فصل ثنائيات التكامل الوظيفي في الأمة

لعل أخطر ما قام به الملك العاض ومن بعده الملك الجبري هو فصم الوظائف التكاملية عن بعضها البعض في جسد الأمة فسارت تخطو خطو العرجاء التي انفصم رجلاها لغياب المتحكم فيهما فأصبحت كل رجل تخطو لنفسها مستقلة عن الأخرى فكان السقوط المحتم، ومن أهم الكليات التي انفصمت:

1- الدعوة والدولة

في عهد النبوة كانت الدعوة والدولة قضية واحدة، فكان من مقتضيات نشر الدعوة أن ينتظم المسلمون في أمور عباداتهم ومعاملاتهم ومعاشهم وجهادهم حول مُطاع واحد. في شخصه الكريم تجتمع معاني الرحمة المهداة، وبيده الكريمة مقاليد الأمر والنهي، أمرٍ ونهيٍ جميعٍ غيرِ شتيت، الكل دينٌ، لا فصلَ في فقه الصحابة رضي الله عنهم بين الدنيوي والديني. هم كانوا عبادَ الرحمان، في كل حركاتهم وسكناتهم يذكرون الله عز وجل ويسبحونه، حاضرين قلبا وقالبا مع البِشارة والنذارة.

2- القرآن والسلطان

إن الانفصام النكد بين الدعوة والدولة بشكل عام هيأ لانفصام آخر نتج عنه بشكل طبيعي وهو الصراع بين القرآن والسلطان، فتغلب السيف بسطوتة وخبا القرآن عن دوره الريادي الموجه للسلطان، فغابت الشورى وغاب العدل واختفى الإحسان، وتفتت الفقه، وانحدرت الأمة إلى درجة أن أصبحت تحت يد الاستعمار فأفشى فيها أمراضه وسمومه، فبرز المغربون وجند الشياطين يعيثون في الأمة فسادا.

وقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن اللحظة الفارقة محذرا وموجها، فقد أخرج أبو نعيم في حليته من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إن رحا الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب”. فالقرآن والسلطان كانا متلازمين يدور السلطان معه، هو مركز رحاه، لكن عنجهية السلطان وفي غياب تقوى وورعه، لا تريد أن تبقى مراقبة وموجهة من طرف القرآن، فانبرى له من انبرى، وسكت عنه من سكت. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: فمن رجال القومة من أدرك أصل الداءِ، وهو فساد الحكم، فبادر لعلاجه. ومن رجال الإصلاح من تَنَازَعَهُ عاملا الخوف على شوكة الإسلام أن تنكسر، وواجبِ النهي عن المنكر وأطْر السلطان على الحق، فاكتفى بالوعظ، والمقاطعة، والتوجه إلى الأمة لتعليمها، وتربيتها، وتغذيتها بروح المقاومة) 1 ، رجال الإصلاح الذين يتكلم عنهم المرشد ليسوا من علماء السوء متزلفي السلطان الطامعون في فتات موائده، ولا هم الخارجون عليه من أجل الزعامات وأطماع الملك، وإنما هم من تهمموا بحال الأمة فاجتهد على قدر مبلغه من العلم، ورجحان اجتهاده.

3- العلم والايمان

بحيث أصبح العلم متناثرا في جزر متباعدة تربع العقل الإنساني في صياغة مناهجه ووسائله قاطعا أوصاله عن الهدي الرباني المبني على المقاصد الايمانية تقعيدا لأمانة الاستخلاف الموكلة للإنسان، كيف يعمر الأرض ويصلها ويعبد الله فيها للغاية الكبرى التي هي معرفة الله تعالى.

4- الانفصام النكد بين القرآن والسنة

يقول الإمام رحمه الله: أن الانكسار التاريخي المبكر الذي ابتليت به الأمة الإسلامية بالانقلاب الأموي الغاشم الذي أطاح بالخلافة الراشدة وأسس للملك العاض الوراثي في الأمة، هذا الانكسار أثر سلبا على ذلكم التلازم بما أحدثه من انفصام نكد بين القرآن الكريم، باعتباره وحيا من الله تعالى وذكرا وشرعا وأحكاما، وبين الإرث النبوي الشريف باعتباره تجسيدا عمليا لذلك الوحي. وفي ظل ذلك الانكسار وما صاحبه من انحرافات خاصة على مستوى الحكم وتوزيع الثروة، أُفقد القرآن الكريم مكانته في التشريع والتوجيه، بعد أن كان عند جيل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فرقانا فاصلا في جميع مناحي الحياة، وبرهانا ساطعا به يبرهن على الهدى والضلالة، على الصلاح والفساد، على إصابة العقل وخطئه) 2 .


[1] رجال القومة والإصلاح ص 41.\
[2] القرآن والنبوة ص 5.\