تقديم

لاشك أن رحيل الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، إلى الدار الآخرة لحظة فارقة في حركة مشروعه التجديدي، ذلك أن المشاريع المجتمعية الكبرى غالبا ما ينحصر أثرها وامتدادها بعد رحيل صاحبها، خاصة إذا لم تتشكل قيادة تاريخية، سواء في زمانه أو بعد وفاته، تتوفر على الكفاءة الجامعة الضامنة لاستمرار التأثير والامتداد في الزمان والمكان وترسيخ الآليات الكلية التي تحقق هذا الاستمرار المؤثر بعد رحيل آخر رجالات تلك القيادة.

إننا هنا بإزاء قضية خطيرة في مسيرة أي مشروع، خاصة إذا كان مشروعا تجديديا جاعلا أفقه إعادة بناء نظام عالمي على قيم الخلافة وقيامها كما جسدتها التجربة النبوية الخلافية (نسبة إلى الخلافة الأولى)، وخاصة إذا كان هذا المشروع متسما بالجدة التي تحتاج إلى أجيال لاستيعابه والاقتناع به أولا وترسيخ قواعده العملية ثانيا، ذلك أن عمق المشروع وجدته تطلبان صبرا ومثابرة حتى لا يجعل منه ضغط الواقع المعقد صورة باهتة تُحجب نصاعتها وأصولها مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال.

لذلك تحتاج المرحلة الدقيقة التي تعيشها الحركة الإسلامية ويمر منها المشروع الدعوي إلى مزيد تعميق وكبير تذكير بأصول هذا المشروع.

ضمانات بين يدي العرض

بين يدي هذا البحث المركز يحتاج الأمر إلى التأكيد على ضمانات هي من ماهية المشروع ويمكن البناء عليها علميا وعمليا.

الضمانة الأولى: أن الله تعالى تكفل بحفظ أصول هذه الملة المحمدية، لقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [لحجر: آية 9]، فكل من صار من ماهية هذا الذكر، أي الوحي، فهو محفوظ، ولذلك كلما كانت حركة الأفراد والجماعات من ماهية الوحي فهي محفوظة أصولا وفروعا مهما كانت عوامل المسخ والفساد التي تحيط بها وتشتغل ضمن ظروفها.

الضمانة الثانية: اكتمال عرض مشروع العدل والإحسان على يد صاحبه وعلى صورة واضحة تمام الوضوح، وإن كان الأمر يحتاج إلى أجيال لتصبح هذه الصورة نظام الجميع لما يحصل الاقتناع بأهميتها المصيرية للجميع.

نعم، يحتاج المشروع إلى مجهود كبير وعميق لعرضه والإحاطة به، ذلك أنه مستغرق لمستوى كبير من التفاصيل الممتدة إلى أفق الخلافة الثانية على منهاج النبوة، مما يطلب صبرا وفي نفس الوقت الكفاءة في التفاعل مع مقتضياته دون السقوط في فخ الجمود أو فخ الجحود بوعي أو بغير وعي.

إن هذه الضمانة بالغة الأهمية لما لها من فضل على الأجيال لاكتشاف الصورة الواضحة والصافية للمشروع وتقييم حركته الميدانية في أي زمان أو مكان بناء على وضوح أصوله وكلياته.

الضمانة الثالثة: وجود قيادة تاريخية من صناعة صاحب المشروع على النموذج المطلوب، وتتوفر على مواصفات تدبير حركة هذا المشروع بعد رحيل صاحبه، خاصة لما تحصلت لها المشروعية التاريخية المبنية على المحبة والمشروعية الشورية في مستوى معين من مستويات التنظيم.

لذلك يأتي هذا المقال ليعيد التدقيق، بعد رحيل الإمام، في المهام الأصلية لهذه القيادة التاريخية التي صارت ماهيتها هي ماهية هذا المشروع، ذلك أن ضخامة هذا الأخير وحجم المهام التنفيذية التي يطلبها في كل مرحلة ولحظة تقتضي، مما تقتضيه، التمييز بين المهام ذات المعنى المصيري والمهام ذات المعنى التدبيري في الزمان والمكان.

إن القيادة التاريخية في مرحلتها تشكل الدافع الأصلي لحركة المشروع حتى يستوي عوده، ولا ينبغي أن تنتهي مرحلة هذه القيادة دون استواء العود واشتداده واكتمال البناء، ثم الانتقال الكامل إلى نظام الشورى.

هنا ينبغي الإشارة إلى أن تاريخ الإمام المؤسس صاحب المشروع لم يكتب بعد، ومن ثمة لم يكتب تاريخ التأسيس للمشروع وكيف قادت القيادة التاريخية مراحل اشتداد العود (الجماعة) وإخراجها من منعرجات أتت على أخواتها من التنظيمات.

لا أقصد هنا بالتاريخ التأريخ، فلربما بين يدي الجميع سيرة الإمام وتواريخ هامة من مسيرة جماعة العدل والإحسان وحركة مشروع العدل والإحسان وشهادات متعددة في الباب، لكن أقصد بالتاريخ القراءة الجامعة المفسرة لهذه المسيرة والمستنبطة لقواعدها وأصولها بما يكشف عن ماهيتها ومدى امتدادها في المستقبل العريض عبر صناعة تاريخ جديد؛ تاريخ الحرية والتحرير الحقيقي كما يتصور الحرية والتحرير المشروع.

الضمانة الرابعة: وجود المنهاج النبوي من حيث هو علم قائم ناظم لمقتضيات الوحي عبر الخصال العشر وشعب الإيمان في كتابين على الأقل: كتاب المنهاج النبوي؛ تربية وتنظيما وزحفا)، وكتاب الإحسان)، ذلك أن الرجل لم يترك مشروعه مبعثرا في رسائل ومؤلفات ومسموعات ومرئيات أو حتى نظريات دون ناظم له؛ فكان المنهاج النبوي. ولعل من أجمل الكتب في الباب كتاب شعب الإيمان) عجل الله تعالى طبعه.

إن المنهاج النبوي عمود المشروع من حيث هو علم جامع لكليات العلم والعمل؛ أي من حيث هو اجتهاد كلي في عرض الوحي في صورته الكلية الواضحة. لذلك لا يفتأ الإمام التذكير بهذه القضية.

ونظرا لأهميتها ووعيه بوظيفتها أوصى بالخصال العشر، أي بالمنهاج النبوي، في وصية الوداع. ولذلك فهذه الضمانة أداة جامعة مكتملة بين يدي القيادة التاريخية، حيث يجب الاشتغال على الحفاظ على وظيفتها في رعاية المشروع وتحريكه، وفي بناء كل وسائله وتنظيم مراحله.

ومن دلالات هذا أن تشرف القيادة التاريخية على مدارس المنهاج النبوي وتشيع مدارسته في المجالس الجامعة وفي محاضن عامة منظمة دون الرهان، فقط، على واجهة البحث الأكاديمي، لأنه عمل نخبوي وفوقي وإن كان لا بد منه.

إن قضية المنهاج قضية مصيرية، ومن ثمة فوجوده على الصورة التي عرضها الإمام ضمانة متجددة لما ترعى كوكب الاجتهاد وقيادة المشروع.

الأسئلة المصيرية على حركة مشروع العدل والإحسان في ظل القيادة التاريخية

أولا: سؤال الإحسان

الإحسان هنا جامع لمعنى المصير الفردي عند الله تعالى ومصير الأمة التاريخي الذي ارتبط به قدرا مصير الإنسانية، حيث كيف يهيمن على حركة الجماعة دافع هم المصير الفردي عند الله تعالى المنتظم انتظاما دقيقا في سلوك واحد وفهم مستقيم وعلم راسخ مع هم مصير الأمة، أمة الرسالة والإمامة.

إن هذا الجمع من أعظم ثمرات التربية الإيمانية الإحسانية التي أنجزها الإمام، رحمه الله، وحرص على وضوحها وأبلغ الوسع فيها، وكان صارما في بناء نموذجها وفي الكشف عن أصولها، فهي قاعدة مصيرية تحتاج إلى جهد كبير للحفاظ على فعاليتها في البناء النفسي والقلبي والحركي والتنظيمي الهيكلي للمشروع ووسائله وأهدافه ومقاصده.

ومن مقتضيات هذه القيمة الإحسانية الجامعة أن يهمين معها على حركة الأفراد معاني البذل بلا تحفظ؛ حيث من نتاج التربية الإيمانية الإحسانية تصعيد الهمة في الباب حتى يرى الفرد، ذكرا أو أنثى، أنه لا يملك شيئا، إذ الأمر كله لله عطاء مستمرا، ومن مقتضيات هذا أن لا يبقى مجال لما يمكن أن يعتبر امتيازا شخصيا إلا ما كان ضروريا بمقتضى الدعوة وتحت نظام الشورى.

ومن تبعات هذه المعاني الإحسانية العالية الغالية أن تسود قيمة التواضع داخل الصف وما يترتب على هذه القيمة من مواصفات الشخصية المؤمنة المجاهدة، إذ لا دعوة مع الغلظة ولا محبة مع التكبر، فالذلة على المؤمنين والتواضع لهم هي قاعدة العزة على الظلم والكفر، بل مفتاح الدخول على كنوز الصحبة والمعرفة. ولاشك أن الخطر كبير وعظيم إذا انقلبت الآية في سلوك الفرد؛ عزة على المؤمنين والمستضعفين وذلة على غيرهم؛ فلا تنتظر، ساعتها، دعوة أو نصرا أو سلوكا مستقيما.

ثانيا: سؤال الجماعة

تلك القيم الإحسانية وما ينبني عليها من تفاصيل لا أثر لها على الواقع إذا لم تتحول إلى نظام حياة ومجتمع، لذلك تأخذ معناها الجهادي البنائي لما تصبح هي نظام الحياة الخاصة والعامة.

ومن هنا تأتي صرامة القيادة التاريخية في الحفاظ على معاني الجماعة وفق خطة تدرجية واضحة الأفق والوسائل، ذلك أن المشروع التجديدي الذي عرضه الإمام مرتبط ارتباطا مصيريا بسيادة معاني الجماعة العميقة الرفيقة الرحيمة الصانعة للقوة التي لا تقهر في واقع الناس والأمم.

فتحول معاني الجماعة إلى واقع تنظيمي هيكلي مبني على نوع من العلاقات الفوقية والشخصية والتدبير العمودي والتعبئة السطحية يعني مباشرة سيادة أمراض التنظيم التي لم يفتأ يحذر منها الإمام، رحمه الله. ولذلك يكون السهر على سيادة معاني الجماعة مهمة عظمية من مهام القيادة التاريخية، وهو ما يقتضي في هذه المرحلة المتابعة التفصيلية القاعدية لتسود هذه المعاني في تفاصيل البناء والعلاقات الفردية والمؤسساتية والجماعية، بل كذلك في نظام ما تقترحه مؤسسات الجماعة من صيغ لتنظيم المجتمع وإعادة بناء حركته على قواعدها.

وهنا يكون التحدي بالغ الخطورة حينما يتعلق الأمر بحركة القطاعات المجتمعية الحيوية، كالقطاع الشبابي ومنه الطلابي على الخصوص، والقطاع النسائي، والقطاع النقابي عموما، والمجال الجمعوي.

إن الدعوة ليست بديلا عن الواقع المعيش من حيث المضمون فقط، بل الشكل يأخذ معناه الأصلي من خلال انسجامه مع المضمون، ولذلك لن تكون الدعوة جوابا كاملا ما لم تكن لها القدرة والكفاءة على عرض تصورها لتنظيم المجتمع وفق قيم الجماعة النبوية واكتشاف صيغ تنزيله واقعيا.

إنه تحدي دقيق في عمليات البناء، خاصة في جانبه الهيكلي وما تنظمه من صيغ وقوانين ونظم، لذلك تكون من المهمات العظيمة زمن القيادة التاريخية مهمة السهر على تعميق هذه المعاني التجديدية عند التصدي لتفاصيل البناء التنظيمي والمجتمعي، خاصة أن هناك عادات مجتمعية راسخة وعميقة في العلاقات المجتمعية الفردية والجماعية تستند إلى أنظمة تقليدية، سواء في حركة التنظيمات السياسية وغير السياسية، أو في حركة الأفراد والعائلات.

فالخطر الذي يتهدد التنظيم الدعوي التجديدي أن تخترقه هذه العادات العلائقية السلبية، حيث يصبح مع مرور الزمن تنظيم أفراد معينين خاضعين للعادة التنظيمية السائدة، ومن ثمة يصبح رقما سياسيا أو مجتمعيا لا يعدو أن يكون جزء من البنية الرسمية التقليدية السائدة، ومن ثمة يفقد قيمته التجديدية التغييرية الإصلاحية الجذرية المطلوبة باعتبارها الوسيلة للحرية والتحرر الحقيقين.

إن الرهان على المجهودات الفوقية والعمودية وحدها لا يعدو عادة حركية سطحية في آخر المطاف لما لا يتحمل عبء المجهود الأفقي القاعدي في إعادة تعبئة الأمة نحو تبني قضية الحرية والتحرر كاملة.

وهنا تبرز أهمية السؤالين التاليين؛ سؤال نظام الشورى، وسؤال النظام الاجتماعي.

ثالثا: سؤال الشورى

لا جماعة من دون قيم الإحسان، ولا معنى لقيم الإحسان بمعناها التجديدي عند الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، من دون جماعة بمعناها التجديدي كذلك، لكن لا معنى لهذه الجماعة من دون قيم الشورى ونظام الشورى، ولا معنى لكل هذا ما لم يكن هدفه الزحفي المباشر إقامة العدل تحريرا للمستضعفين.

الشورى عند الإمام مسألة حياة أو موت، واختزال الشورى في عمليات انتخابية خطأ تصوري ومنهجي، لأن الشورى نظام حياة شامل يتجلى في كل العلاقات والحركات، وموضوعه الأساسي نظام التفكير، إذ لا شورى إلا مع نظام تفكير شوري، ومتى كان المستبد يفكر شوريا؟ وهو ما يعني أن الشورى في أصلها نتيجة تربية.

لذلك نظام الشورى يتعارض مع قيم الأنانية والرغبة في الهيمنة إما عبر الذات أو عبر الحلفاء والعملاء.

لقد كان الإمام واعيا بقيمة الشورى في ضمان استمرارية الحركة المتجددة المجددة للمشروع، فميز بين مرحلتين كبيرتين في بناء التنظيم الحامل للمشروع والساهر على تنزيل مضامينه.

مرحلة القيادة التاريخية، ومرحلة أوان الشورى والرجولة، ويراجع في الباب كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها”، فإنه كتاب حوى علم ما نحن بصدده في هذا البحث المركز.

المرحلة الأولى تسهر القيادة التاريخية على تأسيس عمليات التنظيم بما يجنبه مزالق المنعرجات الدقيقة وتكالب الأعداء والخصوم، والمرحلة الثانية مرحلة الشورى والرجولة المتجلية في الانضباط لما قالته الشورى الحقيقية لا الصورية.

وهنا يصبح التنظيم أقوى، لأن الشورى تزوده بكل الطاقة المضافة إلى طاقة القيادة التاريخية، ولذلك اضمحلال نظام الشورى في مرحلة ضرورته خسارة عظمى لا ينبغي أن تمسح القيادة التاريخية بحدوثها، لأنه ينعكس مباشرة على أداء المشروع القاعدي وتوسعه المجتمعي ولو حافظ التنظيم على زخم حركة التأسيس عبر حركة القيادة التاريخية إلى حين.

إن حركة القيادة التاريخية تصبح القوة الدافعة الممتدة في تفاصيل العمل المجتمعي والسياسي حينما تلتحم بنظام الشورى في مرحلته الضرورية، حيث عدم بناء نظام الشورى في وقته المناسب يفضي مباشرة إلى تعطيل وتقويض أثر القيادة التاريخية ويجعلها مشتغلة مع نصف أو ربع طاقة التنظيم، مما ينعكس مباشرة على المردودية المجتمعية والسياسية للجميع، وعلى مستوى التعبئة القاعدية، فتطرأ إشكالات لا تستساغ ويصعب فهمها، في حين أن العامل في وجودها عدم تأسيس نظام الشورى في وقته المناسب أو عدم تفعيله ليستوعب كل الطاقات ويدفع بها في اتجاه العمل الجامع والقوي.

رابعا: سؤال العدل، أو سؤال النظام الاجتماعي

كل ذلك لا معنى له على أرض الواقع ما لم يكن هدفه المباشر إقامة العدل وفق خطة متدرجة معلومة المراحل والوسائل.

فالجماعة تتحرك بجناحي البذل الإحساني والشورى الجامعة، وحركتها هذه في فراغ ما لم يكن هدفها إقامة العدل في الأرض مع الإشارة إلى أن طلب العدل بين أعضاء الجماعة بمنطق هذا حقي أطلبه لا وجود له في حركة الجماعة لأن الجميع فني في معاني البذل بلا تحفظ.

وهنا خطر يهدد حركة المشروع تماما، لذلك في مرحلة القيادة التاريخية يكون السهر على دفعه من أوجب الواجبات، وذلك بالحرص على أن تكون بوصلة الحركة الأرضية نصرة المستضعفين كما يتصور المشروع نصرتهم، حيث مما يهدد حركة الدعوة أن تجيب عن سؤال العدل من خلال أجوبة لا علاقة لها بالمشروع من قريب أو بعيد فتتدحرج إلى التبعية والغموض.

ومن الأسئلة الكبرى التي يجب أن تحرص القيادة التاريخية على وضوح الأجوبة عنها تحقيقا لخدمة المستضعفين، سؤال نمط الدولة التي يقترحه المشروع ومراحل بناء هذه الدولة ووسائل ذلك الكلية.

فضعف التجربة في الباب قد يفتح الطريق لاختراقات هائلة، مما يحرف حركة المشروع حتما، خاصة بين يدي غزارة كبيرة ومؤثرة للخطاب السياسي بقيادة المدرسة الغربية بزعامة النموذج الأمريكي في زماننا هذا المتميز بغزارة تواصلية مؤثرة في الجميع.

كما من الأسئلة الجوهرية السؤال الاجتماعي، لأن نمط الدولة له علاقة شرطية بماهية النظام الاجتماعي وقواعده التي يقدمها المشروع بناء لقوة المستضعفين وتعبئتهم وتحقيقا لحريتهم وكرامتهم.

ولاشك أن التقدم بجواب لا يمت بصلة لماهية المشروع يعني تجاوز هذا الأخير والتعبير التلقائي عن عجزه وإخفاقه، وهو الأمر الذي لم تنتبه إليه كثير من الحركات الإسلامية لما أفضى بها ما سمي بالربيع العربي إلى الواجهة.

أما عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، فقد كان واضحا في الباب تمام الوضوح، حيث أعطى للموضوع كامل ما يستحق لوعيه الدقيق بأن مصير مشروعه التجديدي رهين بتقديم الجواب عن السؤال الاجتماعي وفق نظرة الوحي للموضوع؛ بل جعله جزء لا يتجزأ من حركة الخصال العشر ومرحلة من مراحلها وهدفا من أهدافها نحو أفق الخلافة الثانية على منهاج النبوة، وجعله، كذلك، قاعدة نظام العلاقات الدولية وأرضية بناء جبهة مقاومة الاستكبار والمستكبرين.

لذلك من مهام القيادة التاريخية السهر على صياغة التصور لنظام اجتماعي دقيق كما يقترحه المشروع، وهنا تأتي أهمية العمل النقابي وطلائعه لتقوم بالاجتهادات اللازمة للمساهمة في تصور متكامل حول هذا النظام الذي يتقدم به المشروع تعبئة للمستضعفين وخدمة لهم وبناء لمساهماتهم في عمليات التحرر والتحرير باعتبار المشروع لم يلغ أولوية المطلب الجسمي والمادي والاقتصادي والاجتماعي؛ بل بنى عليها الغاية الوجودية لتعود عليه فتنظمه في سياق حركي تجديدي جامع.

خاتمة

يشكل الوضوح التصوري من خلال عرض المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، ضمانة كلية في بناء مشروعه التجديدي، مضافة إلى ضمانة سهره الحثيث على تفصيل مقتضيات هذا المنهاج عبر غزارة نادرة في التأليف معتمدا صرامة منهاجية في العرض، وكل هذا مضاف إلى العمل المباشر على بناء النموذج الإنساني الفردي والتنظيمي، وهو ما يجعل رحيله، رحمه الله، إلى الدار الآخرة علامة فارقة في حركة المشروع، ذلك أن اجتهاده العلمي وجهاده العملي صار منارة مكتملة البناء تصوريا دلت كل المؤشرات العملية على أننا أمام عملية تاريخية ممتدة في الزمان والمكان.

إن وجود قيادة تاريخية صاحبت الرجل في كل مراحل البناء، تقريبا، يشكل مكسبا هاما ودافعا إلى واقع الاستقرار الكامل لحركة المشروع على الرغم من المضايقات التي يتعرض لها، ولذلك ينبغي الانتباه إلى الوظيفة البنائية لهذه القيادة حفاظا على استمرارية المشروع وفعاليته وقوة تأثيره وقدرته على التعبئة الخاصة والعامة وفق قواعد العمل التي كرس الإمام كل حياته الجهادية لعرضها وتقديم نموذجها في الجواب عن كل الأسئلة في مسيرة الدعوة.

وبناء على هذا، والكل راحل إلى لقاء الله سبحانه، فإن المرحلة تقتضي من الجميع الوعي بمهام هذه القيادة المصيرية، مع الانتباه إلى ما تقتضيه المرحلة من المتابعة التفصيلية للمهام التنفيذية سواء من جهة المؤسسات أو الأفراد.

وقد بينت تجربة الإمام، رحمه الله، على أن الحرص الصارم والرفيق والحكيم على السهر على ترسيخ معاني المشروع من خلال أربعة محاور:

– الإحسان: بذل شامل وبلا تحفظ في سبيل الله؛ البذل نظام فرد ونظام جماعة ونظام مجتمع ونظام عالمي منصف للمستضعفين.

– الجماعة: الجماعة وعاء الإحسان ومشتله ووسيلة نشره رحمة ورفقا وحكمة وقوة، الجماعة هي مجموع رجالها وأمتها في آخر المطاف ذكورا وإناثا، أفرادا ومؤسسات.

الجماعة نظام تجديدي لواقع الأنظمة المجتمعية التقليدية الجامدة والساكنة، وبناء لنظام سياسي قادر على حمل هم الأمة وإدارة وتدبير مسيرتها التاريخية.

فليست الجماعة بناء هيكلي كباقي الهياكل القائمة، وإنما هو معنى جامع وعظيم يستمد قوته من معاني الإحسان الرائدة في بنائه الخاص والعام.

– الشورى: الشورى نظام الجماعة ونظام التفكير والاجتهاد، مسألة حياة أو موت بالنسبة للمشروع التجديدي التغييري كما عرضه الإمام، نظام الشورى نظام مكمل ضرورة لنظام الإحسان وحياة الجماعة. لذلك من واجب القيادة التاريخية أن تسهر بكل دقة وحكمة على انتقال حركة الجماعة والمشروع من مرحلة التأسيس التاريخي إلى مرحلة نظام الشورى.

إن القيادة التاريخية المحبوبة والمطاعة تصبح بين يديها قوة ضاربة لما تصبح تفاصيل التنظيم وحركة المشروع عامرة بقيم الشورى ونظامها، وهو ما يعني حرص هذه القيادة بكل صرامة وحكمة على محاربة كل الأمراض التي تهدم نظام الشورى وتعرقل ترسيخه في حياة الجماعة.

إنها الوسيلة الكلية الضرورية للحفاظ على حركة المشروع متقدة وجامعة ومستوعبة، فلا مستقبل للحركة الإسلامية نهائيا ما لم تنجح في تعميق قيم الشورى، والشورى قبل أن تكون انتخابات هي نظام حياة وعلاقات عامة وخاصة، فترسيخ قيم الشورى مسألة حياة أو موت لا تقل أهمية مصيرية عن أهمية ترسيخ قيم ومعاني الإحسان والجماعة.

– الزحف نحو إقامة العدل الاجتماعي والسياسي، وهو هدف مباشر لحركة المشروع على الأرض، لذلك لا قيمة للاشتغال على المحاور الثلاثة أعلاه ما لم يكن هدفها المباشر إقامة العدل. فلا وقت لتضييعه في العلاقات الفوقية والأعمال الفوقية ما لم تكن هذه ثمرة العمل القاعدي المباشر، وما لم تكن دفعة لهذا العمل نحو تحرير مواقع وتثبيت أخرى.

القيادة الدعوية لا مكان لها إلا وسط المستضعفين تربية وتعبئة، ولا تأخذ من وقتها الأعمال الهامشية، مهما كان حجمها، إلا ما تستحق في سياق حركة المشروع، وهو ما يعني انتباهها إلى عدم هيمنة الأعمال السطحية والفوقية على حركة المشروع، إذ يجب أن تأخذ هذه الأعمال مكانها وزمانها وما تستحق من مجهود بالمقدار الذي يجعلها مفيدة وبنائية.

لقد أثبتت حركة مشروع العدل والإحسان أنها حركة تاريخية عميقة تستند إلى مشروع كبير وكلي يبني جزئياته على أرض الواقع لبنة لبنة، وهو ما يفرض التجدد المستمر في ترسيخ أصوله وقواعده في الفهم والسلوك بالمعنى الفردي والجماعي.