ثانيا: أطوار التاريخ الإسلامي

انطلاقا من المنطلقات السالفة الذكر، حددت مدرسة المنهاج النبوي تقسيما يتجاوز التحليلات السطحية الضيقة والاحتضان المتبلد للتاريخ الإسلامي، تقسيم يخترق التاريخ والحاضر والمستقبل الإسلامي معاً، تقسيم يستنير بالحديث العظيم الذي حدد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم أربعة مراحل للتاريخ السياسي للأمة الإسلامية منذ البعثة النبوية الشريفة إلى قيام الساعة.

1- الماضي: عض أعقب نبوة وخلافة

أ‌- مرحلة النبوة: ابتدأت بنزول الوحي سنة 13 قبل الهجرة واستمرت إلى السنة 11 للهجرة سنة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. مرحلة عاشت فيها الأمة أزهى مراحلها التاريخية حيث الوحي القرآني-النبوي يسري بين الناس يصنع أحداثا هي التاريخ المشرق لهذه الأمة.

في العهد النبوي كانت المسألة واضحة في فقه الصحابة كانوا عباد الرحمان، في كل حركاتهم وسكناتهم) 1 ، كان الوحي في أسماعهم وعقولهم توجيهات مباشرة تعالج قضايا الساعة التشريعية والجهادية) 2 . ولهذا استطاع الوحي أن يصنع للمسلمين تاريخا مجيدا في ظرف وجير لم يتعدى ثلاثة وعشرون سنة عجزت وتعجز القدرات البشرية عن صنع مثله.

ب‌- مرحلة الخلافة الراشدة: امتدت ثلاثين سنة من سنة 11 هـ إلى 41 هـ، كما أخبر الوحي النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك” 3 ، حكم فيها سيدنا أبو بكر سنتين (11هـ – 13هـ) وسيدنا عمر بن الخطاب عشر سنوات (13هـ – 23هـ) وسيدنا عثمان اثنتا عشر سنة (23هـ – 35هـ) وسيدنا علي رضي الله عنهم جميعا حوالي 6 سنوات (35هـ – 41هـ).

خلافة اتبعت نهج النبوة مُجتهدة في تعقب مواطن التوفيق الإلهي في صنع أحداث رضي عنها رب السماء وأهل الأرض، لأن مقام النبوة والعصمة والوحي انتهى، وأنه ما تبقى إلا التعامل مع بشر يجتهد في الاقتداء على سمع المسلمين وبصرهم، وعلى شرط “إن أًصبت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”) 4 .

خلافة بينت أن الإسلام نظام وُضع للتطبيق في المجتمع البشري وليس مثالا حالما انتهى بانتهاء النبوة، فصنعت للمسلمين آنذاك حاضر عز عاشوا فيه العدل والحرية والكرامة والأمن بكل أشكاله، بل امتد خير الخلافة ليلمس الإنسانية لما أسقط المسلمون إمبراطوريات استعبدت الإنسان وأفسدت الأرض والحيوان والجماد. وأعطتنا، نحن الرازحون تحت حكم الجبر، منارات للمستقبل الذي نود بناءه على هديها.

ت‌- مرحلة الملك العاض: بدأت مع منتصف القرن الأول الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري الموافق للقرن العشرين الميلادي حيث إن البناء الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في اكتماله البشري النسبي وحافظ عليه الخلفاء الراشدون المهديون بحفظ الله بدأ انتقاضه وانهدامه وانتشاره بعد ثلاثين سنة من موته صلى الله عليه وسلم) 5 .

مرحلة انحرف فيها التاريخ الإسلامي عن سكته بعد أن اغتالوا الإمام عليا كرم الله وجهه فكسروا قبة البناء، بل وأعملوا في أُسه لما حولوها ملكا عاضا) 6 ، وبانحراف فِعْل المسلمين عن مقصود الوحي ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية، ومع القرون استفحل، واحتل العقول) 7 .

حكمت في هذه المرحلة ثلاثة إمبراطوريات كبيرة سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكا عاضا وملكا جبريا وسماها “المؤرخون” الرسميون خلافة) 8 ، وهي على التوالي: الأموية والعباسية ثم العثمانية، ومعها وضدها حكمت إمارات وسلطنات وأصناف من المتغلبين الوراثيين من سلاطين وملوك وملوك عرب وممالك عجم إلى أن ظهر بنو عثمان الأتراك) 9 .

– المُلك الأموي: امتد حكمه من سنة 41هـ إلى 132هـ، أسس له معاوية بن أبي سفيان الأموي وجعله وراثيا في البيت الأموي رغم محاولة الحاكم الصالح عمر بن عبد العزيز إعادة الشورى والعدل وكل ما فُقد من أركان الخلافة إلا أن ذلك انتهى بانتهاء عهده القصير.

طالع أيضا  التاريخ الإسلامي: نحو قراءة جديدة (1)

– المُلك العباسي: بنفس منطق السيف الذي ظهر به المُلك السابق ظهر المُلك اللاحق الذي دشنه أبو العباس السفاح – واسمه مُعبر- بسفك دماء المسلمين حتى قضى على الأمويين واستمر حكم العباسيين إلى أن دهم التتار عاصمتهم بغداد في القرن السابع الهجري. شهدت الدولة العباسية ضعفا كبيرا بعد قرن من تأسيسها فظهرت إمارات وسلطنات كان الخليفة معهم مجرد رمز لا أمر له ولا نهي) 10 .

وهكذا ظهرت الدولة الطولونية، ودولة السلاجقة، والدولة الفاطمية، ودولة المَلك الصالح صلاح الدين الأيوبي، ودولة البويهيين، والدولة الخوارزمية، ودولة المماليك، والدولة الصفوية، ودول المغرب الأقصى والأوسط من أدارسة ومرابطين وموحديين ومرينيين وبني حفص وبني عبد الواد وملوك الطوائف في الأندلس وغيرهم كثير.

– المُلك العثماني: أسسته القبائل التركمانية التي نزحت من آسيا الوسطى إلى آسيا الصغرى (تركيا حاليا) هربا من هجمات المغول بقيادة عثمان بن أرطغرل في بداية القرن الثامن الهجري التي ما لبثت أن تحولت إلى إمبراطورية شاسعة امتدت مُلكها في ثلاث قارات: جنوب شرق أوربا وغرب آسيا وشمال إفريقيا باستثناء المغرب الأقصى الذي منعهم منه ملوك السعديين والعلويين.

وقد تمكن العثمانيون من إعادة جمع شتات الدولة العباسية فأًصبحت للمسلمين شوكة أخرى فيها من فساد الحكم ما عليه صبروا مقابل درء الفتن الداخلية ومواجهة العدوان الأوروبي والطمع الصهيوني في فلسطين. واستمرت شوكة آل عثمان تقاوم أمراضها الداخلية والأطماع الخارجية إلى أن فككها الأوروبيون في القرن الرابع عشر الهجري.

ليُسدل الستار على مرحلة مريرة من مراحل التاريخ الإسلامي، مرحلةُ ملكيات العض التي كانت بالفعل شوكة الإسلام وحاميه من العدوان الخارجي. لكن في ظلها زحف العدوان الداخلي لما أُسكتت الأًصوات الناهية عن المنكر، واغتيل الرأي الحر، وسُد باب الاجتهاد. في ظلها وفي خفاء الصراعات تكونت المذاهب الدساسة، وتمزقت الأمة سنة وشيعة، وتشتت العلم مُزعا متخصصة (…) كان القتال في ظلها قد انتهى إلى تركين القرآن وأهله في زوايا الإهمال أو الفتك بهم في “قومات” مثل قومة الحسين بن علي رضي الله عنهما الدموية. وفي ظلها تسلط السيف تسلطا عاتيا وتقدم أصحاب العصبيات العرقية) 11 .

2- الحاضر: جَبرٌ صنعه الاستعمار

في الوقت الذي رزح فيه المسلمون تحت حكم العض، كانت أوروبا تستيقظ من وهدة القرون الوسطى المتخلفة، فبدأت في القرن الخامس عشر بتقويمهم الميلادي تشق طريق نهضةٍ علمية وفكرية وسياسية لما تمكنت من التخلص من قيدين شلا حركتها وهُمَا الحكم المطلق والفساد الكنسي. فهبت عليهم رياح اختراعات علمية واكتشافات جغرافية وثورة اقتصادية جعلتهم مع القرن 19م يبحثون عن موارد تساير سرعة الآلات التي اخترعوها، فكان الاستعمار الذي لم يجد أمة أكثر قابلية له أكثر مما وجد في الأمة الإسلامية.

طالع أيضا  التاريخ الإسلامي: نحو قراءة جديدة (1)

هكذا عدد الأوروبيون أشكال الضغط والإضعاف على شوكة المسلمين الدولة العثمانية التي التقت فيها معاول الهدم الداخلي والخارجي حتى استحقت لقب الرجل المريض) في نظر الطامع الخارجي، وتمخض القرن التاسع عشر بتاريخ النصارى عن معاهدات اقتسمت بمقتضاها أوروبا المُصنعة أطرافا شاسعة من المعمور) 12 ، من بينها اتفاقية “سايكس- بيكو” 1916م و”وعد بلفور” 1917م و”مؤتمر سان ريمو” 1920م التي فككت الرجل المريض العثماني إلى مستعمرات أوروبية وأهدت فلسطين لأقبح عدو للإسلام وهو الصهيونية.

ارتطم الاستعمار بالذاتية المسلمة فوجد مقاومة باسلة رغم غثائية المسلمين التي جعلتهم قصعة تؤكل) 13 ، ومع الاستعمار العسكري ينشئ الاستعمار مدارسه لتكون معاقل لتكوين موظفين محليين ومساعدين. وينبغ من أبناء المسلمين “نوابغ” يتشكلون بعثات إلى أوروبا حيث يستقون من النبع) 14 ، وأنس المسلمون بالنخب المتعلمة التي خلَفَتْ الاستعمار، واطمأنوا إلى وطنيتها، واستناموا على دينهم. ما علموا إلا بعد حين أن هذه النخب غرْسٌ دخيل، جسوره الجسمية منا، وسقيه واستمداد عقله وروحه منهم) 15 .

ولم يخرج الاستعمار من أرض المسلمين (خرج اضطرارا بفعل المقاومة الباسلة التي اختلطت فيها الدوافع الإسلامية والوطنية) إلا بعد أن مكن هذه النخب من الحكم في كل بقعة من البقع التي جزأ إليها بلاد المسلمين خالقا نزاعات بين دويلات الحكم الجديد التي تنوعت بين ملكيات وراثية وإمارات عشائرية و”جمهوريات ملكية” وأنظمة عسكرية. ومن دهاء الملوك الجدد أنهم حلوا الدساتير -وهي القانون الأساسي للحكم- بديباجات تمجد الإسلام، وبفصول تقرر أن الإسلام دين الدولة) 16 . فاستحقت هذه الأنظمة الجديدة أن تلقب بالمُلك الجبري الذي تحدث عنه الحديث لما فيها من جبر تختزله كلمة العصر “الديكتاتورية” فلا حكم راشد عادل ولا أمة موحدة ولا عزة للمسلمين.

3- المستقبل المنشود: نحو تجديد يلتقي بالقدر

إن ما سُرد يؤكد أن التاريخ الإسلامي لم يخرج عن دائرة سنة الله التي لا تحابي نبيا معصوما ولا بشرا مجتهدا. سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إن آمنوا وعملوا الصالحات) 17 . شرطان إذن: إيمان وعمل صالح. غيب وأسباب. فمتى دارت الأمة مع القرآن واجتهدت لواقعها، التقى الشرطان وجاء النصر الذي هو نصر على الظلم بإقامة العدل، ونصر على التخلف بإقامة التنمية، ونصر على التمزق والفرقة بإقامة الوحدة، ونصر على كل العدوان الخارجي بإعداد القوة السائدة في الزمان، ونصر على الشيطان بإيصال رسالة الرحمة إلى البشرية وإمامة العالم.

لا أحد يتحدث، من واضعي الخطط لانتشال المسلمين من وهدتهم الحالية، عن هذين الشرطين ليكونوا في موعد مع سنة الله. قال الله تعالى وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا 18 ، مما يجعل المسلمين اليوم دويلات خلفها الاستعمار، وقسمها التوزيع العضي الجبري من قبله، ما منها واحدة تُذكر إن تحدث العالم عن الصناعة والعلوم والاكتفاء الذاتي واليد النافذة في سياسة العالم واقتصاده ودبلوماسيته وتقرير مصيره) 19 .

طالع أيضا  التاريخ الإسلامي: نحو قراءة جديدة (1)

إصلاح أحوال الأمة المتردية، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا وعسكريا وثقافيا ورياضيا وغيرها من الميادين، حدد له علم المنهاج النبوي خطة تبدأ بإصلاح ما بأنفس الأمة وهو القلب، قال الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 20 . إصلاح القلب يعطينا الفرد الصالح الذي هو الركيزة والرأسمال المادي للأمة، بعد الرأسمال المعنوي وهو التوكل على الله عز وجل، ليتجدد الإيمان في القلوب وتجدد الإرادات والهمم وتخلُص النيات لله عز وجل في الحركات والسكنات، وتصنع اللقاء الموعود بين تصديق المؤمن وغيب ربه.

تجديد الإيمان في القلب قد يصلح الفرد ولكن لن يصل تأثيره إلى الأمة إن لم يتبعه سعي جماعي لتجديد دين الأمة واتخاذ كل أسباب العصر المتاحة والمشروعة لتوحيد الأمة مذهبا وجغرافية والنهوض بأحوالها، وفق نظرية واضحة تعرف الأفق الاستراتجي وهو إعادة الخلافة على منهاج النبوة التي ختم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم استشرافه لمستقبل الأمة، دون رفض الفرص التاريخية التي تقرب الطريق ولا تزيغ عن الأفق الموعود المتحقق إن شاء الله.

خاتمة

إن هذه الأمة المغلوبة على أمرها بحاجة لمن يربي وينظم جيلا يحرر الأمة من ربقة الجبر الملحد أو المتستر تحت شعارات الإسلام، ويقيم للأمة دولة الخلافة الموعود بها) 21 .


[1] العدل: الإسلاميون والحكم، عبد السلام ياسين، الطبعة الثالثة، دار الآفاق، ص 73.\
[2] نظرات في الفقه والتاريخ، ص 22.\
[3] رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\
[4] مقتطف من خطبة الخليفة الأول، سيدنا أبو بكر الصديق عند مبايعته في سقيفة بني ساعدة – العدل ص 77.\
[5] العدل ص 44.\
[6] العدل ص 44.\
[7] نظرات في الفقه والتاريخ ص 10.\
[8] نظرات في الفقه والتاريخ ص 10.\
[9] العدل ص 87.\
[10] العدل ص 87.\
[11] نظرات في الفقه والتاريخ ص 10.\
[12] حوار الماضي والمستقبل، عبد السلام ياسين، الطبعة الأولى ص 62.\
[13] العدل ص 513.\
[14] حوار الماضي والمستقبل، ص 115.\
[15] العدل ص 514.\
[16] العدل ص 514.\
[17] سنة الله، عبد السلام ياسين، الطبعة الأولى، دار لبنان للطباعة والنشر، ص 9.\
[18] سورة النور، الآية: 55.\
[19] العدل ص 35.\
[20] يحتاج إلى مصدر.\
[21] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، الطبعة الرابعة، منشورات دار البشير للثقافة والعلوم – مصر، ص 11.\