تقديم

إن حاجة الشباب إلى التعبير عن ميولاتهم وإبراز طاقاتهم كان ولا يزال الدافع والمحرك لكل موجة إبداعية وحركة فكرية شبيبية، ثم إن الأبواب الموصدة وسياسة تكميم الأفواه وخنق الأنفاس ما كانت إلا لتزيد الشباب قوة وإصرارا على التعبير عن ما يشيج في صدورهم من آمال وآلام وتطلعات.

وعلى عكس ما توقعه القائمون على كبت الحريات ووأد المبادرات بهذا الوطن فقد واجه الشباب المغربي سياسة قمع الإبداع، بمزيد من الإبداع، إبداع حرره من جدران الفضاءات العمومية الموصدة والإطارات الشبابية المغلوب على أمرها ليزج بنفسه بين أحضان الجماهير الشعبية ويخوض بإبداعه رحلة العودة إلى الشارع، وهنا ظهر ما بات يعرف بفنون الشارع والتي تنوعت مجالاتها لتغطي مجمل ميولات الشباب: “مسرح الشارع، موسيقى الراب، الرسم على الجدران، الرقص التعبيري، الرياضات الاستعراضية، إيقاعات الطبول …” كل هذه الفنون ظهرت في غير ما اهتمام من الوزارة الوصية والجهات المعنية بالتنشيط والتأطير الشبابي.

فن على الرصيف

في حوار له مع الإعلام قال أحد مغنيي الراب جوابا عن سؤال الموهبة وعملية صقلها في رحاب المعاهد الفنية أن هناك من تخرج من conservatoire وأنا تخرجت من “consetrottoir”) ويقصد بذلك أنه صقل موهبته على الرصيف، وهذا في الحقيقة ليس مسارا يسلكه الشباب عن طواعية واختيار حر، بل هو في غالبه يتم تحت إكراه الظروف الاجتماعية للفنان نفسه بحيث يعجز عن أداء تكلفة المعاهد الفنية، كما تمليه أيضا سياسة الدولة التي لا تجعل في صلب اهتماماتها تقريب الإبداع من المواطن بإنشاء معاهد القرب “الجغرافي والاجتماعي”.

ولهذا الأمر عدة دلالات اجتماعية تؤشر على انتماء فنان الشارع إلى طبقة عموم الشعب الكادح مما يجعله يتكلم من صلب المعاناة لا من أعالي الأبراج العاجية. وكما أن فن الشارع هو ابتداء وليد معاناة واهتمامات المواطن البسيط، فهو أيضا موجه ومسخر لتقديم رسالة إنسانية ذات حمولة فكرية وجمالية إلى نفس المواطن البسيط، فهو بذلك إذا من الشارع وإلى الشارع.

فن مناضل

إن انتماء فن الشارع إلى عموم الشعب المقهور يدخله ضمنيا في دائرة الصراع السياسي والاجتماعي مع منظومة الاستبداد والطبقية. وإلا فلا معنى لوجوده إن غض الطرف وكف اللسان عن فضح الفساد وخدمة قضية المستضعفين. لذلك فالحمولة السياسية لفن الشارع لا تطيقها المرافق العمومية والمنابر الإعلامية الرسمية ولا تتحمل سماعها آلة القمع المخزنية. وهذا ما يفسر منع عدد مهم من مغنيي الراب وممثلي الكوميديا الساخرة من الوقوف على منصة عمومية داخل وطنهم. بل إن عددا منهم صدرت في حقه أحكاما قاسية في تهم ملفقة. وبهذا يكون فنان الشارع أحد مكونات الحركة النضالية التغييرية بالبلد.

تضييق وملاحقة

إن اعتبار فن الشارع شكل من أشكال النضال السياسي والحقوقي في دول الاستبداد من شأنه أن يدخل الفن كممارسة شبابية “متحمسة” وفلسفة نضالية واعية… ضمن ملفات المخزن التي يسعى إلى القضاء عليها أو على الأقل تدجينها وهذا أخطر بحيث يصير صوت الشعب خادما للسلطة وداعما لخياراتها الاستبدادية.

وقد تنوعت المقاربات التي تعاطت بها الدولة مع صوت الشارع المزعج بالقمع والمنع كما سلف الذكر وبمقاربة أكثر خطورة وهي السعي إلى تطويق الشارع وضمه إلى الفضاء العمومي الرسمي من خلال ترسنة من القوانين الجزرية، والتي تمنع أي تحرك شبابي غير مرغوب فيه تحت طائلة “فيتو” الترخيص، بل تتعداه إلى ملاحقة الشباب إلى مهربه في العالم الافتراضي ومتابعته على كل ما ينشر من إبداعات على مواقع التواصل الاجتماعي.

حكمة الشباب ودرس بليغ

إن فن الشارع كفكرة تعلن تمردها عن كل ما هو رسمي وتحاول جادة الاختراق لتجد لنفسها فضاء حرا وبلا قيود، تروم أيضا بعث رسالة أمل إلى الشعوب المقموعة ورسائل تحدي وصمود إلى منظومة القمع والاستبداد بمجتمعاتنا العربية والإسلامية، وإن حكمة الشباب في إبداعه وفنه وفي وعيه بذاته وبقضايا أمته لا يضاهيها مكر الثعالب العجوزة مهما استأثرت بمراكز القوة والسلطة والقرار.

وهي أيضا درس بليغ إلى القوى الشبابية الممانعة والممنوعة أن لا تقف مكتوفة الأدي تشكو الحصار وتعاني الانحصار، فإن قبضة الاستبداد مهما أُحكمت فلن تستطيع أن تكبت صوت شباب مناضل ومبدع. وما لا يأتي بالنضال والإبداع يأتي بمزيد من النضال والإبداع.