في الجزء الأول من هذه المقالة تحدثنا عن مفهوم الإعلام وأنواعه ذات العلاقة بالطفل، ثم عن بعض المخاطر التي نراها تحيط بهذه الشريحة العمرية من وسائل الإعلام المختلفة.

في هذا الجزء الثاني نتطرق إلى عوامل التأثير ثم إلى واقع إعلام الطفل بالمغرب.

العوامل الحاسمة في تأثير الإعلام على الطفل

العامل هو الذي يتحكم في درجة الاستجابة للمادة الإعلامية المعروضة (درجة التفاعل مع المضمون) فيحدد مستوى “الأثر” في شخصية الطفل. وأرى هناك ستة عوامل حاسمة وهي:

1- العامل السياسي

باعتبار أن أي مصدر إعلامي له من يوجهه ويتحكم فيه ويحدد أهدافه وتوجهاته.

فعلى مستوى الإعلام الخارجي يسيطر اللوبي الصهيو-أمريكي والاستكبار العالمي على صناعة الإعلام (الأقمار الاصطناعية، تكنولوجيا الألعاب الترفيهية، شبكة الإنترنت…..).

وعلى المستوى العربي فالغثائية والتبعية يبقياننا في دائرة الاستهلاك وغياب الإبداع، إبداع شامل يغطي الفراغ المهول في إعلام الطفل العربي المسلم.

أما على المستوى القطري فلأن الجبر وإن كان يلوح بشعارات الدين كما يفعل الملك العاض، فقد أفرغ أجهزة الحكم والإعلام والتعليم وأفرغ قوانين الحكم من كل معاني الإسلام) 1 .

2- عامل الأسرة

ومنه مستوى الوعي التربوي للوالدين وباقي أفراد الأسرة بخصائص الطفولة وسماتها وحاجياتها، ومنه المستوى التعليمي والاجتماعي والاقتصادي للأسرة، ومنه الإرادة. فهناك النقل وهناك العقل وهناك الإرادة. والإرادة هنا استعداد الأبوين (على الخصوص) لتحمل أعباء تربية أبنائهما التربية الإسلامية السليمة الرحيمة، وعدم الاستقالة من مهامهم التربوية والتواصلية تحت طائلة الانشغال أو الإهمال بدعوى “الواقع”.

فقد وَلَغَت البرامج التلفزيونية في حَرَم الأسرة فزادتها تفكيكا، وشَكَّتْ خرطوم مُنَوَّعاتها المبتذلة النجِسة في أحشائها، وسَرقَت الأطفال من أمهاتهم وآبائهم، وقتلت الوقت فلم يبق لواجب الاتصال الحميم بين الآباء والأبنـاء فرصة ليتصل حبل الفطرة. سبق التلفزيون إلى النفوس الطرية فَنَفثَ فيها من سمومه قبل أن تُتاح الفرصة للكلم الطيب ليصلح بذْرُها ونَماؤُها وثبات نبتها وإثمار فرعها) 2 .

ومع ذلك فالمنع والتحريم والعقاب لا معنى له ولا جدوى، وكيف تقبض على الهواء الساري والماء السائل؟ فراغ هائل في حياة الأسرة تملأه جلسة الأطفال والكبار والنساء والرجال إلى معلم الخنا التلفزيون يشرح أبواب اللهو والدوابية) 3 .

وقل نفس الشيء الآن عن الانترنت وألعاب التسلية.

3- عامل المرحلة العمرية

فما يؤثر في مرحلة عمرية، قد يِؤثر بشكل أقوى منه في مرحلة عمرية أخرى لأن لكل مرحلة خصائص ومميزات للطفل فيها حاجات ورغبات.

4- عامل المدرسة

فالمدرسة أهم مؤسسة للتنشئة بعد محضن الأسرة، فالمفترض منها أن تحمي القيم التربوية وتعزز غراسها في نفوس الأطفال. أما إذا كانت المدرسة مفتونة فاشلة تائهة كما هو الحال، فهي إذن داعمة للخراب مزينة له، تعمق الجراح.

وينشأ بيننا مما تنتجه مدارس الفتنة وإعلامها وشارعها وأوبئتها أجيال عنيفة تحمل الحقد وتغذي نيات البطش..) 4 .

5- العامل الاجتماعي

ونعني به:

– الصحبة: وما يتشربه الطفل من رفاقه من طباع، في علاقتهم بوسائل الإعلام المختلفة.

– الشارع: وما يعيشه الطفل من وقائع خارج دائرة الأبوين والمربين.

6- باقي مؤسسات التنشئة

كالجمعيات والنوادي والمخيمات، وكيفية تعاطيها مع المواد الإعلامية المختلفة، نقدا وتقويما وتصحيحا أو استهلاكا وإعادة إنتاج.

واقع إعلام الطفل بالمغرب

لا يكاد الدارس حول واقع الطفولة بالمغرب أن يعثر على ما يشفي فضوله بخصوص إعلام للطفل بالمعنى الأدبي المتداول.

ولنا أن نسجل الملاحظات التالية

1- على مستوى إعلام الطفل المكتوب

عرف تطورا واضحا خلال السبعينات والثمانينات والتسعينات كنتيجة حتمية لانتعاش أدب الطفل بشكل عام حينئذ بالمغرب. بحيث ظهرت العديد من الدوريات الخاصة بالأطفال من مجلات على الخصوص كسلسلة العندليب والغد الأفضل وصدى التعاون التي تصدرها جمعية تنمية التعاون المدرسي، مناهل الأطفال لوزارة الثقافة، وإصدارات بعض الخواص (المغامر، براعم، أجيال المستقبل، أزهار، ولدي، سندباد، منبر التلميذ.. إلخ). وظهرت في وقت لاحق مجلات أخرى ذات مضمون إسلامي كمجلة السفينة ومجلة الرائدة.. وخلال هذه الحقبة أيضا انتشرت جرائد موجهة للصغار مثل “جريدة للطفل” للعربي بنجلون 1971، “جريدتي” في 1999، هذا إضافة إلى ملاحق خاصة بالطفل في بعض الجرائد العامة 5 .

2- على مستوى إعلام الطفل المسموع

لا وجود لإذاعات متخصصة للأطفال وإنما هناك برامج إذاعية محدودة المضمون والجدوى على أثير الإذاعات الرسمية وبعض الإذاعات الخاصة التي يسمح بوجودها.

3- على مستوى الإعلام المرئي

إذ لا حديث عن تحرير للإعلام في بلادنا حيث السلطة والثروة محتكرتان وكل وسائل التأثير. فلا حديث عن قنوات خاصة بالطفل أو الأسرة. فأطفالنا رهن الحالات الخمس التالية:

– الحالة الأولى: القنوات الرسمية وما تحقنه من عفن في أدمغة المشاهدين: أفلام مكسيكية وتركية مدبلجة تشرعن العري والرذيلة وتنشر ثقافة الخيانة والعقوق والفضائح الجنسية والفشل والإحباط، برامج العنف والإجرام والانحراف، التركيز على المواضيع المبتذلة والتافهة، سيطرة برامج الأغاني الساقطة وتشجيعها، حصص أطفال – إن وجدت – أساسها فقرات الرقص والتقليد والتهريج وتكرار المواضيع المستهلكة.. فهذه القنوات ليست سوى أبواق لذوق وحيد ومرايا لغزو ثقافي مدمر أريد له أن يحشو عقول وقلوب الناشئة.

يقول الإمام المجدد رحمة الله عليه: الغزو الثقافي المسلط على العالم سلطان الإعلام وسلطان التعليم والتطحين يستخدم فعلة ومهندسين وضباط صف من أبناء البلد بعد أن دربهم وصبغهم بصبغته) 6 .

– الحالة الثانية: القنوات العربية العامة: برامج وأفلام ورسوم متحركة بالخصوص كثير منها لا يخضع لمقص الرقيب التربوي رغم وجود مبادرات محمودة هناك أو هنالك..

– الحالة الثالثة: قنوات الطفل العربية: كقناة Space Toon (موجهة لفئة 4 إلى 15 سنة وتمولها بعض الشركات البريطانية واليابانية والأمريكية بحوالي نصف اعتماداتها)، قناة النيل للأسرة والطفل (موجهة للأطفال وللشباب والمرأة وكبار السن). الجزيرة للأطفال/قناة “ج” بالتسمية الجديدة (موجهة لفئات 3 إلى 15 سنة، بشراكة بين مؤسسة قطر للتربية والتعليم وتنمية المجتمع وشبكة الجزيرة. ارتينز (أول قناة عربية متخصصة للأطفال بدأت في 23 نوفمبر 1993 تحت اسم: الأطفال وهي جزء من شبكة راديو وتليفزيون العرب الذي يملكه السعودي صالح كامل)، MBC3 (من قنوات شبكة MBC ، يملكها سعوديون)، براعم، سكر (موجهة لـ3 إلى 6 سنوات)، يويا، كرميش، طفلي الحبيب.. إلخ.

وعند تقييم أغلب هذه التجارب بشكل عام يلاحظ أنها لا تنتج بشكل ذاتي سوى حوالي 13% من البرامج التي تقدمها، أي أن أغلب مضامينها أجنبية مستوردة، إذ بناء على عينة التحليل لمختلف هذه البرامج اتضح ما يلي:

— 52.8% من الكارتون أجنبى.

— 70% من الأغانى أجنبية.

— 75% من الإعلانات أجنبية.

— 87% من البرامج أجنبية.

— 71% من الفواصل أجنبية.

— 98.1% من مشاهد الخيال العلمى أجنبى. 7

وفي السنوات الأخيرة ظهرت قنوات أخرى للأطفال ذات توجه إسلامي كقناة سمسم، ومتخصصة في الأناشيد كباقة طيور الجنة وغيرها.

– الحالة الرابعة: قنوات للطفل تهدد العقيدة وتعبر عن المذاهب المسيحية كقناة سات 7 كيدز/sat 7 kidz أو الشيعية كقناة طه للأطفال، قناة هادي للأطفال وقناة هدهد للأطفال..).

وهذا يقتضي من الآباء والمربين تحصين فلذات الأكباد من مخاطرها فـمتى فتحنا على الطفل قبل تمكن الإيمان وباعث القرآن في قلبه نوافذ الثقافة الممسوخة الخرساء وأبواب اللغات الوثنية فإنما نعرضه لأعاصير الشك، وأوبئة الكفر. والسالم من سلمه الله.. والتحصين اللبي القرآني لا يعوض) كما قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله. 8

– الحالة الخامسة: القنوات العالمية: كالأمريكية وغيرها (.., ARTEENZ, nicklodeon, foxe kids, dizney) وما تعرضه من برامج قد تكون أكثر جمالية وجذبا للمشاهد الصغير بالنظر لإمكانياتها الهائلة “ووسائلها العملاقة” وتجربتها الطويلة في ترويج الأفكار عبر ما يسميه منظرو وسائل الإعلام والاتصال بـالأسلوب المنظم للدعاية السياسية) 9 .

هذه القنوات طبعا تروج لثقافة أهلها فوجب أيضا مراعاة ذلك.

4- على مستوى إعلام المسرح والسينما

لم يظهر مسرح الطفل بالمغرب بشكل منظم ورسمي إلا أواخر سنوات السبعين حيث تم تنظيم المهرجان الوطني الأول من طرف وزارة الشبيبة والرياضة في 17 أبريل 1978 م بالرباط، ونظمت وزارة الشؤون الثقافية سنة 1982 م اللقاء الوطني الأول لمسرح الطفل بتعاون مع جمعية قدماء تلاميذ مدينة الجديدة تحت شعار الطفل هو نوع وهدف)، وأعطيت أهمية كبرى لمسرح الطفل على المستوى العربي بعد انعقاد مهرجان قرطاج بتونس سنة 1983 م بمشاركة المغرب. 10

واهتمت بعض جمعيات المجتمع المدني كذلك وبعض الأفراد بمسرح الطفل من خلال الندوات وعروض بين هنا وهناك. لكن الملاحظ هو أن هذه العروض والمبادرات المسرحية الخاصة بالطفل لا زالت حبيسة المناسبات ويتحكم فيها منطق الاحتفالية لا الاحترافية والإبداع.

5- إعلام الإنترنت

بغياب توعية للطفل وفي نفس الوقت للآباء والمربين بمخاطر الإنترنت (وفوائدها بشكل عام) وسبل التعاطي الوقائي- التحصيني معها يبقى أبناؤنا عرضة لكل ما يبثه خيار الناس وشرارهم في الشبكة من كل نقطة في العالم عبر المواقع والصفحات ومختلف الألعاب الإلكترونية التفاعلية واسعة الانتشار. وأمام –هذه- القنبلة الإعلامية اليومية لا تجدي الموعظة، و لا المنطق، ولا التوبيخ والزجر ولا كسر الجهاز) 11 .

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمة الله عليه: في متناول الطفل الأمريكي (أضيف: والطفل العربي والمغربي كذلك اليوم) حاسوب شخصي المفروض فيه أن يعلم الرياضيات واللغة، وأن يحضر المعلومات من شرق الأرض وغربها في لمح البصر. لكن الأطفال الأمريكان (أضيف: وأطفالنا اليوم أيضا معرضون لذلك)، كم النسبة المئوية والسن؟ غير مهم يستخدمون الحاسوب الشخصي (أضيف: بقصد أو بوقوع في شراك) لاستقدام صور العهارة والدعارة عبر أم الشبكات التواصلية الحرة التي لا رقيب عليها ولا حسيب 12 .


[1] المنهاج النبوي، ص 8.\
[2] كتاب العدل، ص 534.\
[3] الإحسان، ج 2، ص 352.\
[4] المنهاج النبوي، ص 281.\
[5] انظر: المثقف، صحيفة إلكترونية، عدد 2456، الاثنين 27/05/2013، مقال للدكتور جميل حمداوي.\
[6] العدل، ص 414.\
[7] ورقة عمل: رؤية تقييمية للتجارب الإعلامية الموجهة للطفل: الإعلام المرئي نموذجاً، إعـداد د. ليلى عبد المجيد عميد كلية الإعلام – جامعة القاهرة، مايو 2010، إصدار وزارة الأسرة والسكان، مصر.\
[8] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 165.\
[9] انظر المفهوم في: الشخصية الإسلامية مؤسسة إعلامية، زهير الأعرجي 1/1402، ص 9، دار المعارف بيروت.\
[10] انظر مقال د. جميل حمداوي: تاريخ مسرح الطفل في المغرب، صحيفة دنيا الرأي الإلكترونية، نشر في 04/06/2007.\
[11] إمامة الأمة، ص 194.\
[12] حوار مع صديق أمازيغي، ص 101.\