بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على خير الأنام نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (فصلت: 33).

فأحسن القول هو الدعوة إلى الله واتخاذ الأنبياء قدوة وأسوة في ذلك، وكيف لا وقد كانت مهنتهم الدعوة والدلالة على الله سبحانه وتعالى. وقد استنبط العلماء من كتاب الله سبعة أركان للدعوة، مجملة في آيتين وهو قول الله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) سورة النحل، وقوله تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ( 108) سورة يوسف.

فأول هذه الأركان على بصيرة والبَصِيرة: قوة الإدراك والفطنة، فلا بد أن يكون الإنسان على بصيرة ودراية بما يدعو إليه وهنا نتكلم عن زاد الداعية ومدى فهمه لما يدعو إليه، وعلى بصيرة بمن يدعوه وهذا من فقه الدعوة فلابد لكل فئة من دعوتها عن معرفة وهذا لا يتأتى إلا بمصاحبة الشعب ومعرفة همومه، كذلك من البصيرة بمن ندعوه أن يكون داعيه من مستواه الاجتماعي أو الدراسي وما إلى ذلك حتى تكون بينها نقاط التقاء، البصيرة بأسلوب الدعوة كذلك مهم.

الركن الثاني أنا ومن اتبعني: فلا يمكن لشخص واحد أن يقوم بهذه المهمة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض، وقد قال الله تعالى على لسان قوم شعيب: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) سورة هود. ويتضح هذا جليا في سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حينما دعا الله أن ينصر هذا الدين بأحد العمرين فَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَغَيْرُهُمَا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ “اللَّهُمَّ أَيِّدِ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ” وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: “اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ” وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةٌ: “خَاصَّةً”، فَالْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَنَّهُ دَعَا بِالْأَوَّلِ أَوَّلًا، فَلَمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَنْ يُسْلِمَ خَصَّ عُمَرَ بِدُعَائِهِ، فَأُجِيبَ فِيهِ، فالناظر في معنى الحديث يتضح له جليا أهمية زيادة عدد الرجال الذين يحملون هم الدعوة وخاصة إن كانوا من طينة سيدنا عمر بن الخطاب. فكلما كان المؤمنون أكثر عددا لكن مع افتقارهم لله تعالى هابهم أعداؤهم وكانت مهام الدعوة أيسر وأسهل.

الركن الثالث وسبحان الله: يُأخذ من هذا الركن أهمية اللجوء إلى الله تعالى والافتقار إليه والتذلل والتبؤس بين يده، فهو تعالى من يملك القلوب يقلبها كيف يشاء، فباللجوء لله سبحانه وتعالى يجعل الجبال في طريق الداعي قاعا صفصفا، فيطل على الناس بنور من الله أيده به لما وفقه من الطاعة والعبادة، يقول تعالى: ولكن كونوا ربانيين آل عمران، يقول ابن جرير الطبري في شرح هذه الآية: فـ”الربانيون” إذا هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار) لأن “الأحبار” هم العلماء، و”الرباني” الجامع إلى العلم والفقه، البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: الربانية إرادة مؤمنة تنظر إلى الله بالقلب المحسن، وإلى الناس بالرحمة والمودة والرفق المربي).

الركن الرابع وما أنا من المشركين: كيف يدعوا شخص إلى شيء ويأتي ضده كما قال الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم

فيجب على الداعية أن يتمثل بما يدعوا الناس له، ويكون كما أخرج البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: “سَأَلْتُ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: “كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ””. وبيان هذا الركن أيضا جاء على لسان نبي الله شعيب عليه السلام في قول الله تعالى: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه (سورة هود)، وكذلك في قول الله تعالى: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (سورة الصف)، وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: أي فلان، ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه”.

الركن الخامس ادع إلى سبيل ربك بالحكمة: الحكمة وهي وضع الشيء في موضعه، كما قال أبو الطيب المتنبي:

وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى *** مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى

والحكمة فكر وقول وفعل ومن رزقها فقد رزق خيرا كثيرا، كما قال الله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب (سورة البقرة). يقول ابن القيم رحمه الله: ولها ثلاثة أركان: العلم والحلم والأناة، وآفاتها وأضدادها: الجهل والطيش والعجلة، فلا حكمة لجاهلٍ ولا طائشٍ ولا عجولٍ والله أعلم) 1 .

وما أحوجنا للحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، ومن هذه الحكمة تنويع أساليب الدعوة وعدم الاعتماد عليها. يقول الأستاذ المرشد رحمه الله: ما وعد بالنصر من يعتمد على حيلته وينسى أنها قضية الله لا قضيته. إنما وعد من يبذل كل الجهد في التدبير، وإعداد القوة، والإقدام على التنفيذ، ويدخل من باب التضرع إلى الله العزيز، يسأله المدد والقوة والنصر (المنهاج النبوي). ومن الأمثلة الخالدة ما فعله سيدنا نوح مع قومه، قال الله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (6) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (9) سورة نوح.

من الحكمة كذلك الإلحاح لكن برحمة، فالناس ليسوا سواء في استجابتهم لداعي الحق، وأمثلة ذلك في سنة نبينا وكيفية تعامله مع كلٍّ على حدة كثيرة لا تحصر. من الحكمة كذلك تليين القول للناس، يقول الله لموسى وأخيه هارون عند ذهابهم إلى فرعون لدعوته إلى الإيمان: فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 44]. هذا كافر فكيف بالمسلم؟! ويقول الغزالي رحمه الله: ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون إذ وعظه واعظٌ وعنف له في القول فقال: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال تعالى:)فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى فليكن اقتداء المحتسب في الرفق بالأنبياء -صلوات الله عليهم-) 2 .

الركن السادس والموعظة الحسنة: قال ابن منظور: الوَعْظ والعِظةُ والمَوْعِظةُ النُّصْح والتذْكير بالعَواقِب)، قال ابن سيده: هو تذكيرك للإِنسان بما يُلَيِّن قلبَه من ثوابٍ وعِقاب)، قال الشوكاني: هي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها، قيل: وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة) 3 . وقال الجرجاني: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتدمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة) 4 .

والموعظة الحسنة تشمل الترغيب والترهيب، فقد أُرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا. فـ“عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ في كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِى مِنْ ذَلِكَ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّى أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا” 5 .

وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، في موعظةٍ أشد غضبا من يومئذ فقال: “أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة” 6 .

وانظر رحمني الله وإياك إلى فقه الوعظ، فعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول على المنبر: أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده، فقيل كيف ذاك أصلحك الله، قال يجلس أحدكم قاصا فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه، ويقوم أحدكم إماما فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه). وقالت عائشة رضي الله عنها لعبيد بن عمير: إياك وإملال الناس وتقنيطهم). وكان الزهري إذا سئل عن الحديث يقول: أحمضوا أخلطوا الحديث بغيره حتى تنفتح النفس). وقال الزهري: نقل الصخر أيسر من تكرير الحديث). وقال ابن عبد البر في بهجة المجالس: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان: فابتغوا لها طرائف الحكمة).

ومن أدب الموعظة إذا وُجهت لشخص بعينه أن تكون إسرارا، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانيةً فقد فضحه وشانه 7 .

وقال أيضا:

تَعَمَّدني بِنُصْحِكَ في انْفِرَادِي *** وجنِّبني النصيحة َ في الجماعهْ فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ *** من التوبيخِ لا أرضى استماعه وَإنْ خَالَفْتنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي *** فَلاَ تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَه

الركن الأخير وجادلهم بالتي هي أحسن: أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.


[1] مدارج السالكين، 2/ 480.\
[2] إحياء علوم الدين، 2/334.\
[3] فتح القدير، 3 / 291.\
[4] التعريفات، الجرجاني، 1 / 305، والتعاريف، للمناوي 1 / 685.\
[5] أخرجه البخاري.\
[6] أخرجه البخاري.\
[7] شرح النووي على مسلم، 2 / 24.\