إلى أخي وسيدي إدريس أعزك الله بعزه، وعطف عليك عطف أوليائه، وأذاقك من منازل القرب ما به تظل قرب بابه، وتدخل به إلى حضرة أوليائه، ورزقك الله فهم من امتلأ إيمانا حتى بلغ مشاش عظامه، وجمعنا وإياك في لحظة من لحظات عطفه وإحسانه.

السلام عليك ورحمة الله وبركاته

ثم أما بعد يا سيدي، المسجد المسجد، الصلاة الصلاة، القرآن القرآن، الوالدين الوالدين

عرفتك 1 سيدي متبتلا باكيا منكسرا بين يديه، مقدما بطاقة الإفلاس والعجز 2 ، من لي بمثلك يتقلب في السجود 3 : يدعوا، يئن، يملأ الجو عبقا، نسمة لطيفة تدخل على الجو فتملأه عطرا وشدا، وكأني أراك تتململ تململ السليم، وتبكي بكاء الحزين 4 : هو ذاك رجل الليل، ليل التبتل، ليل الانكسار، ليل الذل، هو ذاك خريج مدرسة الليل، خريج مدرسة أبي الدرداء ومصعب بن عمير والذين معهما، ليتني مثلك سيدي، ليتني أحظى منك بدعاء، أدخلني في سجل السبعين 5 أنا الوسنان. آه ثم آه، واحسرتاه على نفسي 6 الحائرة البائرة، سبقك الرجال وتهت في أزقة الغفلات 7 : من لك غير الصحبة، غير العبرات والزفرات والأنين تملئين به ليل الغافلين.

عرفتك سيدي مسجديا: تسبق الأذان إلى المسجد، تحف الخطى إليه، تدخل الأوقات الإلهية بأدب، لا تفوتك البلاليتان 8 يتغير لونك لحظة الأذان 9 ، وكأني أراك في مسجدك تارة متبتلا، وأخرى باكيا، وطورا ممرغا جبهتك من على حصيرته، تنتظر الصلاة بعد الصلاة، ترابط ما بين العشاءين 10 وكذلك كان دأب الصالحين: شغل ما بين العشاءين بالذكر والأنس بالله، مقبلين عليه بقلوبهم وأرواحهم، عرفتك سواريه، وبكتك لياليه، وسكنت إليك جوانبه، وانطوى فيك عالمه، آه يا سيدي كم هو جميل فضاء المسجد وأهل المسجد.

عرفتك سيدي وتدا من أوتاده 11 تفتقدك الملائكة إذا غبت، وتعودك إذا مرضت، وتقضى لك الحوائج إذا احتجت، أنت هكذا: غر، بهي، سني: حجلك الوضوء، وزينتك الصلاة، ورفعتك الخطى الدرجات، تدلف من باب المسجد، تحمل زاد المسير من جانب المحراب: وكأنك على خطى السيد المسيح عليه السلام. يا سيدي لا تنسني وأنت في لحظة من لحظات القرب: أنت هكذا مسجدي رمت الانتساب لشبيبة العدل والإحسان، أنعم بها من شبيبة: طهر ووفاء واستقامة ومضاء. ألا ليت شعري فمن أكون أنا، وقد هجرت، ونأيت عن ديار الأحبة:

ويوم لقاكم يا منى القلب موعدي لطرح حجابي وانجلاء ظلامي 12 .

عرفتك سيدي ذاكرا مذكرا، سبحتك أعياها التفريد، وأنت من جمع سبق المفردون، متصل لا منقطع، عرفتك مجالس الذكر: ورد لازم وجلوس للذكر عازم، وكأني أنظر إليك سكنتك محبته، وفاضت من جوانبك أنواره، زينتك مجالس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عرفتك سيدي صميتا متفكرا ملكت لسانك، فالصمت أول العبادة: الصمت عمق والثرثرة سطحية، هكذا أنت ينتقل بك الصمت إلى عالم الذكر والتفكر لتكون فاعلا في عالم الشهادة والجهاد، من لي بمثلك لا يفوتك ورد الصمت، نسيت واحدة: ورد الصمت، سامحنا الله نتكلم بلا معنى ما فعل هؤلاء وأولئك، ذيل من الكلام يجر ذيلا حتى نصل إلى الكلام اللاغط الساقط) 13 .

عرفتك سيدي تحملك العيس صباحا ومساء إلى تلك البقاع، إلى تلك الديار: باكيا مستغفرا، واقفا على المضجع الشريف مذرفا الدموع الغزار: على بابه تبذل روحك، وكأني بك بلال رضي الله عنه عندما ناداه سيد الخلق في المنام قائلا: ألا تزورنا يا بلال. فما كان منه وقد كان مقامه بالكوفة آنذاك إلا أن جمح حقائبه قاطعا الفيافي والقفار إلى أن وقف على المضجع الشريف فبكى حتى ابتلت لحيته: هكذا أنت صباح مساء، كأني أنظر إليك تبكي تتوسل، تلوذ بالصحبة وأنت واقف على المضجع الشريف: لا تنسني وأنت في ذلك المقام أنا المذنب الحقير أنا الفراشة التي تحترق، وكأني أراك تزور البيت العتيق، تتمسح بالكعبة، تتكئ على الربع اليماني، ترمي الجمرات، تهرول بين الصفا والمروة، ترمل 14 كما كان حبيبك صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يرمل، وكأني بك تلوذ بالبقيع حيث الأهل والأحباب، والخلان والأصحاب، أهل بدر، وكم من بدر- آه ثم آه- نحتاج اليوم.

عرفتك سيدي محبا محبوبا، لا تطيل النظر في مخاطبك، حيي كريم أنت: زينتك الصحبة الزم غرزها.

يا سيدي أذكر أخاك بالخير، أذكرني -آه ثم آه- لقد فسد الزمان، وسادت الأراذل وهلكت الفواضل، ولا زال موسى والذين معه يرقبون سفينة فرعون وهي على وشك الغرق، نعم يا سيدي: جلجل الجو بالأذان، جلجل الجو بالأذان، جلجل الجو بالأذان 15

وإلى أن تجمعنا لحظات القرب، أستغفر الله، بل يجمعنا الله عز وجل: الوالدين، الوالدين.


[1] قال أويس القرني مخاطبا هرم بن سنان رضي الله عنهما: عرف روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، لأن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد، وإن المؤمنين يتعارفون بروح الله عز وجل وإن نأت بهم الديار وتفرقت بهم المنازل… والرواية طويلة عد إليها.\
[2] العجز كنز والشعور بالضعف قوة وأنا خير منه عنوان الخذلان. الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.\
[3] يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي)، فلا شيء أنكى على إبليس من ابن آدم في جميع أحواله في صلاته من سجوده، لأنها خطيئته، فكثرة السجود تحزن الشيطان، وليس الإنسان بمعصوم إلا في سجوده، فإنه إذا سجد تذكر الشيطان معصيته، فخزن فاشتغل عنه بنفسه.\
[4] عن ضرار بن ضمرة الكندي قال: أشهد بالله لقد رأيت عليا كرم الله وجهه في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يتمثل في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم- أي اللديغ- ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا…\
[5] كان سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه يدعو مع سبعين صحابيا في سجوده.\
[6] هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية، وتأمر باللذات والشهوات الحسية وتجذب القلب إلى الجهة السفلية فهي مأوى الشرور ومنبع الأخلاق الذميمة.\
[7] الغفلة: متابعة النفس على ما تشتهيه.\
[8] كان سيدنا بلال رضي الله عنه إذا توضأ صلى ركعتين والرواية مشهورة معروفة.\
[9] كان الرسول صلى الله عليه وسلم كما يروي الصحابة رضوان الله عليهم: إذا أذن المؤذن تغير لونه، ولم يكن يعرفنا ولا نعرفه.\
[10] هذا الوقت الطيب-ما بين العشاءين-وقت مبارك كريم، وهو في عرف الصالحين وقت الأوابين، لأن النفوس تؤوب فيه من عناء النهار إلى أنس الليل وسكونه، وإلى الخلوة فيه، والإقبال على الله، وقت مبارك تعرف النفس ما لها وما عليها، وقت افتتاح الليل وإدبار النهار. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع آذان المغرب يقول: (اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلواتك فاغفر لي).\
[11] (إن للمساجد أوتادا الملائكة جلساؤهم…) الحديث معروف مشهور.\
[12] شذرات، ديوان شعر للأستاذ المرشد حفظه الله، ص7.\
[13] من كلام الأستاذ المرشد في افتتاح أحد الرباطات.\
[14] الرمل: هو أن يمشي في الطواف سريعا.\
[15] جلجل الجو بالآذان شعارا.. وإلى المسجد الجميع دعوته (المنظومة الوعظية للأستاذ المرشد).\