إذا كانت الرموز النسائية المتعددة الاتجاهات الفكرية والسياسية قد حظيت بالشهرة والانتشار سيما في النصف الأخير من القرن المنصرم، فمن المؤسف أن هذا لا ينسحب البتة على الرموز النسائية الإسلامية اللاتي لم يحظين بالانتشار الذي لمثيلاتهن من التيارات الأخرى ويكاد ينحصر ذكرهن وتأثيرهن على ذوات الانتماء الإسلامي فقط، بخلاف الرموز النسائية العلمانية التي استطاعت الدوائر الإعلامية العربية والغربية إبرازهن وتسليط الأضواء عليهن كرموز عامة ونماذج تمثل المرأة العربية؛ والحقيقة أن منهن نماذج للتبعية الغربية والانسلاخ عن الذات. الحاجة المجاهدة لالة خديجة – زوج الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمة الله تعالى عليهما – امرأة كتبت بمداد تضحياتها أن الجهاد قدر يلقى على أكتاف النساء كما الرجال.. امرأة تجاوز جهادها مسألة “تحرير الأنثى” إلى مسألة تحرير الإنسان وإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة؛ ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام. لكنها كانت مع ذلك خفية تقية.

والأتقياء الأخفياء قوم استقاموا على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان تعاملهم مع الله في عسرهم ويسرهم ومنشطهم ومكرههم، ولذلك كرهوا الشهرة. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله يُحِبُ الأتقياءَ الأخفياءَ الذين إذا غابوا لم يُفتَقدوا وإذا حَضروا لم يُعرفوا؛ قلوبُهم مصابيحُ الهدى، يَخرجون من كلِ غبراءَ مُظلمة”.

ولعمري أن السيدة الفاضلة خديجة المالكي من هذه الطينة التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتقى والتخفي؛ فصارت بذلك زهرا يُجتبى، وسبيلا يحتذى، ومنارا يقتبس.

ادلهمت الخطوب من حول الإمام المجدد طيب الله روحه فكانت كعادتها أقوى من المدلهمات، واشتدت الكربات فكانت الثابتة الراسية، وتعاقب البلاء فكانت الصابرة المصابرة المرابطة. فحق لنا أن نقبس من جذوتها جمرة، ومن غيثها قطرة ومن ملاحمها عبرة.

إن من يتعمق بدراسة مراحل حياة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمة الله عليه، يدرك أنه بعد عناية الله به كانت وراءه امرأة عظيمة ردءا له تشد بيده وتدفعه للأمام، امرأة عمَر الإيمانُ قلبها، فقرّرت أن تسير في طريق الحق مع زوجها ورفيق دربها دون الالتفات لزينة الحياة الدنيا وبهرجها الخادع؛ رائدها الإخلاص، وأمنيتها أن تفوز برضا الله تعالى، وتطمع أن تحظى في الآخرة بجنّته.

كما أنه لم يكن بالإمكان لشخصية الإمام العظيمة أن تتشكل لولا عوامل تضافرت مجتمعة، فجعلتها نسيجا وحدها؛ وأولى تلك العوامل أن قيض الله له صاحبة مخلصة، تكون عونا له في اللأواء وحافزا له لطلب وجه الله.

إن الزوج الداعية يحتاج إلى زوجة واعية كما كانت الفاضلة لالة خديجة رحمة الله تعالى عليهما تتفهم حقيقة دوره، وأصالة رسالته، ونبل غايته، فتساعده وتشجعه وتشد من أزره، بل وتبذل من أجل قيام دعوته الغالي والنفيس مادام الأمر يتعلق بإصلاح أمة، وخدمة رسالة وغرس دين في نفوس الناس.

كثيرة هي الدروس والعبر التي نتعلمها من مسيرة حافلة بالعطاء لامرأة مجاهدة عاشت ثلاثة وستين عاما، أمضت أكثرها في الدعوة إلى الله سبحانه، وصبرت على المحن التي تعرّضت لها صحبة زوجها.

ويأبى الله المتفضل على عباده برحمته إلا أن يكرمها حية وميتة، في الأولى أن قرن اسمها باسم زوجها حين يلهج المومنين من أبناء العدل والإحسان بالدعاء لهما معا، والثانية حين أعلى شأنها ولم يشأ أن تمر جنازتها في صمت دون أن يدري بها أهل الأرض والسماء في موكب يدلل على أكذوبة الاستثناء المغربي.

رحم الله الفاضلة المجاهدة أمنا خديجة المالكي، وغفر لها، وأسكنها الفردوس الأعلى، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه، والحمد لله رب العالمين.