إن أهم ما ميز قراءة التاريخ السياسي الإسلامي عند الإمام ما يلي:

1- تمثل الإمام القراءة النبوية للتاريخ لا القراءة المادية

إن سيطرة التفسير المادي في قراءة التاريخ أوجد عوارا فيه لأنه اقتصر في تفسيره للظواهر التاريخية على التفاعلات المادية للإنسان مع الانسان ومع المحيط، وجعل الانسان مجرد حيوان مثل غيره يحركه للفعل في التاريخ سعيه الحثيث للرزق ولقمة عيشه وحماية نفسه، مستبعدا الحديث عن مجريات سنة الله فيها وتهيئة الأسباب لقدر الله الكوني، يقول الإمام المجدد منتقدا هذا المنهج: التحليل التاريخي الذي لا ينظر إلا بعين واحدة، نظرة عوراء دنيوية غابت عنها الآخرة، يحاكم تاريخ المسلمين إلى شمولية سياسية اجتماعية اقتصادية، يقيس بمعيار المادة في عالم الأسباب والمسببات، وهو عالم تجري أحكامه على الخلق أجمعين. هذا التحليل المادي الناقد يرسم في مقابل الماضي المنقود لوحة لمستقبل إسلامي أفرغ منه ذكر الآخرة وارتباط مصالحها بمصالح الدنيا) 1 .

ولئن كان مؤرخونا المسلمون رحمة الله عليهم اجتهدوا في كتابة التاريخ وغاصوا في تفاصيله وجزئياته، فإنه لم يتسن لهم في كتابة التاريخ الإسلامي إلا ما سمح به مقص الحكم ومصفاته فتكلموا عن كل شيء فيه إلا أهم ما فيه، وهو فساد الحكم. أو ربما انتقدوه من وراء ألف حجاب. يقول الإمام المرشد: طالما كتب فقهاء المسلمين أدبيات في “تدبير الملك” يُسدون النصح للملوك تَسَلُّلا وملاطفة، مستدلين بسياسة أرسطو وبقصص ابن المقفع وآداب كسرى أنوشروان. ومن الفلاسفة من كتب وصفا للمدينة الفاضلة كالفارابي، حُلما أفلاطونيا فيه النقد للأمر الواقع من وراء ألف حجاب) 2 .

الأمر الذي دفع الإمام إلى تمثل المنهج النبوي في القراءة التاريخية لأنه يذعن كل سلاطين الجور لسماع طنين الحق مع أنفسهم بما خرج من فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها القراءة الصادقة والحقيقية إذ أنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى. يقول الإمام: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر قبل نزولها عن أحداث نقْض عُرا الإسلام. وهو نبي الله يأتيه الوحي بما شاء الله من مكنونات الغيب. فهو عليه الصلاة والسلام أخبر بكَلِمِه الجامع بما يقع، وعدَّل وشهِدَ حين أخبر أنها ستكون بعده خلافة نبوة ثلاثين سنة. وجرَّح وقبَّح حين أخبر أنها بعد الخلافة تتحول ملكا عاضا وجبريا. وما العض والجبر إلا إكراه الناس على طاعة الحاكم ببيعة مزورة، أو بتقبيل الأرض على الأسلوب الكسروي. “فاعتبر ذلك في نفسك”) 3 .

وينوه إلى أن استبعاد الإخبار النبوي عن الأحداث قد يخفي لنا وجه الحق في الطاعة المطلقة للحاكم، ويقلل من قدسية النص الشرعي، يقول: خارجَ استحضار أنه صلى الله عليه وسلم نبي يخبر عن الغيب لا يَتَبَيَّنُ لنا وجه الحق في الأحاديث الكثيرة التي تحث على الطاعة للأمير ولو فعل وفعل، ولا يتبين لنا وجه الحق فيمن هم أولو الأمر الذين أُمِرْنا بطاعتهم. إن غاب عنا خبر الغيب، وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم به قبل وقوعه، نوشك أن نتناول الوحي المقدس وكأنه نص بشري محصور في أبعاده البشرية. فلا فِقهٌ يُرجى ولا هدى ولا كتاب منير) 4 ، وفي إخبارات النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح فهم ساطع للتاريخ، يقول: ولنَأْخُذْ في حسابنا الإخبار النبوي بالفتن ووصاياه بشأنها. فإن هذه الوصايا وذاك الإخبارُ مفتاح لا ينفتح لنا فهم تاريخ المسلمين إلا به) 5 .

إن الجلوس لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والإنصات لما أخبر به مما سيقع للأمة في تاريخها دفع الإمام إلى استخلاص مزية تفرد بها عن غيره، واعتبرها عنصرا هاما في منهجيته وهي قراءة التاريخ من أعاليه، فما جدوى هذه القراءة؟

2- قراءة التاريخ من أعاليه

إن الغوص في سهول التفاصيل قد تهوي بك في حفر تحجبك حدودها عن رؤية الأفق فيقلل شساعة الحيلة عندك، وتنخرم في يديك أزّمة البحث عن الطريق المنجي الصاعد بك إلى جبل الرؤية الواضحة الكاملة، فلذلك طلع الإمام من الوهدة بهمة عالية: لننظر إلى الواقع من أعالي التاريخ لا من أسافله لنفهم من مكاننا العالي بين يدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتلو علينا القرآن ويشفعه بالبيان لم انحلت عرى الإسلام تباعا بانحلال العروة السلطانية) 6 . ويقول أيضا: إن تتلمذنا للرسول المعلم الناصح صلى الله عليه وسلم، وبقلبنا يتعرض لفيض الرأفة والرحمة، وبسلوكنا يجدد تاريخ الجهاد، وإن أخذنا عنه صلى الله عليه وسلم القرآن كتابا من عند الله هو الضياء والهدى والحياة، كنا على المستوى الرفيع الذي يمكننا من مراقبة الأمور من أعاليها لا من أسافلها) 7 .

فمن الفوائد السنية للقراءة العليا للتاريخ التي يوردها الإمام: يغطي ظلنا الواقع لا يغطي ظل الواقع كياننا. يحكم عقلنا المستنير بنور العلم القرآني النبوي معاقد الفهم، لا يتعقد علينا الفهم.. وأن نرفع الهمة على هامة الزمان ننتعل الثريا لنستحق أن نكون تلامذة راشدين بين يدي رسول من الله) 8 ، من تلك المرتفعات فقط يمكننا أن نبصر بوضوح وشمولية وانجماع في فكرنا وقلبنا وإيماننا وإرادتنا وحركتنا مواقع الأقدام على أرض واقع مفتون، ويمننا أن نسير على المحجة البيضاء نكتشفها من جديد) 9 .

والنأي عن هذه القراءة يزيد جسد الأمة وهنا، ويجعل عميلة البناء من جديد عملية معتوهة، يقول رحمه الله: إن معالجة مآسي الأمة وجراحاتها من أسافل التقليد والخنوع البليد تكون زيادة في نخر الكيان.. يمكن أن نعلو متن التاريخ، ونخوض بقايا الفتنة ورواسبها، ونقتحم العقبة، ونصبر على جهاد الكنس والتأسيس والبناء وننتصر بحول الله وقوته) 10 .

إن قراءة التاريخ من أسافله تعطي لحكام العض والجبر مسوغات اغتصابهم للحكم بمبررات الدعاية: لم عييت وخرست عن الحق وعن فضح المؤامرة المزمنة التي يرتدي فيها منتسبون إلى العلم خانوا أمانتهم، أردية السلف الصالح الأتقياء ليبرروا قعودهم المخزي. يحتج هؤلاء باجتهاد من عاشوا الفتنة بصبر واحتالوا جهدهم للحفاظ على وحدة الأمة يسمعون ويطيعون على مضض، لم يتخذوا آيات الله هزؤا ولا استخرجوا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصف الخلافة وحدودها الزمانية والملك العاض والجبري بعدها، فتوى خالدة تؤبد شرعية الظلم والاستبداد، وتقضي بالخضوع التام) 11 .

3- الانكسار التاريخي وضرورة الفهم

يشكل الانكسار التاريخي حدثا محوريا وفاصلا في تاريخ الأمة نكص فيه الحكم عن المحجة التي بناها الصحابة أثناء الخلافة الراشدة باغتصاب بني أمية له، إن طي صفحة هذه المرحلة بقصد أو غيره يقبر معه كثيرا من الحقائق تعتبر معرفتها شرطا لفضح التزييف الذي يتربص خلفه حكام العض والجبر ومن والاهم عبر الأجيال، وشرطا أيضا لاستبصار نقطة البداية في إعادة البناء، يقول الإمام رحمه الله: إن الانكسار التاريخي حدث محوري في تاريخ الإسلام، وسيبقى فهمنا لحاضر الأمة ومستقبلها مضببا بل مشوشا غاية التشويش إن لم ندرك أبعاد تلك الأحداث وآثارها على مسار تاريخنا وتجلجلها في الضمائر عن وعي في تلك العهود وبحكم تكوين المخزون الجماعي الذي توارثته الأجيال. رجَّة عظيمة مزقت كيان الأمة المعنوي) 12 ، يقول أيضا: إن فهم الانكسار التاريخي الذي حدث بعد الفتنة الكبرى ومقتل ثالث الخلفاء الراشدين ذي النورين عثمان رضي الله عنه ضروري لمن يحمل مشروع العمل لإعادة البناء على الأساس الأول) 13 .

ومعرفة هذه المرحلة لا يقتضي منا الغوص في تفاصيلها لنحرك ترسبات الفتنة فيها فتجرنا إلى خانة العداء لأطرافها بدون ربح يرجى، إنما: نقصد كشف جانب من ذلك الستر بمقدار ما نتبين كيف تجري قوانين الله ونواميسه في الكون على البر والفاجر، على المسلمين وغير المسلمين، آخذين في اعتبارنا ما جاء به الوحي وما أخبرنا به المصطفى صلى الله عليه وسلم من أخبار الغيب، وما أوصى وما علم لتستقيم لنا الرؤية من زاوية نظر يوجهها القرآن ويحدوها الإخبار المعصوم) 14 .

إن كشف الغشاوة عن هذه اللحظة يستوضح الخلط الواقع في أحداث التاريخ الإسلامي، يبرر فيها العالمُ الطاعةَ للحاكم حتى ولو تغشاه الفسق واللهو وصغر السن، ويأخذها الحاكم، بعد سكوت كثير من الصحابة اجتهادا منهم لحقن الدماء واجتناب الفتنة، نصا شرعيا وسندا سلوكيا في ترسيخ شرعيته وتأبيد اغتصابه للحكم وتوريثه لسلالته من بعده.

كما يبين بصورة واضحة أن خطر هذا الانكسار ليس في حد ذاته فقط، وإنما في الأمراض التي تناسلت منه، فسرت في جسد الأمة إلى الآن، حتى استعصت على كل المقاومات في وقفها، من قومة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، مرورا بقومة الإمام الحسين عليه السلام وانتهاءً وليس نهاية بالثورات الارتجالية اليوم، ولعل أخطر هذه الأمراض هي ما سأتطرق إليه الآن.


[1] نظرات في الفقه والتاريخ، ص 64.\
[2] العدل.. الإسلاميون والحكم، ص 90.\
[3] العدل، ص 111.\
[4] نفسه.\
[5] الإحسان، ص 303.\
[6] نظرات في الفقه والتاريخ، ص 43-44.\
[7] نفسه، ص 44.\
[8] المصدر نفسه، ص 44-45 بتصرف.\
[9] نفسه ص 46.\
[10] نفسه ص 47.\
[11] نفسه.\
[12] نفسه ص 26.\
[13] نفسه ص 27.\
[14] نفسه ص 28.\