إن المعاناة المريرة والصعبة التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائلية والتي لا شك ذاق مرارتها مئات الآلاف من جميع أبناء الشعب الفلسطيني والعربي بجميع أطيافه وبكل فئاته المجتمعية، علما أن السجان لا يميز فيها بين الأطفال والشباب والشيوخ ولا بين الرجال والنساء لأنه يعلم جيدا أن الكل مجمع على إزالة هذا السرطان الذي زرع بين أضلع هذه الأمة، والذي لا شك إن شاء الله إلى زوال. إن هذه المعانات لن تذهب سدا بل إنها تصنع تراكمات جهادية أثبتت الأيام أنها لا تزيد المجاهدين والمناضلين إلا قوة وإصرارا في الدفاع عن حقهم في وطن حر ومستقل، والأكثر من ذلك فهي مدرسة يوسفية بامتياز قوامها الصبر والتفاؤل والأمل والثقة في وعد الله الذي لا يخلف الميعاد.

لا شك أن لهذه الاعتقالات آثارا معنوية ونفسية ومادية على المجتمع الفلسطيني بصفة عامة وعلى المعتقلين بصفة خاصة، حيث نجد أن من الأسرى من تم اغتياله أثناء الأسر ومنهم من بقي مصابا بالرصاصات التي اعتقلت معه في جسده حتى فارق الحياة، ومنهم من نهشه المرض وهو يلتمس العلاج دون جدوى، ومنهم من أنهى مدد اعتقاله وكان محظوظا وأفرج عنه بعد سنوات طويلة وخرج إلى الحياة مثقلا بذكرياته المريرة وعلله المستدامة، ومنهم من لازالت الأقدار تطالبه باستمرار رسم بطولات ومعارك ملحمة الصمود الإنساني داخل سجون القهر الصهيوني، ومنهم ومنهم… ولكن الحقيقة أن هذه المعانات رغم أذاها إلا أنها تصنع الفخر وتصنع الرجال وتبعت روح الأمل في الأمة بأكملها خاصة مع الصمود الأسطوري الذي يسجله أبناؤها رغم جميع الوسائل الخسيسة والدنيئة التي يستعملها المحتل سواء مع الأسرى أو مع عائلاتهم.

كل ما سبق يفرض علينا أن نناصر إخوتنا وأخواتنا ضد هذه الغطرسة وهذا الظلم الصهيوني، خاصة في ظل الصمت المريب الذي تعرفه قضيتهم في جميع المحافل الدولية التي من المفروض أن تعنى بمثل هذه القضايا الحقوقية، وهي المحافل التي نجدها في بعض القضايا الإنسانية أو الحقوقية المتعلقة بالمواطن الغربي تقيم الدنيا ولا تقعدها، في حين وأمام حرب الإبادة الممنهجة التي تسلكها القوات الصهيونية في حق أبناء الأرض الأصليين، ومن يناصرونهم من أحرار تجد هذه الدول وهذه المؤسسات غائبة وكأن الأمر لا يعنيها مدعمة في ذلك بالمؤسسات الرسمية العربية التي تتعامل مع هذه القضايا كإرث ثقيل تريد التخلص منه في أسرع وقت، مستعملة في ذلك كل الوسائل الممكنة وعلى رأسها إعلامها الذي لا شغل له إلا إلهاء الأمة عن قضاياها الحية، وذلك بافتعال قضايا وهمية وهامشية، وكذلك عبر التضخيم والنفخ في أمور لا تعكس حقيقة ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من أخلاق ومبادئ، مما يضاعف من مسؤولية الأحرار من أبناء هذه الأمة تجاه قضايا أمتهم وفي مقدمتها في الوقت الراهن معاناة أسراها وأسيراتها في أقبية السجون الصهيونية.

إن بعض الحملات التحسيسية التي تقودها العديد من الهيئات المدنية والحقوقية على مستوى عالمنا العربي والإسلامي، لتجسد صرخة صادقة معبرة عن مرارة وحزن آتية من خلف معاناة الأهالي ومن غياهب السجون، لتفضح جرائم الاحتلال ومن يساندونه ويدعمونه من الأنظمة الديكتاتورية ومن ورائها الأنظمة الاستعمارية التي رغم كل ما تتجمل به من صباغات وأدهان الديمقراطية وشعارات حقوق الإنسان سرعان ما تتبخر على صخرة معاناة أبناء الأمة في مجموعة من القضايا وعلى رأسها قضية معتقليها الفلسطينيين.

إن واجب النصرة والأخوة وواجب انتمائنا إلى الإنسانية يفرض علينا أن ندعم قضيتهم العادلة، وندعم حقهم في تحرير وطنهم ونعزز صمودهم، وأن نفضح جميع الممارسات والانتهاكات اللانسانية بحقهم، كما يجب علينا أن نطلع الرأي العام الدولي عامة والإسلامي خاصة بمعاناتهم بشكل دقيق ومفصل ونسلك جميع السبل المشروعة والقانونية التي من شأنها الإيفاء بالغرض ومن أهمها في الوقت الحالي إبقاء قضيتهم حية بين جميع أبناء هذه الأمة إلى أن يأذن الله بالنصر، وما ذلك على الله بعزيز.