تأطير

الدعوة والدولة، ثنائية أثارت وتثير نقاشا ازداد حدة بعيد ثورات الربيع العربي، وما أفرزه من ظهور للحركات الإسلامية وتأييد شعبي لمشاريعها المجتمعية، كان نتيجة طبيعية لبوار اختيارات تجارب الدولة الوطنية لما بعد جلاء عسكر الاستعمار الغربي. الدعوة والدولة أية علاقة؟ هل تهيمن الأولى على الثانية، فيما يشبه ولاية الفقيه، إيران نموذجا؟ أم أن الثانية تستدرج الأولى إلى ساحتها وتُحيلها جسدا بلا روح، وشعارات بلا معنى؟ إذَنْ تنصرفُ الدعوة بكليتها لتسيير دفة الحكم. وإذن فهو فَناءُ الدعوة… تتحول هيكلية سياسية محضة، تتكلم كما يتكلم السياسيون، وتسلُك مسالكهم…) 1 ، أم أنهما يكملان بعضهما، في غير تنازع بين الوظائف والاختصاصات كسبا لثقة الشعب واحتفاظا بهذه الرصيد وتنميته، مهما كان الإنجازُ أو القصورُ؟

لا يزعم هذا المقال أن يتناول هذه الإشكالات بالتحليل والتدقيق، وإنما حسبه أن يثير الموضوع للنقاش، في محاولة متواضعة لرصد العلاقة بينهما، مُعرِّجا على بعض التجارب التي أفرزها الحراك الشعبي، وما يزال.

في العلاقة بينهما

1. على مستوى المرجعية

ــ الدعوة تستند إلى المُقدس/الحقيقة المطلقة بما هي وحي سماوي.

ــ الدولة تستند إلى الممكن والمتاح النسبي المتغير.

2. على مستوى الخطاب

ــ الدعوة تنادي في الإنسان روحه ومعاده، لقاء ربه: يا أيها الانسانُ إنك كادحٌ إلى ربك فمُلاقيه (الانشقاق، الآية 6)، توجيها وضبطا لحركته لتنتظم عملا صالحا منتفَعا به دنيا وآخرة.

ــ الدولة تنادي في الإنسان معاشه وتسعى لتوفير حاجياته المادية. والتديُّن قضية شخصية.

3. على مستوى الوظيفة

ــ الدعوة سياج يحمي المشروع المجتمعي عقيدة وهُوية ومنظومة قيمية.

ــ الدولة تسأل عن تنزيل القوانين وتسهر على احترام التخصصات، تنظيما لحياة الأفراد وضمانا لسير المؤسسات، سعيا لتحقيق العدل والحرية والكرامة.

4. على مستوى العلاقة

الدعوة والدولة تتكاملان وتتعاونان في غير تنازع في الوظائف والاختصاصات، وفي غير صراع للإقصاء والهيمنة. فالدعوة روح والدولة سلطانها، وقد يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. كما قال ذو النورين عثمان رضي الله عنه.

محاذير ومهالك

وإذا كانت الدولة مطلبا للدعوة تنزيلا للمشروع الإسلامي، كغيرها من التنظيمات السياسية ذات المرجعيات المختلفة، فإن دخول أبناء الحركات الإسلامية معمعان الدولة تكتنفه محاذير كثيرة قد تهدد الدعوة في جوهرها ورسالتها، فــالخطرُ المتربصُ بكل زاحف على قلعة الدنيا وزبدتِهـا، أعني الحكمَ وممارستَه ومصارعةَ الناسِ عليه وفيه، هو انمحاقُ الإيمان الفرديِّ وانسحاقُ التطلع الإحسانيِّ إن وُجِدَ ابتداءً. ومن ثَمَّ ذوبانُ الدعوة في الدولة، وانتِهاكُها، وتسربها في مساربها كما تتسرب قطراتُ الماءِ في الرمال العطشى…) 2 .

محاذير ليست وليدة اليوم، بل طفت على السطح منذ أن أصبح للمشروع الإسلامي دولة، كان الحضور والصحبة النبوية المباشرة صمام أمان من خطرها، وكانت يقظة الخلفاء الراشدين واقيا من سريان سمومها في شرايين دولة حديثة. فهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يكره أن يوظف أهل بدر، وما أدراك ما أهل بدر! في دواليب التدبير مخافة أن يُدنسهم بالدنيا، وعلى النهج سار سيدنا عمر بن الخطاب يستعمل ذوي الكفاءات العملية والتدبيرية من الصحابة، ويُبقي على أهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلى جانبه في المدينة حرصا منه، ــ وهو المشهود له رضي الله عنه بحسن الفراسة وسداد الرأي ــ على إبقاءِ جماعة المسلمين حاملةِ الدعوة بمَنْجىً من الاشتغال بتدبير “الدنيا” لتكون من العاصمةِ مصدرَ إشعاع إيماني ومورِدَ صفاءٍ إحسانيٍّ، تستنير بنوره الأمة، وتعُبُّ من نبعه) 3 .

الدولة “شـر” لا بد منه، منافحة عن مشروع الإسلام العدلي ورسالته الإحسانية إلى البشرية. الدولة وما تتيحه من سلطان وأسباب ظهور ابتلاء واختبار وتحدٍّ: هل تمسك الدعوة بزمام الحكم وتدير عجلته وتَبقى مستقلةَ الوجود ماضية الإرادة في وِجهَة التغيير الشامل الجذري للمجتمع، أم تجذِبها الدولة ويستقطبها الحكمُ فيستولي على النفوس، ويستغرق الجهودَ، ويغلب على الوجهة حتى تذوبَ الدعوة في الدولة؟ التحدي أساسا هو: هل يحيَى الدعاةُ بعدَ الوصولِ إلى الحُكم بحياة الإيمان والإحسان، أم “تدنسهم الدنيا” وتهلكهم كما أهلكت من كان قبلَهم؟) 4 .

على سبيل التقييم

لقد يسر الله تعالى وسنحت مشيئته بفرصة بزغ فيها نجم الحركة الإسلامية وعلا سهمها، تسلية لعقود من الاضطهاد والتنكيل الممنهج بمن ارتضوا الإسلام منهجا، وتمحيصا لثبات من ترشحه الأقدار الإلهية ليكون للأمة ملاذا يسير فيها بنور الإيمان إحياء وتجديدا لما بلي من شعائر الدين وسننه. لقد سنحت فرصة، وشُرعت أبواب الدولة أمام أبناء الحركة الإسلامية وبناتها، وبوأتهم الاستشارات الشعبية صدارة المشهد السياسي، بعد طول إقصاء.

وإذا كان ولوج دواليب الدولة لا يحتاج لكثير جهد تأصيلا وشرعنة، فمخالطة أهل الإيمان المجتمع والصبر عليه خير من الانزواء والانكفاء عن النفس، بدعوى التزكية والطهرانية؛ غير أن هذه المخالطة تضبطها شروط، منها سقف المخالطة وحدودها، وبلغة المعجم السياسي، بأية صلاحيات تكون هذه المخالطة وهذا الاقتحام، فالإيمان يأبى إعطاء الدنية، بدعوى التدرج والمرونة والواقعية.

أسئلة كثيرة طرحتها مشاركة الحركة الإسلامية في تدبير الشأن العام، واعتبارا للفوارق بين ظروف البلدان، يبقى المشترك من هذه الأسئلة: هل من الحكمة أن تخوض الحركة الإسلامية، في هذا القطر أو ذاك، تجربة الحكم بصفها الأول، بأهل سابقتها المُستأمنين على لب مشروعها: الدعوة؟ أم أن الحكمة تقتضي إقحام صف ثالث وربما رابع في تجربة محفوفة بالمخاطر، لا سيما والمرحلة الانتقالية حُبلى بتركات الاستبداد؟ ثم، إذا حسمنا مستوى المشاركة، بأي خطاب سياسي نُدير المعركة مع فرقاء اضطروا اضطرارا لقَبول الحركة الإسلامية على مضض في تشكيلة الحكم؟ هل يُعتمد خطاب الساحة الذي لا يراعي باسم المنافسة على الحكم إلاًّ ولا ذمة لمؤمن ومؤمنة؟

وبالعودة إلى التجربة المغربية، إلى أي حد حالف إسلاميو الحكومة التوفيق في الاختيار؟ وكيف سيكون المآل والحصيلة دعويا لو فشلت التجربة، لا قدّر الله؟ وعلى مستوى الخطاب السياسي، ما درجة النجاح في الحفاظ على تميز الدعوة، في ظل ما بلغه الخطاب السياسي المغربي اليوم من إسفاف ورداءة؟ ألم ينجح الخصوم في استدراج أبناء الحركة الإسلامية ـــ رئيس الحكومة نموذجا ـــ إلى معترك السفه الذي لا يكلفهم شيئا، وعيا منهم أن ميزة الحركة الإسلامية أخلاقها وخصالها الحميدة القائمة على الصفح والتجاوز، قبل الورع والتعفف؟ وإذا تعذر اتهام أبناء وبنات الحركة الإسلامية بالنهب والاحتيال للإثراء غير المشروع، فإنه أمكن النيل من مصداقيتهم أخلاقا وخطابا بأساليب غاية في الدهاء والمكر، عملا بالمثل الشعبي: “خْسارتي وخْسارتك رْبـَــاحْ”.

لذلك، وجب التنبيه أنه قد تتلاشى ـ الدعوة ـ ويَضمحل معناها إن صبغها الوسط السياسي الذي لا بد أن تخوضه بصبغته، وإن جرها “منطق الساحة” بحباله. المرجوُّ لها أن تكون قوة اقتحامية تحتل معاقل الحكم وتوطد أقدامها فيه مع تعزيز وظيفتها الإحيائية التغييرية التاريخية) 5 .


[1] “العدل: الإسلاميون والحكم” للأستاذ عبد السلام ياسين، ص 107.\
[2] نفسه، ص 105.\
[3] نفسه، ص 106.\
[4] نفسه، ص 107.\
[5] نفسه، ص 108.\