من صلاة الجنازة إلى شعارات الكرامة

جاء في الأثر “إكرام الميت دفنه”، وقد كان من السنة النبوية الشريفة التعجيل بدفن الميت رحمة به وبأهله، إلا أن المخزن له رأي آخر، فبينما كان الأقارب والأهل والأحباب يصلون صلاة الجنازة على السيدة لآلة خديجة زوجة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمهما الله، كان المخزن يطوق مقبرة الشهداء من جميع الجهات، استعدادا لمنع الجنازة من الدخول، والسبب “ممنوع دفن المرأة بجوار زوجها”، بل يجب دفنها في مكان آخر من المقبرة، فتفاجأ الناس وتعجبوا بل ذهلوا، حتى مكان الدفن ليس للمواطن الحق في اختياره؟ أنحن في المغرب حيث دولة الإسلام وشعارات حماية الملة والدين؟ أبى المخزن إلا أن يحول الجنازة الصامتة المهيبة التي تذكر الإنسان بلقاء الله وباليوم الآخر إلى وقفة احتجاجية ضد ظلم المخزن الذي طال حتى الأموات وصادر حقهم في الدفن.

من المواعظ الإيمانية إلى الرسائل السياسية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كفى بالموت واعظا”، لذلك نجد أغلب الناس يتأثرون بالموت وتلين قلوبهم، فتصبح الموت فرصة للإنسان حتى يصحح علاقته بالله وبخلق الله، فرصة للتصالح مع كتاب الله وبيوت الله، إن الموت تجعل الإنسان يستيقن بأن هذه الدنيا فانية وأنها لا تستحق كل هذا التعب والنصب فـ(كل من عليها فان إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام) ولعل أولى الناس بالاتعاظ والاعتبار هم الحكام المسؤولون عن واقع حال الملايين من الناس، فماذا سيقول الحاكم لربه عن الفقر والجهل والمرض الذي يعيشه هؤلاء؟ فهذا سيدنا عمر الحاكم العادل يقول لو عثرت بغلة في أرض الشام لخشيت أن يحاسبني الله ويسألني لماذا لم تهيئ لها الطريق يا عمر)، هذا حال الحاكم العادل الصادق يستحضر مراقبة الله قبل مراقبة العباد، أما غيره من حكام الجبر والظلم فالموت لا يحرك فيهم ساكنا، بل يستغلون الموت والجنائز لتمرير الرسائل السياسية للشعوب، لكن شعوب هذه الأمة الخيرة واعية بما يحاك ضدها، قادرة على صناعة التغير، صناعة مستقبل العزة والكرامة إن شاء الله.

من حقوق الإنسان إلى حقوق الدفن

في زمن يتحدث الناس فيه عن حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بغض النظر عن عقيدة هذا الإنسان أو جنسه أو لونه أو فكره، فيكفي أن يكون إنسانا حتى يكون له الحق في حياة تضمن له العزة والكرامة، ومهمة الدولة ومؤسساتها هي حماية هاته الحقوق والعمل على صيانتها، في زمن استضاف فيه المغرب أشغال المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، ويتغنى المخزن بالأشواط الطويلة التي قطعها في طريق مأسسة حقوق الإنسان والرقي بها، في زمن الدستور الجديد الذي قيل أنه “يربط المسؤولية بالمحاسبة”، في هذا الزمن بالذات يتم منع دفن امرأة بجوار زوجها.

لعل المخزن أدرك أن حقوق الأحياء كلها انتهكت وثم تدميرها، انطلاقا من الحق في التربية والتعليم ومرورا بالحق في الصحة والسكن ووصولا إلى الحق في العمل، لذلك قرر أن ينتقل إلى حقوق الأموات حتى ينتهكها هي الأخرى.

من السكتة القلبية إلى الموت السريري

في تسعينيات القرن الماضي كان الناس يتحدثون على أن المغرب قريب من السكتة القلبية، بسبب انغلاق الأفق السياسي، والتردي الاقتصادي، والفشل الذريع للمنظومة التربوية والتعليمية، ناهيك عن جحافل الفقراء والمهمشين والأفواج المتلاحقة لأصحاب الشواهد المعطلين، قيل هذا الكلام في التسعينيات أما اليوم والحال هو الحال لم يتغير شيء ولم يجدّ جديد، فالأفق السياسي مسدود، لا حرية ولا انتقال نحو الديمقراطية. فقط المخزن هو الآمر الناهي، أما اقتصادنا المسكين فهو مرهون بنسبة التساقطات، ولولا أمطار الخير لعاش المغاربة تجربة “عام البون”، أما بالنسبة للتعليم فيكفينا تصريح الوزير المسؤول الذي قال بأن مدارسنا لا تعلِّم إلا الخرافة.

إن واقع البلاد والعباد لا ينبئ بخير، والمستقبل يتهدده طوفان الجهل والفقر والتهميش والبطالة، والحاكم المسؤول عوض أن يشتغل بكيف يمكن إنقاذ البلاد من موت سريري محقق، فهو منشغل بعسكرة مقبرة ومنع دفن امرأة بجوار زوجها.

رحم الله السيدة الكريمة خديجة رحمة واسعة، كانت حياتها كلها بذل وعطاء وجهاد وبناء، وكان مماتها موعظة بالغة وجنازتها مهيبة وظروف دفنها جهادا ونصرا، هكذا هن المؤمنات الصالحات حياتهن خير ومماتهن خير. اللّهم ألحقنا بها مؤمنين. آمين، والحمد لله رب العالمين.