بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خير المتوكلين على الله تعالى المستجير بجنابه الشريف المستعيذ بجبروته المتحصن بقهره اللائذ بحماه من كل أذى وشر وبلية.

أما بعد

لما خلق الإنسان ضعيفا تتنازعه الأهواء والميول وتحيط به الشرور والآفات أمره خالقه بالتحصن والتقوى وإعداد العدة ماديا ومعنويا فقال سبحانه: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم [الأنفال: 16].

هذا عن العدو الظاهر، أما عن العدو الخفي الذي يرانا ولا نراه فقد قال سبحانه: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر: 6].

فمن العقيدة الصحيحة التي بها يصح الإيمان الاعتقاد بوجود الشياطين والجن والسحر حيث تعددت الآيات التي تخبر بذلك صراحة، فمنها قول الباري عز وجل: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون [الأعراف: 27]. وقوله سبحانه: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم [الأعراف: 200].

وتظاهرت الأحاديث التي تدعو للتحصن بالقرآن الكريم والأذكار المسنونة لدفع كل أذى متوقع من شياطين الإنس والجن: ففي الصحيح من حديث سهل عن عبد الله عن أبي هريرة أن رسول الله قال: “لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة” 1 .

وفي الصحيح من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: “وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان فأتى آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله فذكر الحديث فقال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي صدقك وهو كذوب ذاك الشيطان” 2 .

وثبت في الصحيح أيضا من حديث أبي موسى الأنصاري قال: قال رسول الله: “من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه” 3 .

وفي الصحيحين من حديث سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله قال: “من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشرة رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك” 4 .

وقد تضافرت النصوص الشرعية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في اعتبار القرآن كله تحصين وهدي وشفاء 5 .

فمنها قول الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً [الإسراء: 82].

وقوله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء [فصلت: 44].

كما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي نفسه: “عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوي الى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات” 6 ، و“عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما” 7 .

وعن سعد بن أبي وقاص يقول سمعت خولة بنت حكيم السلمية تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من نزل منزلاً ثم قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك” 8 .

والتحرز من الشيطان يكون بالجملة بثلاثة أمور: 1- الذكر 2- الوضوء 3- الصلاة وهي مستنبطة من الحديث الصحيح: “عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان” 9 .

وتكون أذكار التحصين إما مطلقة عن الزمان والمكان أو متعلقة بهما:

1- فمثال الأولى الأمر الرباني بالإكثار من الذكر في كل وقت وحين احترازا وتلافيا للغفلة الداعية للوسوسة الشيطانية نحو قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا [الأحزاب: 41] وقوله سبحانه: ولا تكن من الغافلين [الأعراف: 205].

2- وهي مقيدة بأوقات مخصوصة مثل أدعية الصباح والمساء، أو مقيدة بأماكن مخصوصة مثل الخروج من البيت والمسجد. وفيما يلي بعضها:

– ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث” 10 .

– روى أهل السنن الأربعة وغيرهم عن أم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها – أنها قالت: ما خرج النبي – صلى الله عليه وسلم – من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء، فقال: “اللهم أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِل أو أُزَل، أو أَظلِم أو أُظلَم، أو أَجهَل أو يُجهَل علي”.

– وفي صحيح مسلم عَنْ سُهَيلٍ قَالَ: “كَانَ أَبُو صَالِحٍ يَأَمُرُنَا، إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ، أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَىَ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَىَ، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَىءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَىءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ”. وَكَانَ يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

– عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْر، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ” 11 .

– وعن بريدة قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوق قال: بسم الله اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة أو صفقة خاسرة” 12 .

شبهة وجوابها

كيف نجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام: “احفظ الله يحفظك”، وقوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ وبين ما وقع لأصحاب الأخدود ولبعض أنبياء بني إسرائيل حيثُ قتلهم قومهم؟ فما معنى هذه النصرة وما معنى الحفظ؟ وما وجه الجمع بين مقتل عمر ـ رضي الله عنه ـ وهو على المحراب يصلي الفجر والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: مَنْ صلَّى الصبح فهو في ذِمَّةِ الله، فلا يُتْبِعَنَّكم الله بشيء من ذِمَّتِهِ؟

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: حفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:

أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله عز وجل: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله {الرعد: 11} قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه، وقال علي رضي الله عنه: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه.

النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان.

وهذا في غاية الظهور في قصة أصحاب الأخدود، حيث حفظ الله إيمان الغلام وقومه رغم شدة ما وقع بهم من البلاء، وقد قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (آل عمران: 146).

وأما مقتل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وهو يصلي الصبح في جماعة، فلا يتعارض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم” 13 .

فإن هذا الحديث لا يعني أن من فعل ذلك فهو آمن من وقع الظلم عليه، ولكن معناه أن ظالمه متعرض لعقوبة الله تعالى، قال المناوي في فيض القدير: المعنى أن من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا تتعرضوا له بشيء ولو يسيرا، فإنكم إن تعرضتم يدرككم ولن تفوتوه فيحيط بكم من جوانبكم).

وفي الختام نسأل الله تعالى رب العرش العظيم أن يكلأنا بحفظه ويحيطنا بعنايته ويجنبنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وكيد الشياطين إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه مسلم.\
[2] رواه البخاري.\
[3] رواه البخاري ومسلم.\
[4] رواه البخاري ومسلم.\
[5] حاشية ابن عابدين 6/364، الذخيرة: القرافي 13/311، حاشية العدوي 2/641، المهذب: الشيرازي 1/126، مغني المحتاج: الشربيني 1/330، كشاف القناع: البهوتي 2/81.\
[6] أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب فضل المعوذات (4729) 4/1906.\
[7] أخرجه الترمذي في كتاب الطب باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين (2058) وقال: هذا حديث حسن غريب 4/395.\
[8] أخرجه مسلم في كتاب السلام باب التعوذ من سوء القضاء (2707) 4/2080.\
[9] أخرجه البخاري في كتاب التهجد. رقم 1091.\
[10] ضبط الخبث (بضم الخاء والباء) (الخُـبُـث) وضُبِطت (الخُـبْـث) المقصود بالخُبُث والخبائث. الخُـبُـث بضم الباء: ذُكران الجن، والخبائث: إناثهم، فيستعيذ بالله من ذكران الجن وإناثهم.\
[11] أخرجه مسلم في كتاب الحج رقم 2401.\
[12] رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين.\
[13] رواه مسلم وغيره.\