مقدمة

يُعرف كثيرون التاريخ بأنه دراسةٌ للماضي من أجل فهمٍ للحاضر وتخطيطٍ للمستقبل. من هنا تكمن خطورة الجهل بالتاريخ، فلا يمكن استيعاب الحاضر وتناقضاته ومصالحه وصراعاته ذات الأبعاد المختلفة الحضارية والسياسية والاقتصادية، التي تتأسس كلها على مقدمات تاريخية، مما يجعل الحاضرَ تخبطا وتيهاً في البحث عن هوية مفقودة وتحضرٍ مرغوب ممنوع، والمستقبلَ حركة انتحارية على هامش صراع المصالح والحضارات التي تميز الحاضر الإنساني في هذه الحقبة التاريخية لما بعد العولمة.

تعددت وجهات النظر التي تصدت لشرح وتفسير التاريخ السياسي للمسلمين بكل إيجابياته وسلبياته كل حسب المدرسة التي يمتح منها ويسقي من نبعها فكرَه وتحليلَه، محاولين إيجاد الجواب الشافي لتخلف حاضر المسلمين واقتراح مدخلٍ نحو مستقبل أفضل. وهكذا رأت المدرسة القومية أن التاريخ الإسلامي هو تاريخ عربي محض يبرز العبقرية العربية التي استطاعت أن تُخضع قوميات أخرى بل أن تذيبها في قالبها الحضاري، أما المدرسة الماركسية فغلبت العوامل الاقتصادية والصراعات الطبقية كمحدد لفهم تقلبات التاريخ الإسلامي، فيما يرى المؤرخون العلمانيون أن التاريخ الإسلامي ما هو إلا تاريخ مصالح بعيدة عن العامل الديني الذي يركز عليه أصحاب المدرسة الإسلامية الذين بدورهم ليسوا كلا منسجما، بين من يضفي على التاريخ الإسلامي طابع القدسية، حيث احتضنه كُلية ودافع حتى عن بعض أخطائه البشرية، ونقصد هنا بالدرجة الأولى بعض المؤرخين “الرسميين” المرتبطين بالمذهب السني، على عكس المؤرخين الشيعة الذي رأوا في التاريخ الإسلامي صراعا بين مظلومين، وهم آل البيت النبوي ومن شايعهم، وظالمين وهم كل حاكم رفض “حكم آل البيت”.

من بين هذا الركام نبغت مدرسة المنهاج النبوي التي قعد لها الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمة الله عليه مُنتقِدة هذا التحليل السطحي للتاريخ الإسلامي، يقول الإمام رحمه الله إن لدى دعاة الباطل، ليبراليين واشتراكيين، وقوميين، و”يسار إسلاميين”، وكل مزيج مريج من هذه الأصناف، نسقا واضحا لتحليل الواقع، ونقده، وتحليل مسار ممكن للمستقبل) 1 ، وانتبهت إلى أن كل هذه القراءات تفتقد إلى العنصرين الرئيسين في فهم حركة التاريخ السياسي الإسلامي، باعتباره تاريخ أمةٍ بشريةٍ آمنت برسالة إلهية ودعوة نبوية. العنصر الأول هو الوحي – يجسده القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة- الذي صنع ووجه عددا من الأحداث التاريخية في حينها واستشرف أخرى منها ما وقع ومنها ما يزال في طور المتوقع، والعنصر الثاني فهو فعل الإنسان المظروف بزمانه ومكانه الخاضع لعوامل ذلك الزمان وذلك المكان. منظاران إذن ضروريان لفهم التاريخ السياسي للمسلمين بدونهما ينحرف فهمُنا في إحدى زاويتي النظر المتطرفة: إما أننا نعتبره تاريخا مقدسا حتى في جانبه البشري السلبي أو أنه تاريخ أرضي المصالح وبشري الدوافع فقط.

فكيف تؤصل مدرسة المنهاج النبوي لإعادة قراءة التاريخ الإسلامي؟ وكيف تعيد ترتيب أطواره بناء على ذلك التأصيل؟

أولا: منطلقات التأصيل

1- الوحي وصناعة التاريخ الإسلامي

جاءت في القرآن الكريم آيات كثيرة وجهت الفعل الإسلامي خلال مختلف مراحل الدعوة النبوية سواء بمكة أو المدينة المنورة، بل أن القرآن الكريم جاء منجما ينزل إما صانعا لحدث أو مصوبا له أو مثبتا عند الحدث الجسيم أو مستشرفا لحدث لم يقع بعد. فأصل حركة الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوية والسياسية والجهادية في مجملها ما هي إلا أمر إلهي في مثل قول الله عز وجل: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين 2 . فمثلا انتقال الرسول عليه أزكى الصلاة والسلام من مرحلة الدعوة السرية إلى الدعوة الجهرية بمكة كان بأمر إلهي في قوله تعالى فاصدع بما تومر 3 ، وغيرها من الأحداث كالهجرة إلى يثرب وصلح الحديبية وفتح مكة وكل الغزوات والسرايا وسائر تحركات المجتمع الإسلامي التي صنعها الوحي القرآني أو وجه حركتها.

السنة النبوية جاءت أيضا مُواكبة للفعل الإسلامي على الأرض مُبينة ومُوجهة ومستشرفة للمستقبل الذي أصبح جزء منه الآن تاريخا واقعا. فالانتصار في معركة بدر وفتح فارس والشام والقسطنطينية وغيرها من الأحداث استشرفها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها، بل إنه صلى الله عليه وعلى آله لم يُسلم روحه الطاهرة إلى بارئها حتى رسم صُوىً للفعل البشري الإسلامي وسعيِه في الأرض خلافةً لربه في أرضه، ولنبيه في أمته. ونورد هنا الحديث الجامع الذي حدد علامات كبرى للتاريخ السياسي الإسلامي منها ما وافق الوحي ومنها ما انحرف عن مقصوده، يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون مُلكا عاضا فتكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون مُلكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت” 4 .

.

أي سعي إذن لتجاهل مركزية الوحي القرآني والنبوي في صناعة التاريخ الإسلامي هو تحريف بقصد أو بدونه لذاك التاريخ وسقوط في حفرة الجهل بالحاضر وسيرٌ بدون بوصلة نحو المستقبل.

2- التاريخ الإسلامي بشري أيضا

اجتهد المسلمون على مر التاريخ بأفهامٍ مختلفة وتأويلات متناقضة أحيانا في خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته ودولته باحثين عن الجسر الواصل بين الوحي الثابت في كتاب الله وسنة نبيه الكريم وواقعهم المتحول. أفهامٌ وتأويلات منها ما أصاب مقصود الوحي ومنها ما أخطأه بجهل مأجور مغفور أو بقصد أثيم مذموم، لتصنع تلك الأفهام تاريخ المسلمين الذي ليس بالضرورة تاريخ الإسلام.

من هذا المنطلق انبرى الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله لتصحيح هذا الخلط بين تاريخ الإسلام الذي صنعه الوحي وارتضاه لأمة الإسلام وتاريخ المسلمين الذي صنعه الفعل البشري المُكلَّف الذي التقى بعضه بالتاريخ الأول فأنتج أمة عزيزة منيعة وانحرف بعضه بالأمة في مهواة التاريخ وتعاسة الحاضر. انحراف حول مجرى حياتنا ففقدنا بالتدريج مقوماتنا. ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية، ومع القرون استفحل، واحتل العقول، واعتاد الناس أن يسمعوا عن الخلافة الأموية والعباسية وهلم جرا. وعاشوا على سراب الأسماء دون فحص ناقد للمسميات) 5 .

هذا الانحراف الخطير الذي غفل عنه كثيرون أو تغافلوا عنه، أصبح معه من اللازم إعادة بناء وقراءة التاريخ الإسلامي من أجل تصحيح المنطلق لتصح الوجهة، وليلتقي فعل المسلمين على الأرض بالوحي المنزل من السماء. هذا الوصل لا بد له من علم سماه الإمام المجدد رحمه الله علم “المنهاج النبوي” الجامع بين الحق والصواب في كتاب الله وسنة وسيرة نبيه عليه الصلاة والسلام ومواقع الاجتهاد والتنفيذ في سلوك المسلمين، وهو علم ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، (…) ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء) 6 .

فأي قراءة يقدمها المنهاج النبوي إذن بناء على هذا التأصيل لتاريخ المسلمين؟ وكيف ينظر إلى حاضرهم؟ وكيف يستشرف مستقبلهم؟


[1] نظرات في الفقه والتاريخ، عبد السلام ياسين، الطبعة الأولى، دار الخطابي للطباعة والنشر، ص 11.\
[2] سورة الأنعام، الآيتان 162-163.\
[3] سورة الحجر، الآية 94.\
[4] رواه الإمام أحمد بن حنبل بسند صحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، وصححه الشيخ الألباني، رقم 5 من أحاديثه الصحيحة.\
[5] نظرات في الفقه والتاريخ، ص 10.\
[6] نظرات في الفقه والتاريخ، ص 12.\