4- أخطار الانكسار التاريخي

يلخص الإمام ما خلفه الانكسار من سيئات التفتت في عضد الأمة، غطى مع مرور الزمان، النموذج الرائع الذي رسمه الجيل الفريد، على حد تعبير الشهيد سيد قطب، في سياسة الدنيا بالدين، فيقول: ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية، ومع القرون استفحل، واحتل الأرض، واحتل العقول، واعتاد الناس أن يسمعوا عن الخلافة الأموية والعباسية وهلم جرا. وعاشوا على سراب الأسماء دون فحص ناقد للمسميات. سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكا عاضا وملكا جبريا وسماها “المؤرخون” الرسميون خلافة، فانطلت الكذبة على الأجيال، وتسلينا ولا نزال بأمجاد هذه “الخلافة”. وقد كانت بالفعل شوكة الإسلام وحاميه من العدوان الخارجي. لكن في ظلها زحف العدوان الداخلي لما أسكتت الأصوات الناهية عن المنكر، واغتيل الرأي الحر، وسد باب الاجتهاد. في ظلها وفي خفاء الصراعات تكونت المذاهب الدساسة، وتمزقت الأمة سنة وشيعة، وتشتت العلم مزعا متخصصة عاجز فيها أصحاب التخصص عن النظرة الشاملة. لا يجسر أحد على بسط منهاج السنة والقرآن مخافة السلطان. كان القتال في ظلها قد انتهى إلى تركين القرآن وأهله في زوايا الإهمال أو الفتك بهم في “قومات” مثل قومة الحسين بن علي رضي الله عنهما الدموية. وفي ظلها تسلط السيف تسلطا عاتيا. وتقدم أصحاب العصبيات العرقية، فحكم بنو بويه والسلاجقة، والعبيديون، وهلم جرا. حكم كل أولئك تحت ظلها، يُفتي تحت ظلها المفتون بشرعية حكم المستولي بالسيف. وسلام على الشورى وعلى العدل والإحسان) 1 .

ولعل من أخطر ما أصاب الأمة بهذا الانكسار ما يلي:

– الانتقال من الخلافة إلى الملك

يورد الإمام في كتابه القيم الخلافة والملك حديثا أخرجه ابن سعد في الطبقات عن الفرق بين الخلافة والملك في فهم عمر سائلا سلمان الفارسي رضي الله عنهما: “أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر”.. وفي رواية أخرى عند ابن سعد أيضا، “فقال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا” 2 .

لو لم يكن في الملك من شر إلا هذا لكفاه، فعسف الناس حقوقهم، وأكل أموالهم بالباطل كبيرة كبائر الملك. إن هذه النقلة المأسوية في التاريخ الإسلامي من واقع خلافة أسست لمنطق مغاير في تاريخ البشرية في طريقة اختيار الحاكم، وسياسة الدنيا بشرع الله متوجها بهدي نبوي قائم على الرفق والرحمة وبذل النفس والنفيس في سبيل قيام الحق والعدل، إلى حكم جعل الولاء للعصبية، وأصبح ميراثا تتوارثه العائلة الحاكمة ابنا عن أب حتى ولو كان في خرق الولادة، هي التي نفثت في الأمة سموم الانفصام والتشتت والفرقة، يقول الإمام: وانطلقت القوة الإسلامية في مسارها التاريخي بقوة الرابطة الإيمانية في عهد النبوة والخلافة الراشدة حتى قام معاوية بالسيف، فارتبط المسلمون منذُئذٍ بطاعة الغالب حامل السيف. ولا يزال المسلمون تحت طائلة القوة الحاكمة المستبدة) 3 .

ويورد الإمام قولتين يجلي بهما الفرق الواضح بين حال الخلافة وحال الملك، قال: وصف الإمام علي كرم الله وجهه عمر بن الخطاب قال: لله در فلان فقد قوم الاود، وداوى العمد. خلّف الفتنة وأقام السنة، ذهب تقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها. أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه) 4 .

وقال أيضا: روى الإمام البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: أخبرني جدي قال:)“كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ومعنا مروان. قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: “هَلَكَةُ أمتي على يديْ غِلْمَةٍ من قريش. فقال مروان: لعنة الله عليهم غِلْمَةً! فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان، بني فلان، لفعلت”. فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا الشام، فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم! قلنا: أنت أعلم”. والحديث عند الإمام أحمد من طرق متعددة) 5 .

إذ الفساد بدأ مع الملك وتفشى الإفساد به في محيطه، وفي محيط المشايعين له، حتى سرى في كل جسد الأمة إلا ما رحم الله: كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان نموذج الملك الساقط. كان “ماجنا سفيها يشرب الخمر، ويقطع دهره باللهو والغزل. ويقول أشعار المغنين، ويعمل فيها الألحان”. وكان يجاهر بفسقه وزندقته لا يتَخَفَّى. وكان أولَ من حمل المغنين والمُجَّان إلى عاصمة الملك من كل الأقطار. ويَرْوي المؤرخون أن كفره بلغ به أن عزم على بناء سطح الكعبة قبة يشرب فيها الخمر) 6 .

– ترف السلطان واستكباره

وهنا أترك الإمام يتكلم عن المرض الذي حمله الملك وأفسد العباد والبلاد، يقول: كلمة ترف كلمة قرآنية تفيد الترفه والتوسع في النَّعمة كما قال الراغب الأصفهاني. والترف مذموم في القرآن لأن الترف قرين الاستكبار والكفر والصد عن سبـيل الله. ونجد عند مؤرخنا النابغة ابن خلدون تحليلا لسقوط الدول وتفتـت المجتمع لا يقف عند العوامل السياسية والاقتصادية، وإنما يدمج فيها عامل الفساد الخلقي الناتج عن الترف. هذا التحليل يسير في خط القرآن. نظام الملك هو البيئة التي يولد فيها الترف ويزدهر. وظهوره وازدهاره ثمرةُ تلاقُحٍ بين استغلال النفوذ، واحتجان الأموال بالباطل. الترف زهرة مزابل الفساد السياسي الاقتصادي) 7 .

هذا الترف لم يبق عند حدود الملك ودوائره، بل تعداه إلى الأمة بأموال الفتوحات، فركنت بدورها، وسكتت عن صلف السلطان وشططه، فأُلبست لباس الوهن فخنعت لدين الانقياد.

طالع أيضا  قراءة التاريخ السياسي في الإسلام في فكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين (4)

– دين الانقياد

إن الملك الفاسد ولكي يحافظ على سيرورته في الزمان والمكان صنع لنفسه أوتادا تجمع له تلابيب الأمة وتضعها بين يديه، ليقضي على كل يقظة قد تعارض ما يخطط له، فصنع لنفسه دينا ألزم به من يراهم أخطر عليه في شرعيته وهم العلماء والقضاة على الخصوص، هذا الدين الذي سماه الإمام “دين الانقياد” نقلا عن أستاذ التاريخ العلامة ابن خلدون رحمه الله، الذي يورد له نصا يتكلم فيه عن فساد الدوائر المحيطة بالملك، وعن استئثارهم بـبعض المال، والرياسة على الناس (أي الاستبداد)، والمحاباة في القَسْم، وغير ذلك من الشهوات، فهذا القِسْمُ كثر في دول الملوك. إذ هو واقع فيهم وفي كثير من أمرائهم وقضاتهم وعلمائهم وعُبَّادهم. أعني أهل زمانهم. وبسبـبه نشأت الفتن بين الأمة) 8 .

يعلق الإمام على هذا الكلام بقوله: الرجل يعلم يقينا أن فساد الحكم أفْسَدَ المجتمع. ولاحِظْ كيف ينسب أصناف الناس إلى الأمراء الفاسدين: “قضاتهم”، “علمائهم”، “عبادهم”، ليشير إلى وجود جحافل من الوصوليـين السائرين في ركاب الحاكم) 9 .


[1] مقدمات لمستقبل الإسلام ص 38.\
[2] الخلافة والملك ص 11.\
[3] الشورى والديمقراطية ص 242.\
[4] الخلافة والملك ص 19، نقلا عن كتاب نهج البلاغة ص ج 2 ص 222.\
[5] نفسه ص 21.\
[6] نفسه ص 22.\
[7] نفسه ص 83.\
[8] نفسه ص 80.\
[9] نفسه ص 80.\