جلس الشيخ يتذوق عسله، كعادته بشكل دوري، لكنه أحس هذه المرة بلسعة مرارة غير معهودة، فقد تمرس بالتذوق حتى كاد اللسان أن يصبح عسلا، ربى النحل تبركا بالوحي، واختلط لديه العسل بالعرق بالخبز. لم يكن يعلم أن النحل غيرت من حركاتها وأصواتها وتنكرت لهويتها النحلية، وطرقت أبواب الدمن المشرعة.

وأصبح رحيق العسل شوكا وترابا ولم يعد زهرا، وصار الانتحال في التحليق والتنحيل، ولم يعد الشيخ يتذوق العسل الزهري والشوكي والسكري.

فلماذا تغير النحل والوحي واحد؟ وهل يعتقد أحد أن الشيخ سيفرط في تاريخه النحلي، فالنحل نتاج يديه، وإحساس ذوقه، زمنه الشبابي والشيبي.

طرد من إحساسه كل التبريرات والذرائعية والاستسلام، وحزن على واقعه النحلي، وجمع النحل حلقا، وأعاد ترتيب البيوت، وحاول التمييز بين العسل الحلو والمر، واستمر يسائل نفسه: أية لعنة أصابت النحل؟ وكيف يتأذى “الدواء”؟

فإلى حدود آخر تفقد كانت الأمور تسير بمنطق الفطرة، كل المهام على التمام، فالنحل الكاشف، وأغلبه إناث شغالة، وهي عنصر فعال تكون العدد الأكثر، تقوم بالأعمال المختلفة والمهمات الصعبة، تعمل داخل الخلية وخارجها، تجني الرحيق، وتجمع غبار الطلع، وتصنع العسل، وتبني الأقراص التي يحفظ فيها العسل، وتربي فيها الأجيال الجديدة من النحل، وتحرس الخلية، وتقوم بتنظيفها، والمحافظة عليها، بل تقوم بتهويتها وتدفئتها.

كان الشيخ يتمتع بأجيال النحل المتزايدة، فأبناء النحلة “أم الخلية”، تضع بين 1500 بيضة إلى 3500 أثناء “الربيع النحلي”، أجيال تذهب من النحل، وأجيال تأتي، ويعمل الجميع في سلسلة متوالية من الأعمال بشكل مداومة من غير أن تتخصص طائفة من النحل بعمل طيلة عمرها، فالتخصص مرتبط بكل مرحلة من مراحل العمر، والنحل تتدرج في الوظائف بحسب تكامل الخصائص، فكل مهمة توكل إليها تتواءم مع تكامل أجهزتها لتقوم بالدور الجديد.

كان دور الشيخ ترتيبيا لا يتدخل في “الهندسة النحلية”، ف”الهداية و”الوحي” كانا يقومان بمهمتهما.

فالنحلة تبدأ بالأعمال السهلة التي لا تحتاج إلى جهد كبير، وتنتهي إلى أشق الأعمال وأصعبها وهي الجولان في الحقول، وجني الرحيق وغبار الطلع والماء، ثم صنع العسل وتخزينه، ولا تكتفي بنقل الرحيق، ولكنها في أثناء حملها له وتوصيله للخلية تقوم بعملية أولية لتحويله إلى العسل، وذلك بإفراز الخمائر اللازمة لتحقيق ذلك.

فحين تجتمع الحكمة والهداية والهندسة يكون العسل الحر لا المر. فالحكمة كانت رعاية الشيخ وتسييره، والهداية بناء لجدران البيوت السداسية من الشمع الخالص الذي لا ينفذ منه الهواء، وعندما يغلق أبواب البيوت يخلط الشمع بحبوب اللقاح، فيتسرب الهواء، وتبقى اليرقات حيّة، ولو لم يهدها ربها إلى ذلك لماتت وانقرضت. أما الهندسة فبناء الأقراص الشمعية لتخزين العسل، وتربية أجيال النحل الجديدة، وتنظيف البيوت، وتفحصها لتضع البيض فيها.

كان الشيخ يحب العسل البري الجبلي الذي ينتقي فيه النحل زهوره بنفسه لا باختيار الناس له، وكان يميز بين أصنافها، بين قليل النفع وكبير الجسم وبين العسالة، وبين الكرام العاملين بسعيهم واجتهادهم وبين اللئام الكسالى القليلي النفع المؤثرين للبطالة، ويضع لهم أسماء رمزية تدل عليها، ويتمتع بالمطاردات والمنافسات وكأنها بطولات رياضية…

وقرر الشيخ أن يتقصى اللعنة النحلية، وقام بتحريات وتحقيقات وضبط واستدراج نفسي، واستعانة مختبراتية، ومر الشهر تلو الشهر ولعنة المرارة مستمرة أعيت الشيخ وتأقلمه واستئناسه، وخاف على انتقال العدوى النحلية إلى الحياة النملية والفراشية، وكل من له فطرة “الإظهار الكونية”، وبقي سؤال يحيره: أهي لعنة النحل أم لعنة البشر؟