لا يدعو هذا المقال إلى الرجوع إلى الوراء والتخلي عن مسار التقدم والعولمة؛ بل فكرته الأساس التي يدافع عنها هي تحليل هذا الهوس الزائد للإنسان بالتكنولوجيا وما خلفته من ابتكارات ونجاحات، من هذا المدخل نطرح التساؤلات التالية: هل تقدم فكر الإنسان وتجملت أخلاقه وكملت بفضل التكنولوجيا؟ وهل ستستطيع الأخلاق والقيم الجميلة الصمود أمام عاصفة التقدم التكنولوجي والتطور الهائل لوسائل الاتصال والتواصل باختلافها وتنوعها؟

وهل ستضطلع التكنولوجيا وأجهزتها المتطورة في المستقبل بفعل التربية والتعليم والتثقيف؟ وهل ستموت المدرسة والكتاب ويخبو دور المعلم أمام هذه العاصفة الهوجاء؟

لا شك أن الجميع الآن يدرك أن الإنسان بمختلف جنسياته وهوياته واختلاف حضاراته أصبح رهينا للتكنولوجيات المختلفة؛ حيث لا حركة ولا سكون إلا باستخدامها لقضاء مآربه التي تكون ضرورية وغير ضرورية في أحيان كثيرة، حتى أصبح معه من الصعب مفارقة الهواتف الذكية أو الحواسيب المتطورة وغيرها من آلات التقدم العصرية معتقدا أنها تسهل له حياته وتساعده على حل مشاكله البسيطة والمركبة.

والذي يُطرح الآن وبإلحاح شديد في سياق هذه القضية هو عامل الأخلاق والقيم؛ إذ أمامها الآن معركة قد تنتصر فيها أو تتولى إلى الأبد إن هي لم تخُض هذه المعركة بحزم وقوة، فالواقع أن التكنولوجيا تسللت إلى كياناتنا وبيوتنا بشكل رهيب يبعث على الاندهاش؛ فعدد الهواتف المحمولة مثلا أصبح بعدد أفراد الأسرة مع استثناءات قليلة سببها العوز والفقر أحيانا، وأصبح الحوار العائلي شديد الندرة فلا يجتمع أفراد الأسرة إلا على مائدة الطعام لدقائق معدودة وما بقي من وقت فالكل يسبح بحمد التكنولوجيا بمسبحة الهاتف الذكي وغيره من مُسبحات العصر.

فمن الخطير بمكان أن يتعدى هذا الهوس إلى أطفالنا، فنجدهم مهووسين بالألعاب الإلكترونية والبرامج الذكية إلى حد يبعث على الدهشة والاستغراب من تفوقهم وتعلقهم بها، وتسابقهم إلى معرفة آخر ما استجد في عالم سوق الهواتف والحواسيب، من هنا وجب أن نسائل أنفسنا مرة أخرى: هل لدينا الضمانات التربوية الكافية لتحصين كيانات أطفالنا وعقولهم من عاصفة ما تحمله لهم برامج الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها؟ وهل غاب عن برامجنا التعليمية والمشرفين على الشأن التربوي والأسري من علماء وخبراء اجتماعيين وأخصائيين تربويين أن يكثفوا من حملات التوعية والإرشاد للآباء والأمهات علّهم يستيقظوا من غفلتهم اتجاه فلذات أكبادهم قبل أن يفوت الأوان، وقبل أن تنكسر جرة الأخلاق والحياء والقيم كما يقال؟

إن الدول التي تعيش فقيرة مجهلة والتي لا تملك أسس التقدم سينخرها هذا الهوس وقد تكون أكثر المجتمعات تعرضا للتمزيق النفسي والانقسام الأسري وعدم توجيه الرأسمال الفردي؛ فمثلا قد يفوق رقم معاملات قطاع الهواتف ببلادنا قطاعات أخرى أساسية بنسب كبيرة، وقد يبلغ عدد ساعات ثرثرات المغاربة رقما قد نستغرب من سماعه على عكس ما عشناه في الماضي القريب إذ لم يكن هذا التسابق المحموم على الاتصال والشغف به يبلغ هذا الحد وكان التواصل حاصلا وناجحا.

قد نتفق على أن هذا الزمان هو زمن الصورة الملونة المتحركة السريعة، والتي قد استبدلت لغتها لغة الأدب والكتابة؛ وهذا من الأسباب الواضحة لاندحار معدل القراءة والمطالعة في مجتمعنا والتراجع المهول للقدرة على التعبير بلغة سليمة، فأسلوب الصورة والرمز والفيديو له التأثير الجنوني على كيان الأفراد بحيث قد يقلب قناعات وقد يعصف بمعتقدات أو يرسخها، وقد يجني على نفوس وقد ينقدها من التيه والخسران وهنا تكمن الخطورة؛ فسلاح التكنولوجيا سلاح ماض وفتاك إن لم نكبح جماحه بالتوجيهات التربوية لشبابنا وأطفالنا والسعي لجعل سؤال الغاية والمرمى السامي من استخدامها محل نقاشنا وتحليلنا.

حتى من يصرون على أن التكنولوجيا قد أفادت البشرية خاصة قطاع الاتصال، هم واهمون لأن الاتصال والتواصل بمفهومهما الناجح قد دمرتهما السرعة المفرطة ولغة الصورة والألوان، فقد أصبحنا أمام مجتمع بشري أبكم وأصم، وأصبحنا شبه منعزلين عن بعضنا البعض بشكل مباشر، إذ تجد إنسانا فعالا ونشيطا يقضي الساعات الطوال في اقتناص ما تتيحه مواقع التواصل الاجتماعي من فرص للتواصل وحرية إبداء الآراء والتحكم في مشاركة الرأي ربما بلا رقابة، لكنك تجده جد فاشل في علاقاته المباشرة مع أفراد أسرته ومحيطه القريب، وهذا من المفارقات الصعبة التي تؤرق بال الكثيرين.

إن أسَرنا الآن تعيش تشتتا وتشرذما وانقساما جراء الارتباط إما ببرامج التلفاز أو الهاتف المحمول أو الحاسوب أو غيرهما، فقد استبدلت العائلة بعالم افتراضي يوفر الصديق والمثقف والمعلم بل حتى الحبيب والعشير. فهل هي نهاية عهد وبداية عهد قد يكون أشد على الإنسان من السلاح النووي…؟