غالبا ما تفهَم السيادة على ضوء مفهوم السيطرة، وهو الشائع في الخطاب والفعل السياسيين داخل حدود جغرافية معتَرف بها أو على المستوى العالمي، فيترتب عليه غموض في التصور، وإجحاف في التعامل، فيذكي الحروب والنزاعات التي تكاد تعصف بالإنسانية من كل جانب وبالأرض التي جعلها الله تعالى كفاتا للأحياء والأموات.

السيادة من (س ود) على رأس قومه أي إليه المرجع كله في الأمر والنهي، وهذا التعريف الوارد بعضه في مختار الصحاح للرازي (ص 157 م ع الدار النموذجية 1992) يحيل إلى السيطرة لا إلى السيادة، سيادة الجماعة كما كان عليه الأمر زمن النبوة حيث ما كان يقطع أمرا إلا بالمشورة ولو في بعض أحواله الشخصية صلى الله عليه وسلم، فيرجع السيد إلى الجماعة، أما في حال السيطرة فإن الجماعة هي التي ترجع إلى سيدها بينما هو في غنى عن مشورتها، وهذه إحدى الفروقات الجوهرية بين السيادة والسيطرة، وهي من (س ي ط ر) فعل رباعي لازم يحيل إلى فهم سلبي إذ يشارك الأفعال الآتية: تسلط، اعتدى، استولى؛ بينما يرد إيجابيا في موضع واحد: عندما يُقال “سيطر على غضبه” أي تغلب على انفعالاته، أما خارج الذات الفردية، أي بين شخصين أو أكثر فلا تعني السيطرة إلا الاستحكام في الغير لإخضاعه، بدءا بتقييد الحرية في القبول والرفض، وتقييدها عن السعي لطلب الرزق، وتقييد التعلم بالتلقين بدل السؤال، وهكذا تفقد الجماعة -أفرادا- المبادرة وتصبح أسيرة الرأي الواحد.

وبمرور الزمن، تنسى الذاكرة الجمعية ذلك النموذج السامق الذي قام بين أسوار المدينة حيث كان يفرق بين أحيائها 14 سورا خوفا من أن يغير بعضهم على بعض، فاجتمعوا على حَكم محايد مقتنعين يهودا وعربا – قبل النزاعات والأطماع – بالرجوع إلى النبي عليه السلام في حال الخصومات ومتعهدين بالدفاع المشترك عن المدينة في حال تعرضت للعدوان -وهذا ما أخل به اليهود- وما الوثيقة إلا دليل على الوعي النبوي الطاهر الذي أثّل التوافق العام بالإجماع، إذ أقر بالتعددية الدينية والطائفية -وقد بقيت قبائل على شركها لم تحارب النبي ولم يحاربها- واحترام الأعراف السائدة لكل قبيلة، كما جعل من وسط المدينة حرما آمنا لا تقوم فيه النزاعات حيث لا يتحقق الإجماع إلا مرة واحدة عند التعاقد فقط؛ لكن الأيام تعود إلى سابق عهدها وتغلب العصبية القبلية التجمع المتعدد الأجناس ذاك الذي احتضنه النبي.

ثم يأتي القرن 13 لتفتخر بريطانيا ب”الماكنا كارتا” أو الميثاق الأعظم كوثيقة تُحدد فيها صلاحيات الملك جون من قبل البارونات المدعومين من الملك الفرنسي فليب الثاني. فلم تكن هذه الوثيقة جامعة شاملة لكل أنواع النزاعات أو داعية إلى تعايش طائفي، ولم تراع حقوق المستضعفين، ولكنها اعتبرت مفخرة التراث الأوربي في الفكر السياسي وهي كذلك باعتبارها خطوة للانتقال من العنف غير المبرر إلى الدستور؛ بينما غطى التراب وثيقة المدينة التي يجب اعتبارها السنّة النبوية التي أسست للتعايش الطائفي للمرة الأولى في التاريخ والاعتداد بها.

تستمد السيطرة شرعيتها من الشكل الأول الطبيعي الذي يجعل من الأب رأس الهرم في الأسرة، باعتبار ذكورته، وقوته الجسمية، واعتماد أفراد أسرته عليه في عيشها؛ وبتسلسل أسر متعددة من جد واحد تُضفى عليه هالة الانتماء، أي أن كل من لا ينتمي إليه بالبنوة من الأب -خصوصا- يُصنف من الدرجة الثانية، مما يرسخ المكانة الأبوية. هذه الصورة ما فتئت تتضخم كلما توسع التجمع الإنساني، وبشيء من التأويل اللامعقول (الخرافي) تنضاف القداسة إلى العرق الذي يعتقد جازما أنه سليل الآلهة؛ ثم يتم انتخاب العرق الأقوى من بين كل الأعراق الأخرى وسط التجمعات الكبرى ليظفر بالسيطرة شبه الكاملة، ولو بعد حين.

إن ما سبق ذكره، عبارة عن مجموعة من المصادفات العرضية بسبب عدم دوام السيطرة لعرق متفرد، وبسبب العبودية المطلقة للشهوة -شهوة التسلط- وهو ما يمكن تسميته بالهوى ليس بمعنى العشق والميل فقط، وإنما بمعنى السقوط والهلاك لأن من يهوى بلا تعقل يهوي من أعلى.

وعليه، يمكن تفريع السيطرة إلى الخضوع لفرد معين ذي الدم المقدس كرمز للقوة والبطش، أو لطائفة (عقيدة، أو نحلة، أو مذهب)، أو لنظام ذي نفوذ عظيم ( الرأسمالية، الشيوعية سابقا)، أو للأغلبية -ولو تحت نظام ديمقراطي مُعتمد- إذا ما تم تهميش الأقليات، وكلها للأسف مجموعة من المصادفات لا علاقة لها بتطور التاريخ كما يريده الله تعالى -وهو رب العالمين، لا حق لأحد في الادعاء بأنه إلهه وحده- لكنه سبحانه لا يفعّل مشيئته المضادة لسننه المعلومة عند الناس وغير المعلومة، حتى يصل الإنسان إلى درجة النضج الذي قال في حقه إني أعلم ما لا تعلمون 1 .

من خلال هذه الإطلالة الوجيزة على أصول ومعنى السيطرة، يمكن القول بنوع من الارتياح أن السيادة هي غير ذلك تماما، فهي قيادة وليست إخضاعا، والتزام حر وليست استعبادا، ومسؤولية وليست فوضى، وكذلك هي رحمة، وأنها غير قابلة للتنازل عنها… وهي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة، فإنه يمتنع التنازل عنها؛ وبأن صاحب السيادة ليس إلا موجودا جماعيا، لا يمكنه أن يمثله أحد عدا أن يمثل نفسه هو بالذات) 2 ، فالسيادة هي نتيجة الاجتماع الذي تم بالتوافق ووجودها كلي حيث تتماهى إرادة الجزء معها، وكل تعارض بينهما يقسمها إلى جزأين: جزء أكبر وآخر أصغر 3 ، وبما أنها ليست سوى ممارسة الإرادة العامة، فلابد أن تكون على الصراط المستقيم دائما، ميالة إلى المنفعة العمومية دائما) 4 .

إن السيادة ثابتة، وكلية، وعقلانية، وعادلة، وقوية، وخيّرة، وأخلاقية، إنها من نبع الفطرة، وعندما يحول بينها حائل، أي تسيطر إرادة جزئية على المسار الجماعي ينعكس الحال إلى الفوضى التي كرست العبودية، والظلم، وأثبتت شرعية أغلب الحروب غير المبررة، وكلها مجموعة مصادفات لا غير، حيث تمحو أجناسا كاملة وتعوضها أخرى سيرا على نفس الدرب، حتى يدرك جيل هذه الحقيقة فيكون خليفة، يخلف سابقيه من الأجناس التي لم ترق إلى مستوى تحقيق اجتماع مركب ومتوافق، يتخطى ما وصفه التنزيل الحكيم ب”الجاهلية الأولى” لم يتخلص منها الوعي الجمعي إلى يومنا هذا، لكن الدمار الشامل الذي هلك الإنسانية خلال الحربين العالميتين أركس العقل السياسي الاستعماري على نفسه، ففك الحصار عن حدوده الجغرافية ليحول دون اشتعال حروب داخلها، بينما يئن باقي العالم تحت نير الحروب وأغلبها طائفية أي داخل الحدود المشتركة، حيث ما زال العقل المحلي (في المستعمرات سابقا) جزئيا مجزأَ على نفسه يقبل بعضه ويرفض بعضه الآخر، وهذا من فعل الجاهلية الأولى، وهي على أربعة أنواع: بدأ بحمية الجاهلية المتفرعة عن العدوانية، كانت فيما قبل مطية للبقاء، متبوعة بظن الجاهلية الناتج عن السفه وقلة التعقل (التمييز والترتيب والتقدير والتجريد)، يليها تبرج الجاهلية النابع عن الرعونة وقلة الحياء، تؤدي كلها إلى حكم الجاهلية المبني على القهر وتدنيس الحياة بكل أشكالها، وكلها تعرقل الاجتماع التوافقي، وبالتالي تهدم السيادة.

إن دليل ثبات السيادة هو تقلب السيطرة بين الأيدي طوال تاريخ الاجتماع الإنساني، فتنتهي بنهاية المسيطر فردا أو طائفة أو عرقا أو إمبراطورية، فمنذ القرن 15 تعاقب -شرقا وغربا- عشر إمبراطوريات للسيطرة على العالم، أحيانا بالتزامن، وأحيانا بالمغالبة؛ كما أن كليتها (أي السيادة) يتجلى في الأجزاء المكوّنة لها، حيث تتنابذ مرة فتتجزأ، وتندمج فيما بينها فتتثاقل، وعندما يتعادل التنابذ والاندماج، يحدث تآلف بين هذه الأجزاء، إذ لا ينجح التآلف إلا بالتعقل والضبط الذي يُوفق بين ما في الأذهان مع في الأعيان فيصح التصور، ليس بفهم الأشياء فقط وإنما بتدبير العلاقات الاجتماعية أيضا وفق ميزان العدل، وبقوة القانون الذي يُحرر الفرد من الفوضى والخوف، مدعوما بالأخلاق التي تُميز التعاقد الاجتماعي عن التجمع الطبيعي. أما الطاقة التي تجعل من الأجزاء كلا اجتماعيا فهي تلكم الرحمة التي أودعها الله تعالى في النفس المفطورة على الخير.

إن السيادة مطلبُ الأسياد وليس العبيد، ولهذا يختار الناس -أفرادا وجماعات- الحيز الذي يحبون أن ينتموا إليه.


[1] البقرة 30.\
[2] العقد الاجتماعي، روسو ج.ج. ص 105 م د و ع، ط1، 2011 ترجمة ع العزيز لبيب.\
[3] نفسه، ص 120.\
[4] نفسه، ص 109.\