تجتهد الكوادر النقابية في تبرير قرار قياداتها القاضي بمقاطعة تظاهرات واحتفالات عيد الشغل) الذي يصادف فاتح ماي 2015، لكنها تفعل ذلك بقليل من التحفز لكون تلك الكوادر الجغرافية والقطاعية لم تُستشر في قرار مقاطعة اليوم العالمي للشغل، ولكون القرار اتخذ خارج الأجهزة التقريرية للنقابات الثلاث، وهي المجالس الوطنية أو الإدارية.

هل الأمر بهذه السهولة؟

بعض الكوادر وقعوا في حرج كبير، حيث كانوا قبل دقائق من إعلان الخبر يعملون جاهدين في الحقل النقابي والمجال الافتراضي لإقناع أغلبية الأجراء، الذين يقاطعون أصلا مسيرات فاتح ماي منذ سنين، ثم نزل عليهم الخبر كعاصفة ريح باردة لا يُعرف قبيلها من دبيرها. ولكي نفهم عمق الحيرة إليكم هذا النموذج من التفاعل مع الخير.

بعضهم حاول عقلنة قرار المقاطعة فكتب المعادلة التالية: فاتح ماي= العيد، العيد= الفرحة، “أوحنا مافرحانينش، إذا حنا مامعيدينش”… فرد عليه آخر بنفس المنهجية العقلانية: “العام الفائت كنا معايدين، وخا ماكانت فرحة ماكان عيد ماكانت زيادة…. فإذن إما دُبّر لنا مقلب في العام الفائت أو أننا هذا العام داخل مقلب كبير”…

بخصوص العام الماضي، كان التنسيق الثلاثي الذي تأسس آنذاك في 29 يناير، قد عزم على توحيد مسيرات فاتح ماي 2014 في المركز (الدار البيضاء) وكل المدن المغربية، لكن شيئا من ذلك لم يقع! بعضهم قال أن الاتحاد المغربي للشغل والفدرالية الديمقراطية للشغل احتجوا على الأموي لأنه حينها ذهب منفردا للجلوس مع رئيس الحكومة! وآخرون قالوا أن الاتحاد المغربي للشغل لا يقبل أن يركب طرف آخر، خاصة إذا كان نقابة أخرى، على الاحتشاد العمالي الكبير الذي يجمعه رفاق المخاريق في شارع الجيش الملكي بالدار البيضاء.

لكن هذا العام انقلب الموقف 180 درجة، كيف؟

قرار المقاطعة خرج من دار الاتحاد المغربي للشغل، الذي لا يخشى من مفاجئات الأعداد، لأن له الوسائل الكافية لكي يحافظ احتشاده على مستواه المعهود في تلك المناسبات ذات الطابع الفلكلوري والاحتفالي، وأكد بعض من حضر في اجتماع الهيئات المركزية للنقابات الثلاث ليوم 28 أبريل أن رموز الاتحاد المغربي للشغل كانوا أكثر شراسة في الدفاع عن قرار مقاطعة فاتح ماي 2015. وبسرعة البرق يتم الاتصال بكوادر النقابات في 58 مدينة كانت تستعد على قدم وساق… ثم تكتشف أثناء الاستعدادات أن حوار قيادتها مع الحكومة في مأزق! ومع أنها آخر من يعلم بفرضية المقرّر فإن «المناضلين زكّوا قرار قيادتهم بعدما اتصلت بهم للإخبار».

هل أسباب المقاطعة مقنعة؟

خلال الندوة الصحفية بدا جليّا تردد رموز النقابات وغموض خطابها حول أسباب مقاطعة فاتح ماي، وحدها استفسارات الصحافيين كانت بالجرأة والقصد الذي لم يبدّد سحابة الغموض في قرار المركزيات. حيث يقول بيان المركزيات النقابية أن مقاطعتها تشكل احتجاجا على السلوك اللامسؤول للحكومة تجاه مطالب الطبقة العاملة)، ويتساءل المناضلون هل كان من الأجدى أن تقاطَع الحكومة أم يُقاطع النضال في فاتح ماي؟… ولكي لا يتسرب هذا الاستفهام المنطقي إلى أذهان الناس، ستسارع النقابات إلى تغيير بعض المفاهيم حيث أصبح فاتح ماي «عيدا للاحتفال» بما تحقق من مكتسبات خلال السنة، ولأنه لا مكتسبات خلال هذه السنة فقد أقبل العيد ولكن ليس في الناس المسرّة)… إذن، لا نحتفل!

فهل نناضل؟

مشكلة هذا البرهان أنه لا يصمد أمام سلوك النقابات خلال العقود الماضية، حيث ومنذ أبريل 2011 لم يتحقق أي مكتسب ذو بال «للطبقة» العاملة، بل في كل سنة يجتهد رئيس الحكومة في إرجاع مكتسبات المخزن التي استعملها هذا الأخير لإدخال المسرّة على الناس كي لا يصل غضبهم إلى روح النظام. ومنذ اتفاق 26 أبريل 2011 الذي وقّعه عباس الفاسي، لم تستطع النقابات الاتفاق مع عبد الإله بنكيران على شيء يدخل المسرّة على الناس. نداءات فاتح ماي لسنوات 2012-2013-2014 لم تحمل أية بشارة للعمال لكي يحتفلوا بعيد العمال، لكنهم كانوا يحشدون بمثل هذه الدوافع: من أجل مطالبنا العادلة وكرامتنا نلتقي يوم فاتح ماي لنؤكد عزم الطبقة العاملة على الدفاع عن حقوقها ومكتسباتها).

ولكي لا يذهب فكر المناضلين بعيدا فإن بيان النقابات بشّرهم بعزمها على جعل شهر ماي 2015 شهرا للاحتجاج والاستنكار) لكن على ضوء قاعدة تسرّبت خلال الندوة الصحفية، تقول : نفكر في أشكال نضالية أكثر نجاعة وأقل ضررا).

ما هو الضرر؟

في المغرب كثير من الأسئلة يتم تشبيكها لتصبح إشكالات فلسفية، رغم أن القاعدة عندنا تقول أن أبسط سبب هو الجواب. وفي واقعتنا الحالية تؤكد أن البلد أصبح غير مستقر ومهدد برجّات اجتماعية لدرجة أن أجهزة السلطة أصبحت تشك في كل شيء. حتى من خرجات بعض الأسر إلى الاصطياف في الطبيعة!

قلناها صراحة في بيان القطاع النقابي، أن الإحباطات المتتالية التي تنذر بانفجار وشيك لن تنفع معه سياسة العصا الغليظة أو تكتيكات التنفيس والاحتواء). وقلنا أن المخزن لا حلّ له سوى في المزيد من النشاط المحموم في الحد من فعالية الإطارات الجماهيرية حتى لا تلعب سوى أدوار الضبط الاجتماعي بدل توجيه القوى العاملة إلى مصدر الأعطاب ومنبت الفساد والاستبداد).

ستدخل النقابات في مواجهات مع الحكومة، أكيد. لكن إلى حين رجوع رئيس الدولة ستدفع النقابات إلى وضع غضبها في الثلاجة وستمنع من كل فكرة أو نضال يكون فيه احتمال نجاعة الضرر).