عرفتُها منذ أكثر من ثلاثة عقود امرأة لا تراها العين إلاّ من خلال بيتٍ مُنظَّم نظيف، وإطعام كريم وحُسن تضييف. لم يكن منزلها الـمُنيف يخلو من زائرين يأتون من المدن والقُرى، ويحظَوْن بنفس المستوى الرّفيع من الحفاوة والقِرى.

ومَن عاشر الشّريفة العفيفة الحصيفة لا يعرفُها إلاّ عابدة نقيّة تقيّة خفيّة، ويشاء الله أن تزداد معرفتي بها عن قرب لـمّا قدّر العليم الخبير واختار لي زوجا كانت للا خديجة خالتها، والخالة بمثابة الأُمّ خاصّة إذا جمعَت بينهما إلى جانب رابطة الرّحم روابط المحبّة في الله، وصحبةُ أهل الله، والولاء لجماعة مُجاهدة في سبيل الله.

شاء الله لي بعد الـمُصاهرة المباركة أن أحُلّ على الفقيدة الشهيدة السعيدة بإذن الله ضيفاً في مآدُب ومناسبات وأيام وليال، فبلَغَت محبّتُها في قلبي الغاية لما وجَدْتُ فيها وفي زوجها الإمام المـُجدّد رحمه الله من كنَف دافئ واطء. كنت كلّما دخَلْتُ بيتهما أحرجَني منهما لينُ الكلام، وحلو الابتسام، وإطعام الطعام، ورقّة السّلام في البدء والختام على الدوام، حتى إنّي كنت أجد عَنَتاً في قبول دعواتها المتكرّرة المـُلحّة أن أُقيم عندها إلى حين تناول وجبة من الوجبات، أو انتهاء عطلة من العطل تُحصي أيّاماً وليالي، وكان دائما يغلِبُني على أمري أمرُها وإصرارُها، وإشعارُها إياك أنّك واحد من أبنائها، فلا تملِك إلاّ أن تُذعن لرغبة ذات الخُلُق الأصيل، والذوق الجميل، واللُّطف النّبيل، فتلتمس الأعذار لانصرافك، وتجد أكثر مِن مُبرّر لتترك الزوجة والحماة والأبناء في سِرْب آمِن، وقُوتِ قلوب وأرواح وعقول، إضافة إلى قوت الأبدان وعافِيتها. وعند عودة الأبناء بعد انقضاء عُطل الاستجمام، تكون ثمرة أيام وليالي التضييف والإكرام طيّبة حُلوة أن تخلّى الأبناء عن عادات سيّئة، وتحلّوا بأخرى مريئة، وتجَلّت فيهم نِعمة صُحبة حاضنة راعية مُنيرة ومُضيئة.

عرفتُها أُمّا رؤوماً لا لابنها وبنتَيْها فقط – أنعِم به من ابن، وأكرِم بهما مِن بِنْتَين- وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ. وإنّما كانت أُمّاً مثالية لربائبها، وأصهارها، وأحفادها، وإخوانها وأخواتها، ومَن يمُتّ إليها بِصِلة ما؛كلٌّ نال حظّا واسعا من أمومتها، وحَدَبِها، وأَدَبِها، ودَأْبها في المواساة والمؤازرة، والمعاملة والمشاورة. امرأة كانت وراء كلّ عظيم زوجاً ونسبا وصِهرا.

وكان لها مِن اسمها نصيب قدَريٌّ حكيم؛ خديجة زوج إمام مجدّد، صبَرَت معه واحتسَبَت، سبقَت وثَبَتَت وبَنَت، وأنبتت وربَّت وأَرْبَتْ نباتا حسَنا، وجاهدَت في الله حقّ جهاده، ولم نسمع لها شكاة من أحد ولا إلى أحد، ولم تلِن لها قناة رغم ما لَقِيَت من لأواء الحياة.

كانت الزوجة الطائعة للإمام المحافظة السارّة، وكان مِن حُسن تبعُّلها له أن عبّدَت له الطريق، وذلّلت له الصّعاب ليتفرّغ لعبادة الله كما يُحبّ الله، وللدعوة والجهاد في سبيل الله كما أراد منه ذلك مولاه، ولالتماس رضا والدته التي كانت وصيّتها لوحيدها قُبَيل وفاتها رحمها الله: للا خديجة في أمانة الله). وكُنتَ تجدها وراء عظيمها في الدعوة التامة، والصلاة القائمة، وفي المنشط والمكره، لا تراها إلاّ مُقبِلة مُشمّرة، ولا تسمعها ألا ذاكرة مُذكّرة، مُبشِّرة مُيسِّرة، لا مُستعلية ولا مستغنية ولا مسيطرة، وما شهِدنا إلاّ بما عَلِمنا وعَرَفْنا وخبَرْنا، أو هكذا حسِبْنا ولا نزكّي على الله أحدا.

رحِمَها الله من مُتواضعة بسيطة، خدوم كتوم رؤوم، ودود قلّ نظيرُها في الوجود، قلب كبير لا يُعرف لسعَته حدود. رحم الله الإمام المجدّد كان يقول لنا في مناسبات كثيرة: الأمّة بحاجة إلى قلوب كبيرة تسمَع شكاوي الناس وتَعْرِض حاجاتهم على الله).

مرَّةً شَكَت لها إحدى قريباتها سوء الحال في لحظة من لحظات الضّعف أمام قِلّة ذات اليد، وكثرة مطالب العيال، فقالت لها القريبة الحبيبة اللّبيبة: ضعي همَّك في يد الله، واشك بَثّك وحزنك إلى الله، ثم استدركَت: لا، أظنّكِ لن تفعلي. هاتِ همّكِ أضعُه بيدي في يد الله، وأشكو بثّك وحزنكِ إلى الله).

امرأة كانت تقري ضيفها بكلّ غال ونفيس عندها، وتصِل رحِمَها بالزيارة، وإرسال المال، والسؤال عن الحال، وبالإقامة في بيتها مُعزَّزين مُكرَّمين في رَفَهٍ ودَلال، تحمِل الكلّ بلا توانٍ ولا كلال، وتُكسِب المعدوم بالبتْلَة، وصدقة السِرّ، بل هديّة التحبّب، وتُعين على نوائب الحقّ عزاءً عند المـُصاب والبلاء، ووقوفاً داعِماً في مواسم الشِّدّة والرّخاء.

آخر عهدي بها كانت زيارتان؛ زيارة لقبر الإمام المـُجدّد رحمهما الله، كنتُ حينها أمام القبر أدعو أن يحفظ الله وحدة الصحبة والجماعة، والصحبة في الجماعة كما حفظ السموات والأرض أن تزولا، وأدعو للمصحوب المحبوب المرحوم بإذن الله بما هو أهلُه، ولأهله وولده وصهره، وحفيدِه وكلّ مُتَنَسّل منه دينا وطيناً، وروحا وبدنا، فإذا بها تفِد على القبر مع بنتَيْها، وبعض أفراد عائلتها، وكان الجوّ مطيراً والأرض موحِلة، والوقت قُبَيْل الغروب بقليل. فرأَيتُ من أدبهم عجبا، ومن خشوعهم وسكينتهم ووقارهم ما ألقى في رَوْعي المثل الحكيم السائر: «ليسَت النائحة كالثّكلى». وبعد انتهاء الدّعاء خصَّتْنا رحمها الله بطيب كلام وحلو ابتسام أنا ومَن كان معي مِن الأصحاب. فحمِدْتُ الله على أن وافق الدّعاء زيارة الأحباب. كان هذا أسبوعا فقط قبل وفاتها رحمها الله.

وأمّا الزيارة الثانية فكانَت بسبب من رؤى رأَيتُها؛ رأيْتُ قبل وفاتها بأيّام زلزالا بدأ مُروّعا، وانتهى إلى أمن وسلام، ورأيتُ لثلاث مرّات متتالية سِنّا من أسناني سقَطَت، فانتهى إلى خاطِري شعورٌ بقرب أجل قريب حبيب، قلت في نفسي: لا عزاء قبل البلاء إلا زيارة الإمام، لعل الدعاء في ذلك المقام يُخفّف الآلام، ولا يُغيّر القضاء إلا الدعاء.

اقترَحْتُ على الوالدة حفظها الله الزيارة، وأن نُبارك لللاخديجة رحمها الله مُقامَها الجديد، فقَبِلَت ورحَّبَت زوجي بالاقتراح عساه يكون نَدىً فوق الجِراح. فكان الموعد سَبْت ما قبل أربعاء الفَقد وخميس الدّفن. وتمَّت الزيارتان؛ الأولى لقبر إمام له عليّ أفضال لا تُحصى، والثانية لأمّ أمّة لها عليّ ديون لا تُقضى إلاّ بالاعتراف بالعجز، والتوسّل إلى المولى أن يعفو ويصفح، ويقضي عني الدَّيْن بما يُحبّ وكما يُحبّ ويرضى. كانت زيارة مُودِّع بحق، استقْبَلَتنا في بيتها الجديد الـمُنيف المنظّم النظيف، وقابَلَتنا ومَن كان معها من آل البيت الشريف بأجمل وأفضل وأكمل ما يكون عليه التضييف، وكان مِسك ختام الزيارة أَن قالت الولدة حفظها الله لأمّنا للا خديجة رحمها الله “الله يسامح علينا أَلَلاّ” وكان الجواب منها: “علاش، الدار داركم، والله يجازيكم بخير، أنتم اللي رضيتِوا بنا وكرمتونا بهذه الزيارة. هلاّ مكثتم قليلا لتتناولوا معنا وجبة العَشاء”. كان الوقت مُتأخّرا، وقد تأخّرنا عن الموعد المحدّد كثيراً، فاعتذرنا وشكرنا، وسلَّمْنا وودّعنا، ولم نكن نعلم أنّنا ودَّعنا أُمّنا الوداع الأخير قبل أن تلتحق بالرّفيق الأعلى سبحانه وتعالى، وبجدّها الأغلى عليه الصلاة والسلام لا حرَمَنا الله وإياها من الشّفاعة والجِوار وشربة الحوض في المَقام، وبزوجها المـُجدّد الإمام سيدي عبد السلام.

لم يكُن سائغاً أن تموت امرأة بهذه العظمة إلاّ موتة شريفة، وتُدفَن قرب زوجها – وكانت هذه أُمنيتها وأمنية أحبابها – دفناً مُشَرِّفا بعد الترخيص والهدم، والترخيص والهدم، والمنع والقمع، والضرب والخفض، والنّصب والجَرّ والدّفع.

عاشَت مُجاهدة كما لم تعِش النساء، وماتَت مُجاهدة صامدة شاهدة فوق النّعش أمام ترسانة من جُنْد الدّهاء، وحَشَم البلادَة والغباء. تُلِيَت أمام الذّروع والعِصِيّ المُنتصبة والمُتأهّبة والمتوتّبة آياتٌ وسالَت دِماء طاهرات، ورُفِعَت دعوات هزَّت أركان أركانٍ وهامات، وعَلَت أصوات بشعارات، وأُغمِي على رِجال طيّبين ونساء طيّبات. وبعد ساعات جاء الأمر ممّن له الأمر لا مُعقِّب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه أن ارفعوا الحواجز وأزيلوا الموانع، وادخُلوا مقبرة الشهداء سالِمين غانمين، وادفنوا زوج المرحوم في المكان المعلوم، وخاب كلّ جهول ظلوم. خرجوا صاغرين، ودخَلْنا فاتحين مُنتصرين، وأودَعْنا الأمانة مكانها فرحين مسرورين، وعُدنا إلى قواعدنا سالِمين غانمين، تالين مُعتَبرين بالقول الفصل من الله عز وجل: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ . إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

رحم الله مَن عاشَت عيشة المـُجاهدين، وماتت موتة الشهداء الـمُقسطين، وكانت في حياتها وبعد موتها مُؤلِّفة للقلوب على المحبّة والسّلام، مُوحِّدة للصّفوف على جادّة الإقدام ومحجّة الاقتحام. لا يعنيها منصِبٌ أو ثناءٌ أو شُفوف إلى ما تشتهيه الأنفس ويتهافت عليه صِغار الأحلام.

وبيننا وبين مَن يناصبوننا العداء ظُلماً وغباءً، وهم لا يعلمون أنّنا صمّام الأمن والأمان في بلد نظامٍ لا يُقِرّ بعدل ولا يعترف بإحسان الجنائز، فيها تُرفَع الموانع والحوافز، وتُعطى القراطات والجوائز، لكلّ ظافِرٍ فائز، حائز على رضى الله ورضى رسوله وروضة من رياض الجِنان هي عُربون من عبد واتَّبع وجاهد بإحسان.

نقَلَت خبر موت الفقيدة الشهيدة رحمها الله وسائل الإعلام بعد معركة أُريدَ لها أن تكون لَيَّ عُنُق وكسر ذِراع فأراد الله لنا بها العير بعد النّفير نعم المولى ونعم النّصير وكفى بالموت واعظا صامتا فكيف إن كان بالحق ناطقا من تاء تأنيت ساكنة محلّها من الإعراب أنّها كانت لأهلها وأنصارها جامعة مانعة رائعة، ولخصومها وأعدائها زلزلة وحاقَّة وواقعة.

رحِمها الله رحمة واسعة ورزقَنا وذويها الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون، والصلاة والسلام على الرّحمة المُهداة والنِّعمة المُسداة إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وصحابته الغُرّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

فاس 13 جمادى الثانية 1436ه

الموافق لــــ 3 أبريل 2015م