بالتأكيد إن مجال التعليم والتربية مبني على التفاؤل المبني على الاقتناع التام بجدوى وإمكانية تغيير الإنسان وبالتالي تغيير ما يحيط به خاصة الطرق والمسالك المنتهجة لتعليمه وتطوير مكتسباته، ولذا فلا يمكن أن يتسلل إلينا اليأس من الإصلاح والتغيير في كل جوانب الحياة بما فيها نظامنا التعليمي المعطوب.

إن العالم اليوم مليء بتجارب الإصلاحات المتواصلة للنهوض بقطاع التعليم باعتباره الطريق الأوحد والوحيد لإضاءة دروب الإنسان المظلمة، صحيح أن البعض منها قد فشل فشلا كليا أو جزئيا، لكن إذا استعرضنا الكثير من التجارب العالمية نجد أن الإصلاحات لم تتوقف، وأن قطاعا حيويا كقطاع التعليم لا يمكن أن يبقى راكدا، بل يلزمه دائما التجديد والإصلاح والتغيير.

لكن مداخل الإصلاح كما يراها المتخصصون في هذا المجال تقتصر على التالي:

أولا: يجب تحديد المشكلات المقصودة بالإصلاح والموجودة فعلا والتي تفرض نفسها بقوة على جميع الأطراف العاملة في مجال قطاع التعليم والتربية، وهل هي قابلة للقياس العلمي والمعالجة الممكنة لا الإرهاصات والتوقعات والإغراض والتشفي؟

ثانيا: الحلول المقترحة لحل هذه المشكلات بشرط أن تكون قابلة للتطوير والتنزيل في بنية القطاع: وأن تكون موجهة توجيها دقيقا بحيث لا نضيع جهدا ووقتا في تعميمها وتوجيهها للقطاع ككل؛ وفي هذه الحالة لا تكون الحلول قابلة للقياس والتقييم فيما بعد.

ثالثا: من يقوم على الإصلاح؟ يجب أن تكون الدوائر المختصة، والشخصيات التي توكل لها هذه المهمة متخصصة تخصصا يضمن عدم انزلاق التغيير والتجديد والإبداع في تنزيل استراتيجيات للإصلاح إلى منزلقات ارتباط التعليمي بالسياسي وإغفال الجانب الاجتماعي باعتباره الأساس المركزي لكل إصلاح أو تغيير.

وهل هؤلاء الموكل إليهم -نقصد المعنيين السياسيين والاجتماعيين والتربويين- بهذه المسؤولية الجسيمة لهم إرادة قوية للإصلاح ويتميزون بالحماسة الكافية لخوض تجربة إعادة الأمور إلى نصابها، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حلقة من الحلقات المفرغة المتسلسلة التي لا تفرخ سوى اليائسين وأنصاف المتعلمين في مدارسنا اليوم.

رابعا: هل توجد جدولة زمنية للإصلاح؛ أي الخطة التنفيذية المربوطة بزمن محدد وأهداف محددة تعالج ما تم تشخيصه من مشكلات تستعصي على الحل، وهل هناك تقويم مستمر لأثر الإصلاح؟ وحتى إن لزم الأمر تغيير بوصلة الإصلاح تحت أي ظرف من الظروف فما هي حدود هذا التغيير؟

نعتقد اليوم بعد طرح هذه المداخل أن مجتمع اليوم هو مجتمع التمدرس ومجتمع التربية بامتياز، ذلك أن واقعنا المعاصر يتطلب منا الآن أن نركز على الدراسة المتخصصة والمنهجية القابلة لأن تكون من ركائز النهوض المجتمعي والاقتصادي ببلداننا المتأخرة عن ركب التقدم والنماء.

إن استثمار المعطيات الحديثة في مجال التربية والتعليم قد يعيننا على تركيز جهود الإصلاح والتغيير اللازمين في منظومتنا التربوية، وتطوير المناهج والبرامج المدرسية تطويرا بحيث تكون متلائمة مع روح العصر ومتطلبات الحياة الاقتصادية المستقرة لا التابعة والمرهونة لصناديق الإقراض الدولية، وأن تكتسب المرونة اللازمة في التجديد وأن تتحول مدارسنا إلى مؤسسات اجتماعية فعلية تتبادل الخبرات والتقنيات والبرامج مع المجتمع الكبير الذي هو في الأخير تصنعه مدارسنا.

وفي هذا الإطار يجب الانتباه إلى الأطراف التي تصرف الإصلاحات بشكل مباشر بهذا القطاع الحيوي المصيري، ومنهم حجر الزاوية في المنظومة التربوية؛ إنه المدرس الذي لا ينكر أحد فضله في نجاح أي إصلاح من عدمه، لا اعتباره موظفا يملك حصة من ميزانية الدولة لا غير، إنه محور الإصلاح وعليه مداره.

وأخيرا يأتي دور الأسرة والمجتمع في الدفع بعجلة الإصلاح وتثمينه والكف عن إشاعة روح التخاذل والفشل ورسم الصور السوداء القاتمة التي لا تخدم سوى هواة التقهقر والرجوع إلى مجتمع نصف متعلم وأجيال لا وجهة لها ولا مسار.