في سيرة المربي الأول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف تربوية عملية تحتاج من الأمهات والآباء والمدرسين وسائر المربين وقفات للتأمل، من أجل الاهتداء إلى منهج تربوي تعليمي متكامل؛ ينظر للعملية التربوية التعليمية بنظرة شمولية غير تجزيئية، نظرة مستغرقة غير سطحية.

فالمنهاج النبوي في التربية والتعليم لم يكن ارتجاليا عبثيا، ولا إلقائيا نمطيا، بل كان منهجا مبدأه الإرادة الفردية وامتلاك الأسباب، ووسيلته الحوار والتجديد؛ وهذه الأساليب الأربعة هي من أعمدة البناء التربوي، التي إن أتقنها المعلم أدى رسالته على أكمل وجه بإذن الله تعالى.

فمن منهج النبوة نتعلم مثلا: مهارات الحوار والتواصل. ولا حوار ولا تواصل دون سؤال وجواب؛ السؤال الذي قد يزدريه البعض ويهون من شأنه، لكن المدرس والمربي عموما يعلم أهميته وأنه الأساس في كل تعلم وتعليم.

نرجع إلى العملية التعليمية التعلمية النبوية، لنعرف كيف كان السؤال محورها وكيف كانت المهارة في طرح السؤال حاضرة لدى المعلم الأول.

فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه، وبوب له بـ: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع). قال: “عن أبي بكرة ذكر النبي صلى عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه – أو بزمامه. قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه فقال أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: فأي شهر هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه”.

قال الحافظ في الشرح: قال القرطبي: سؤاله صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه وعلى الحاضر أن يبلغ الغائب).

فمن مهارات طرح السؤال التي نتعلمها من هذا الموقف النبوي ما يلي:

– استخدام أسلوب التشويق في طرح السؤال.

– الفصل بين سؤال وسؤال، وبين سؤال وجواب، لاستحضار الفهوم وترك المجال للتفكير.

– استخدام أسلوب الأسئلة المتسلسلة والمتعددة للحصول على مضامين جزئية، تساعد على تركيب المضمون العام النهائي.

– عدم التعقيد في طرح السؤال مراعاة للفروق الفردية.

ولو عدنا كذلك للحديث الذي رواه الامام مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب رضي الله عنه وكانت كنيته أبا المنذر قال: “قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يا أبا المنذر، أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر”. أي لتهنأ به.

فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حواره هذا مع سيدنا أبي بن كعب ما يلي من مهارات طرح السؤال:

– الجواب قد لا يصدر من المتعلم في السؤال الأول لذا يجب تغيير أسلوب طرح السؤال ولو بتغيير بسيط في صياغته.

– طرح السؤال مع إشعار المتعلم أن لديه الجواب الصحيح.

– الوضوح والتفصيل في طرح السؤال حتى أنه قد يتضمن عناصر مساعدة على الإجابة.

فقد كان بالإمكان أن يقول صلى الله عليه وسلم يا أبا المنذر أي آية من كتاب الله أعظم؟ لكنه عليه الصلاة والسلام أضاف “معك” لكي يشعره أن الآية معه.

– الثناء على المتعلم وإظهار الفرح والسرور بإجاباته الصحيحة.

وما هاذين الحديثين إلا جزء من نماذج مما نتعلمه من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من في جزئية واحدة من تقنيات التواصل والحوار، وهي مهارة طرح السؤال، وإلا فاستقراء هذه المهارة وحدها من خلال سيرته وسنته صلى الله عليه وسلم ستمكن الدارس من تجميع منهج متكامل في هذا الجانب.