مآسي وفواجع وطني التي تتوالى لتنتظم في سلسلة المواجيع بسبب سوء تدبير مقدرات الوطن، يقابلها دائما صمت ضمير المسؤولية، حيث إنه في كل مرة تحصل كارثة وطنية تنبه إلى حجم الفساد الذي ينخر أجهزة الدولة، تنشط الآلة الدعائية المخزنية بشكل مضاعف لتحريف مطالب الشعب والزج به في متاهات الإلهاء ومستنقع المعارك الهامشية، حتى يصفو الجو للاستبداد لتمرير مخططاته الخادمة لمصالحه على حساب قضايا الشعب.

عن استراتيجية الإلهاء يحدثنا نعوم تشومسكي بقوله: استراتيجية الإلهاء: هي العنصر الأساسي الحاسم لتحقيق السيطرة على المجتمعات. وترتكز على تحويل انتباه الرأي العام عن القضايا الجوهرية والتغييرات التي تقررها النخب السياسية والاقتصادية بواسطة وابل مستمر من أساليب اللهو والتسلية والأخبار والمعلومات التافهة. استراتيجية صرف الاهتمام والإلهاء، التي لا غنى عنها لتحقيق أهداف المخطط، ضروريةٌ أيضا لأنها تمكن من إعاقة محاولة الشعوب التركيزَ والانكباب على المعارف الأساسية في مجالات العلوم والاقتصاد وعلم النفس وعلوم البيولوجيا العصبية والسيبرانية/علم القيادة والتحكم في الآلات والكائنات. حافظوا على تحويل انتباه الرأي العام بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية واجعلوه مفتونا بمسائل لا أهمية جوهرية لها. أبقوا الجمهور مشغولا، مشغولا، مشغولا دون أن يكون لديه أي وقت للتفكير والتمحيص. عليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات الأخرى) 1 .

لقد مر شهر يحكي آلام وآمال عائلات شهداء فاجعة طانطان رحمهم الله وسط صرخات وطنية جفت فيها الدموع وتفتت الأكباد بحثا عن أجوبة لأسئلة حارقة، لتخرج علينا النيابة العامة بتقرير تقني غارق في العموميات تتغيا عباراته تشييع المسؤولية السياسية والعمومية ودفنها مع الشهداء، مخلفة عائلات مكلومة وشعب فاقد لثقة مفقودة أصلا في المؤسسات الرسمية، لينضاف التقرير إلى عشرات التقارير التي أحيلت على رفوف الطمس والنسيان.

الكل يعلم أن سياق مجرى أغلب التحقيقات بالمغرب، تتحكم فيه تعليمات “التيليكوموند” خاصة في ظل قضاء غير مستقل، حتى أضحت لجان تقصي الحقائق ثلاجة لتبريد حالة الاحتقان الشعبي وامتعاضه من مآل اللجان السابقة، والتي كان آخرها تلك التي شكلتها الغرفة الأولى من البرلمان بعد فيضانات الجنوب التي أودت بحياة العشرات من الشهداء، وخلفت خسائر بملايين الدراهم أواخر العام الماضي. حيث تم إقبار اللجنة البرلمانية التي فشلت حتى في عقد لقائها الافتتاحي بسبب غياب إرادة سياسية حقيقية للجهات الرسمية في الكشف عن الأسباب الحقيقية للفاجعة. فلو تعلق الآمر بتلفيق تهمة الخيانة الزوجية أو غيرها من التهم الجاهزة لأحد المعارضين لأسرعت الآلة الدعائية المخزنية بإصدار التقارير تلو الأخرى.

ولم يمر إلا شهر حتى رزئنا في شهداء حادثة طريق “تيزي تيشكا” الأليمة، هذه الطريق التي يطلق عليها مواطنو المغرب غير النافع طريق الموت، لكونها تحصد العشرات من الضحايا سنويا، سالكها يسلم روحه وهو يتسلق ارتفاعها الذي يبلغ 2260 متر!! وقد بحت الحناجر بالمطالبة ببناء النفق الآمن لهذه الطريقة المميتة، ولا من مستجيب إلا التكفل بالدفن والكفن.

فهل أرواح أبناء الشعب التي تغتالها البنية المهترئة للطرقات والجوع والظمأ في أعالي الجبال، أقل أولوية من مصاريف القصور والمنتجعات والمهرجانات التي لا سقف لها؟!!

واقع الحال بالمغرب لا يحتاج لذكر مؤشرات التراجع الخطير على جميع المستويات والتي إن حاولت التقارير الرسمية تزوير حقيقتها إلا أن الواقع لا يرتفع كما يقال، واقع شعب مفقر في ظل نظام شمولي مستحوذ على خيرات البلاد والعباد، معمم للقمع ضد كل الرافضين الدخول في بيت طاعته، موسع لحجم ومجال التطبيع مع الكيان الصهيوني.

إن من يتابع اليوم رداءة الخطاب السياسي الذي تنتجه معارضة وحكومة “صاحب الجلالة” يزداد اقتناعا بصوابية قرار مقاطعة أغلبية الشعب المغربي للمشاركة الانتخابية ورفضه للحكومات والمعارضات الشكلية المتعاقبة.

فلا غرابة أن يعيش الخطاب السياسي هذا البؤس إذا استحضرنا استراتيجية المخزن القائمة على استقطاب النخب وشراء الذمم والولاءات وصناعة الفساد، والسعي نحو إضعاف الأحزاب، وتنميط مؤسسات المجتمع المدني، وتهميش الحكومة والمؤسسات الدستورية الأخرى، مقابل الترويج لمحورية مؤسسة القصر والتمكين لمشروعه.

لقد أشار “اتين دي لابويسي” ـ قبل أربعة قرون ـ إلى طريقة صناعة الفساد في معبد الاستبداد بقوله:

ليس فرق المشاة، ولا قوة الأسلحة، تحمي الطغاة، بل أربعة أو خمسة يبقون الطاغية في مكانه ويشدون البلد كله إلى مقود العبودية، يتقربون أو يقربهم إليه، ليكونوا شركاء جرائمه، وقواد شهوته ولذته. هؤلاء الخمسة أو الستة يدربون رئيسهم على القسوة نحو المجتمع، وينتفع في كنفهم ستمائة يفسدهم الستة مثلما أفسدوا الطاغية. ثم هؤلاء الستمائة يفسدون معهم ستة آلاف تابع، يوكلون إليهم مناصب الدولة والتصرف في الأموال، ويتركونهم يرتكبون من السيئات ما لا يجعل لهم بقاء إلا في ظلهم، ولا بعدًا عن طائلة القانون إلا عن طريقهم ليطيحوا بهم متى شاؤوا، ليصبح ليس فقط الستة أو الستة آلاف بل الملايين يربطهم بالطاغية هذا الحبل، لو شده لجذبهم كلهم إليه، فصار خلق المناصب الجديدة، وفتح باب التعيينات والترقيات على مصراعيه، كل ذلك لا من أجل العدالة، بل من أجل أن تزيد سواعد الطاغية، فإذا الذين ربحوا من الطغيان يعادون في النهاية من يؤثرون الحرية. فما إن يستبد ملك، حتى يلتف عليه حثالة المملكة وسقطها، ليصبحوا أنفسهم طغاة مصغرين في ظل الطاغية الكبير) 2 .

ويستغرب “لابويسي” لذل الشعوب ووداعتها وتمليك الطغاة ناصيتها، فيقول: يا لذل شعوب فقدت العقل ويا لبؤسها! تسلبون أجمل مواردكم وأنتم على السلب عيان. تتركون حقولكم تنهب ومنازلكم تسرق وتجرد من متاعها القديم الموروث عن آبائكم! تحيون نوعًا من الحياة لا تملكون فيه الفخر بشيء حتي لكأنها نعمة كبرى في ناظركم لو بقي لكم نصف أملاككم وأسركم وأعماركم. كل هذا الخراب وهذا البؤس وهذا الدمار يأتيكم لا على يد أعدائكم، بل يأتيكم يقينًا على يد العدو الذي صنعتموه أنتم. هذا العدو، الذي يسودكم إلى هذا المدى ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد، لا يملك شيئًا فوق ما يملكه أقلكم على كثرة مدنكم التي لا يحصرها العد إلا ما أسبغتموه عليه من القدرة على تدميركم. فأنى له بالعيون التي يتبصص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها؟ وكيف له بالأكف التي بها يصفعكم إن لم يستمدها منكم؟ أنى له بالأقدام التي يدوسكم بها إن لم تكن من أقدامكم؟ كيف يقوى عليكم إن لم يقو بكم؟ كيف يجرؤ على مهاجمتكم لولا تواطؤكم معه؟)… إن الطغاة أنفسهم يعجبون لقدرة الناس على احتمال ما يصبونه على رؤوسهم من العذاب، لقد احتموا بالدين واستتروا وراءه، ولو استطاعوا لاستعاروا نبذة من الألوهية سندا لهم، إن الطغاة كانوا يسعون دائما ليستتب لهم سلطانهم إلى تعويد الناس أن يدينوا لهم لا على الطاعة والعبودية فحسب، بل بالإخلاص كذلك) 3 .

كيف لا تضيع الحقائق في ظلام أباطيل الاستبداد والفساد…


[1] مقتطف من “كتاب أسلحة صامتة لحروب هادئة” لنعوم تشومسكي.\
[2] العبودية المختارة لاتين دي لابويسي ص 81.\
[3] المصدر السابق ص 78.\