدور أساسا حول الاستثناءات التي قد لا تمثل 2%؛ كحالة الأم في وضع صحي خطير ومحقق، وحالة الاغتصاب وزنا المحارم، والتشوهات الخلقية المحتملة، مع العلم أن هذه التشوهات لا تشكل إلا نسبة نادرة جداً، وأن أغلبها قد يتسبب في إسقاط الجنين تلقائيا، وأن 90% من هذه التشوهات أصبح قابلا للعلاج حاليا بفضل تطور علوم طب الجنين.. لذا فإن إدراج هذه التشوهات في الاستثناءات يعتبر من الأبواب التي يراد فتحها قصد التلاعب بالشرع والقانون في هذا المجال في غياب الرأي الفقهي المعزز بالخبرة الطبية الموثوقة لكل حالة على حدة وترك الأمر للمجال الطبي المحض.

أما المشكل الحقيقي في الإجهاض فهو في الـ98% المتبقية وهي التي تشكل الكارثة المجتمعية الحقيقية، والتي يريد البعض أن يصوغ لها استثناءات فضفاضة ومطاطة أصلها مثبت في قانون لكن تطبيقاتها موكلة لبيئة قد تكون غير سليمة وغير مؤتمنة على شرع أو قانون. هل المطلوب صياغة اجتهاد موثوق بأصول الشرع ومستجيب استجابة إيجابية متجددة لحاجات المجتمع ولهويته وقيمه وثقافته؟ أم المطلوب إيجاد ذرائع ومناطق شبهات عائمة تقدم مخرجا لكل عابث، وتطبع مع ظاهرة مشينة موجودة؟

ويبقى السؤال المطروح وبإلحاح هو من تسبب في إيجاد هذه البيئة الفاسدة المفرخة لأطفال أبرياء خارج إطار الزواج الشرعي الذي يقدره كل المغاربة ويعتبرونه دينا من الدين يعقدونه على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ ومن يرعى هذه البيئة الفاسدة؟ ومن يتستر عليها وعلى عصاباتها العابرة للحدود؟ بل ومن يجني من ورائها الأرباح الملوثة بتدنيس شرف البلد وسمعته وشرف وسمعة أبنائه وبناته؟ ومن أجهز على الكنز العظيم الحاضن لكل تربية وتنمية وتقدم الذي هو قطاع التربية والتعليم، والذي حرم منه نصف الشعب منذ 1956 إلى اليوم؟ والنصف الآخر الذي يخرجه هذا القطاع المريض كيف هي تربيته وما هي قيمه وما إدراكه لعمق هويته؟ وهذه الأفواج المتمدرسة والمتخرجة من سمح بأن تكون سوقا لكل أنواع المخدرات والموبقات..؟ ومن صاحب المصلحة في وجود ملايين من الأميين وأشباه المتعلمين وغير المؤهلين؟ والمؤهل القليل منهم لا يكاد يجد عملا يحفظ كرامته ويسد رمقه ويمكنه من تكوين أسرة مستقرة تسهم إلى حد كبير في بناء مجتمع عفة وتعفف، لأن القسط الأوفر من ثروات البلد مرهونة في يد حفنة أبقت على الاقتصاد الوطني تقليديا غير متطور وخادما لمصالحها ونزواتها الخاصة. ألم تقل منظمة دولية هذا الأسبوع بأن تقديم تعليم جيد للأطفال المغاربة إلى سن 15 سنة كفيل برفع الناتج الداخلي الخام 16 مرة؟ بمعنى انتقال هذا الناتج من 100 مليار دولار إلى 1600 مليار دولار!! فمن يعيق تقدم هذا البلد ويحرص على جعله دوما رغم مدخراته المهمة يقتات على موائد الديون الأجنبية؟ إن غياب العمل على ترسيخ التربية الإيمانية والخلقية وغياب منظومة الحكامة الديمقراطية العادلة النقيضة لمنظومة الفساد الحالية والمؤسسة لبيئة اجتماعية نظيفة وغير ظالمة أو مرتشية، إن غياب هذين العاملين في تقديرنا هما السبب الرئيسي لكل الكوارث التي يعيشها هذا البلد ومنها الكوارث الاجتماعية المتمثلة في طاعون الفساد الذي تتم رعايته بصفة رسمية ويعمل على تفريخ أزمات وآفات متتالية يكتوي بنارها هذا البلد الحبيب..

إن الأمر متوقف على مقاربة شمولية وإصلاح جذري لعدد من الاختلالات المجتمعية، ينظر فيها إلى الفرد والمجتمع، إلى وضعية المرأة والأبناء والأسرة ككل، والمدخل الأساس للتغيير إصلاح تربوي أخلاقي يكون صمام أمان لأبنائنا وبناتنا ونسائنا من الوقوع في المحرمات والشبهات، وليس مجرد التربية الجنسية ذات البعد البيولوجي الخالص، فلا يعقل أن تكون المنظومة التربوية التعليمية في شأن قيم العفة والأخلاق فقيرة، والأجواء العلمية والتعليمية ضعيفة إن لم نقل محفزة على الإباحية في هذا، ثم ننتظر نتائج غير فوضى العلاقات الجنسية من اغتصاب وزنا محارم واعتداء على المختلين والمختلات عقليا. إنه لابد من إصلاح شمولي تتحقق فيه العدالة الاجتماعية التي تمكن الشباب من سبل العيش الكريم والقدرة على إنشاء أسرة لغاية الإحصان والعفاف، فضلا عن إرادة سياسية قوية تنخرط على البِدار في عملية التغيير وإصلاح الاختلال الواقع ثم المتوقع. وما ظاهرة الإجهاض السري إلا تجلّ من تجليات هذا الاختلال.

لا ينبغي أن تحجب عنا الظواهر الاجتماعية المؤلمة أصل الداء المستمر الذي ينخر جسم هذا البلد: الاستبداد والفساد.

قال الله تعالى في سورة طه: كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ (82)