إذا قمنا بقراءة سريعة وخاطفة لمجموعة من الأحداث التي يعيشها وطننا الحبيب من تكميم للأفواه وسلب للحريات وتلفيق للتهم وتضييق ممنهج على الجمعيات الحقوقية وتشويه لصورة وسمعة المعارضين بشتى الوسائل القبيحة والخسيسة عن طريق الضرب من تحت الحزام، يجعلنا نخلص إلى خلاصة مفادها أن المخزن يخوض مع معارضيه ما يسمى بحرب المربعات.

فبعد انطلاق موجة الربيع العربي سنة 2011 ومرورها بالمغرب من خلال الحراك الشعبي الذي خاضه شباب وطننا الحبيب من خلال ما اصطلح عليه بحراك 20 فبراير، تمكن المغاربة من احتلال مربعات كان يسيطر ويتحكم فيها المخزن، حيث ثم تكسير هاجس الخوف واقتحام عقبات نفسية تراكمت وترسبت وترسخت في أدهاننا وعقولنا ونفوسنا من طرف المخزن، من قبيل: “سبق الميم ترتاح” و” الحايط ليها أودان” و”سير جنب الحايط تنجا”.

هذا الاقتحام مكن أحرار هذا الوطن من الخوض في الملفات والقضايا التي كانت من الطابوهات المسكوت عنها والتي لا يجرؤ أحد على التداول فيها، اللهم إن استثنينا صاحب رسالة الإسلام أو الطوفان ومذكرة إلى من يهمه الأمر وغيره من المناضلين الأحرار. حيث تم إبداء وجهات النظر في الملكية واختصاصاتها وطبيعتها ووظيفتها وفي اقتصاد الريع، ورفع شعار محاربة رموز الفساد والاستبداد ومحاسبتهم وعزلهم عن المشهد السياسي والإداري وإصلاح منظومة العدالة وتحسين الوضعية الاجتماعية، فاحتج العامل والفلاح والتلميذ والطالب والمعطل والقاضي والمهندس والطبيب والمحامي وعون السلطة ومتقاعدي العسكر.

وخرج المغاربة يحتجون في أكثر من 114 نقطة في يوم واحد من عام 2011، مما جعل المخزن يعيد حساباته ويخضع لإرادة الشعب التي لا تقهر فاضطر اضطرارا لا اقتناعا وسلوكا إلى الانسحاب من مربعات ظل يسيطر عليها ويتحكم فيها لسنوات طوال بل لقرون، لكن انسحابه كان يشوبه المكر والخديعة والنصب والاحتيال، حيث عمد إلى الالتفاف على مطالب الشعب المشروعة من خلال إبداعه مسرحية دستور 2011 وحكومة منزوعة الصلاحيات والإرادة، مكبلة بقيود وسلاسل الدولة العميقة.

لقد مر على دستور 2011، المفروض على المغاربة والذي سجل عليه المعترضون عشرات الملاحظات طالت شكله ومضمونه سياقاته ومساقاته، ما يقارب أربع سنوات، ويوما بعد يوم وسنة بعد سنة يتأكد للجميع أن الشعب المغربي ثم الالتفاف على مطالبه المشروعة، واتضحت الصورة بجلاء دون ضبابية عنوانها العريض أن دار لقمان ما زالت على حالها وأن المخزن ليست له إرادة حقيقية وصادقة للتغيير من سلوكاته ونهجه، وأنه يسعى إلى استعادة المربعات التي أرغم سلفا عن رفع يده عليها، ولعل أبرز صورة يمكن أن تلخص لنا هذا المشهد المقيت هو ما شهدته مقبرة الشهداء بالرباط يوم الخميس 26 مارس 2015 من حصار واعتداء على مشيعيي زوجة الأستاذ عبد السلام ياسين السيدة خديجة المالكي رحمهما الله، حيث عرفت المقبرة إنزالا أمنيا مكثفا لمختلف الأجهزة القمعية من أجل إرهاب ومنع عائلة المرحومة من دفنها بجوار زوجها تنفيذا لوصيتها، فتم الاعتداء على الأحياء والأموات في سابقة غير مشهودة في تاريخ المغرب وغير مألوف في ديننا الإسلامي الحنيف، مما يؤكد حقيقة مفادها أن الماسكين بزمام الأمر في هذا الوطن أصابهم مس وتخبط وجنون بشكل جعلهم يخرقون الشرع والعرف والقانون دون استحياء أو تأنيب ضمير، إلا أن إرادة الله تعلو ولا يعلى عليها ولو اجتمعت جحافلهم من جنود الجن والإنس لما استطاعت أن توقف أو تعطل قدر الله، إنه أمر الله وإرادته ونضال الأحرار ودعاء الأبرار وتباثهم على الموقف واستعدادهم للتضحية من أجله.