واعلم أن جرعة النصيحة ُمرّة، لا يقبلها إلا أولو العزم).

المعارضة السياسية حق تكفله جميع الدساتير الكونية؛ إذ لجميع مكونات المشهد السياسي أن تختار المعارضة السياسية لبرامج الحكومة أو عمل أجهزة الدولة في تسيير الشأن العام. ينبغي أن نقف قليلا عند مفهوم المعارضة، فهي تعني في بعض معانيها اللغوية: مقابلة الشيء أي معارضته أي أنها تعكس وتقابل الشيء بالشيء، والفعل “اعترض”: يعني انتصب ومنع وصار عارضا، واعترض الشيء دون الشيء: أي حال دونه. يقول الجرجاني في التعريفات: المعارضة هي المقابلة على سبيل الممانعة، وهي إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه الخصم).

كما تعني المعارضة في الاصطلاح السياسي: الحق الجماعي في تقويم ومناقشة سلوك السلطة السياسية، وفلسفتها تقوم على تقبل الرأي واعتباره حقا مشروعا).

إن المعارضة السياسية عند بعض المفكرين لا تعني بالضرورة المضادة المطلقة في جميع الأحوال، وإنما تطلق على الدور السياسي الذي تمارسه أقلية أو جماعة سياسية في مواجهة الأغلبية الحاكمة والتي بيدها سلطات تنفيذية عليا.

ننطلق من هذا المعنى كي نبرز القضية الأهم في موضوع المعارضة السياسية؛ وهي أنها لا تجري خارج النسق السياسي أو ضد القوانين السياسية وإنما تنبع من المواطنين أنفسهم الذين يتحملون واجبات نجاح الوطن واستقراره، ويتمتعون بحقوق سياسية تكفلها لهم المعارضة، كما أنها غالبا ما تحمل وجهات نظر مخالفة للمجموعات الحاكمة في مواضيع مصيرية للمجتمع أو خلافية فكرية كما وقع في قضية المرأة وقانون مدونة الأسرة في المغرب، كما تقوم المعارضة أيضا بدور الرقيب على السلطات الحاكمة ومقدار تنزيلها ووفائها لوعودها وتنفيذها للقوانين المسنونة.

للمعارضين أيضا الحق في شرح وجهات نظرهم بخصوص مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهم الوطن والمواطنين عبر مختلق الوسائل المشروعة بدون إقصاء نابع عن المرجعية أو الإيديولوجية، من أجل الحصول على رأي صائب وموقف حكيم يعود بالمصلحة على الأمة والوطن كلها ويجنبها المزالق التي تودي بها في براثن الفتنة والاختلاف الداخلي الذي لا ينتج غير العداء والإقصاء للمخالفين.

من خلال تجربة بعض البلدان خاصة النامية منها نجد أن النظام السياسي لا يعترف بحق ممارسة المعارضة إلا إذا كانت منضوية داخل المؤسسات الحكومية مثل البرلمان أو الحكومة نفسها، وهذا مخالف لأعراف السياسة كما تعارف عليها الناس.

ولذلك يجب أن تنتفي روح العداء والإقصاء الممنهج بين السلطة الحاكمة والمعارضة أيا كان شكلها سواء كانت من الداخل أو من الخارج، ونقصد من داخل المنظومة السياسية بأحكامها ومصالحها واستراتيجياتها المستقبلية، وأن تنتفي نظرة الشك والريبة إلى دور المعارضة وما تقوم به من أعمال ونشاطات، وأن تسهم في الإصلاح والتنمية على جميع المستويات والأصعدة.

المعارضة السياسية إذن تقوم على أسس وركائز منها:

– الدور الذي يقوم به الأفراد ونقصد هنا الشخصيات الفاعلة في المجتمع من علماء ومفكرين ومنظرين وساسة ومثقفين حقيقيين في الدعوة إلى تغيير ما فسد من أمر الشأن العام، والإسهام في تعديله وتقويمه وإصلاحه وفق دساتير متفق عليها وُمنتجة من قلب انشغالات الشعب وأبنائه، عملا بحرية الرأي وما تتيحه من إبداء لآراء مختلفة وطرح بدائل قد تكون هي الأصوب مقابلة مع ما تعرضه الدوائر الحكومية للدولة.

– الدور الجماعي المنظم ويقصد به الجانب الأهم والمفصلي في قضية المعارضة وهو الذي تقوم به الأحزاب السياسية والتجمعات والهيئات الشعبية؛ والتي تستند في دورها على الحرص على مصالح الوطن العليا من تنمية وتعليم وسيادة.

المعارضة من جانب آخر تنبع من سنة إلهية كونية وضعها الله عز وجل وهي شرعية الاختلاف في الرأي؛ أي أن الاختلاف مكفول من الله ولا تحرُّج إن اختلف من يهتمون بأمور البلاد والعباد في أمور وقضايا تُعتبر مصيرية في ضمان استمرار المجتمع مستقرا ومتطورا.

إن الاختلاف أصيل في الأشياء وهو فطري في الإنسان وفي جميع المخلوقات؛ فهو من إعجاز الله تعالى في الكون ومحط عظمته وقدرته إذ هو محل عبرة وتفكر واستجلاء لمعاني نافعة للمجتمعات البشرية، من أجل أن يكتمل معنى الابتلاء في الأرض، إذ لو أن الله عز وجل خلق الناس متماثلين متشابهين بالخلقة والعقل والطباع والقدرات لما كان هناك اختلاف وتفاوت في الاستجابة لنداء الوحي والعقل وانتفى بذلك معنى الوجود الإنساني في الدنيا.

والاختلاف الأصيل في الإنسان يؤدي إلى اختلاف في الرأي والمواقف والاستعدادات والعطاء مما يؤدي حتما إلى اختلاف النتائج والمحصلات.

المعارضة السياسية إذن وفق هذا المبدإ هي نتيجة الاختلاف في الاجتهاد والإبداع والتجديد، والتي تروم تحقيق المصالح ودرء المفاسد في مجالات الحكم والسياسة وما يتبعهما.

المعارضة السياسية من جانب أهم لا تعني المشاغبة وإفشال قرارات المؤسسات الحاكمة ديمقراطيا والنابعة من أبناء الوطن توافقا وانتخابا؛ بل تكون مرهونة بزمن معين وبسياقات معينة وتكون ضمن إطارات الدستور الوطني غير الممنوح، وما تمليه مصالح البلاد والعباد، فلا تبخيس لأعمال الناس أو سكوت ومحاباة وتجاهل وتجن.

المعارضة السياسية يجب أن تقوم على مبدإ أصيل في الإسلام هو النصيحة هذه الأخيرة تميزها في النسق الإسلامي عن غيره من النظم السياسية الأخرى، فهي مصطلح إسلامي جميل يحمل في ثناياه معاني إيمانية وعقائدية وأخلاقية سامية. وكما يقول مالك: النصيحة لله في أرضه هي التي بُعث بها أنبياؤه).

خلاصات:

انطلاقا مما سبق فهذه المعاني كلها تؤدي بنا إلى تأصيل أدبيات المعارضة الناصحة التي تساعد على تنقية الأجواء السياسية السائدة منذ القديم بين السلطة الرسمية للدول وبين المعارضة من شوائب الشك والإقصاء والظلم الممنهج أحيانا، والظنون والأحكام السيئة والجاهزة وعدم الانفتاح على ما يوجد في جسم الوطن من اختلافات وفعاليات سياسية سواء كانت رسمية وغير رسمية قادرة على المساهمة في تنمية الوطن والنهوض بالإنسان المقهور.

يجب أن يسعى الجميع معارضة وسلطة حاكمة إلى بناء علاقة قائمة على مبدإ التعاون والتكافل والتكامل. إذن فالمعارضة مكمل حقيقي للسلطة السياسية الحاكمة.

ضرورة المعارضة إلى جانب السلطة يملي على هذه الأخيرة أن تبذل قصارى جهدها في سبيل تحقيق المصلحة العامة وذلك لم يكن ليتحقق إلا بتقبل النصيحة وسماع كلمة الحق أيا كان مصدرها أو مرجعيتها. وكما يقول الطرطوشي: واعلم أن جرعة النصيحة ُمرّة، ولا يقبلها إلا أولو العزم).

يتحتم على المعارضة في الجهة المقابلة أن تجهر بقول الحق والصواب، وأن تقدم البدائل المعقولة ضمن إطار القواعد القانونية والدستورية التي تنظم العمل السياسي الديموقراطي، وبأسلوب راق ودقيق وعلمي كي يمكن ضمه إلى جانب البرامج التي تخدم دائما المصلحة العليا للبلاد والعباد.