لا يسع المتتبع لتدبير المخزن لملفات العدل والإحسان إلا الاستغراب: ارتباك، مزاجية…؛ فبعد فضيحة فبركة ملف أخلاقي (الخيانة الزوجية) للدكتور المصطفى الريق، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، يأبى المخزن إلا أن يكون في الموعد، مرة أخرى، بمناسبة وفاة خديجة المالكي زوج عبد السلام ياسين مرشد الجماعة ومؤسسها تغمدهما الله في واسع رحمته.

أتساءل سؤالا يمكن أن يخطر على بال أي متتبع: ماذا كان سيخسر المخزن لو أن مراسيم الدفن تمت بهدوء، وفي ظروف عادية، كما يدفن عموم موتى المغاربة؟ من جهتها، جماعة العدل والإحسان، ألم تقرر أن يكون مواراة الفقيدة بعيدا عن الاستثمار الإعلامي والتوظيف السياسي؟ يُجلي ذلك ويؤكده اختيار أقرب مسجد لمقبرة الشهداء، وعدم استنفار قاعدة الجماعة لشد الرحال إلى العاصمة، إضافة لاحترام القوانين الجاري بها العمل في مثل هذه المناسبة: تصريح بالوفاة، استصدار رخصة الدفن، إشعار القيّمين على المقبرة لتحديد مكان القبر؛ كل ذلك، لم يكن كافيا لثني المخزن عن رعوناته المعهودة، عندما يتعلق الأمر بجماعة جريرتها أنها رفضت وترفض الخنوع والانبطاح، فسارع ـ في سابقة خطيرة ـ لعسكرة المقبرة، ونصبت الأجهزة الأمنية نفسها وصية على مجال هو في الأصل تابع للحقل الديني ليُدشَّن ورش سينضاف إلى منجزات “العهد الجديد”، إنه مجال تدبير القبور، ومن يدري، قد تُحدث آجلا أم عاجلا شرطة المقابر تعزز منظومة الأجهزة الأمنية التي لن يتردد المخزن في تسويقها إلى دول الجوار، وما الذي يمنع من استحداث هيئة عليا يُعهد لها تدبير المقابر تخصص لها ميزانيات وتعويضات على شاكلة المجالس والهيئات العليا.

أتساءل مرة أخرى مستغربا: من يتخذ مثل هذه القرارات ويصدر هذه التعليمات؟ هل أمور العباد أحيائهم وأمواتهم تُدبّر بهذه المزاجية، فيغيب عن دوائر القرار أن قضية الموت ودفن الجثامين لها من القدسية والهيبة ما يجعلها فوق الحسابات السياسية؟ أم أن غيظ المخزن وحنقه على الجماعة عطّل منه البصيرة وراح يخبط خبط عشواء؟

إنما حدث يثير التخوف على مصالح العباد واستقرار البلاد، فتصرفات العقلاء منزهة عن العبث، ولا يستساغ ممن يدير الشأن العام أن يستسلم للطيش والانفعال وتصفية الحسابات مع الخصوم بهذا الأسلوب. أما الفقيدة خديجة المالكي زوج عبد السلام ياسين التي عاشت بعيدة عن الأضواء، متحملة كل أشكال التنكيل والتضييق التي طالتها وأبناءها قبل زوجها عقودا من الزمن، فقد كانت غاية أمانيها أن يتوج صبرها وانخراطها في مشروع العدل والإحسان بأن يُوارى جثمانها قريبا من رفيق الدرب دون صخب إعلامي، لكن المشيئة الإلهية أبت إلا أن تُنصفها ـ لا سيما ومارس شهر اليوم العالمي للمرأة ـ وتعَرِّف بمكانتها وتُسوقها نموذجا لمن يرنو للمعالي من النساء والرجال على حد سواء، ويكفيها شرفا أنها واست وساندت واحتملت وزهدت فيما يستهوي عموم النساء من متاع الدنيا، لم تتأفف ولم تضجر، بل صبرت وصابرت واحتسبت وظلت على العهد حتى التحقت بجوار ربها، وما بدلت أو غيّرت: قل اللهُم مالكَ المُلك، تؤتي المُلك من تشاء وتنزع المُلك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين.