ما كاد يمر عامان على لحاق الإمام المجدد عبد السلام ياسين بربه، حتى وافته إلى رحابه تعالى زوجه ورفيقة دربه، السيدة الجليلة، والأم الرؤوم، والمربية الفاضلة، والمجاهدة المصابرة، خديجة المالكي، عليها وعلى إمامنا المجدد رحمة الله.

يقولون إن وراء كل رجل عظيم امرأة، وهي كانت امرأة عظيمة، واكبت إماما عظيما في مسيرته الجهادية خطوة خطوة، وشاركته مشقات الطريق وعقباتها الكأداء نَفَسا نفسا، وآنست وحشته فيها ساعة بساعة، ويوما بيوم، وعاما بعام، منذ أن عقد القدر قرانهما إبان صحبتهما للحاج العباس رحمه الله، قبل ما يزيد على أربعة عقود.

هي امرأة عظيمة، فما سر عظمتها هذه؟

كانت صحبة الحاج العباس رحمه الله هي المنطلق، فلما التحق بالرفيق الأعلى، وقدر سبحانه أن يسلك الإمام المجدد الطريق الصعب في ذلك الزمن العصيب، حين خرج إلى الناس بمشروعه التغييري الكبير، اختارت الفقيدة الراحلة الوفاء لزوجها وإمامها فيما لا يستطيعه إلا الصِّيدُ والأفذاذ من الرجال النساء، وتحمّلت في ذات الإله ما لا يتحمله إلا من باع نفسه لله، وأسلم أمره لله، وفاض قلبه ثقة بالله، وطلب بصدق ما عند الله.

امتُحِنَت السيدة الجليلة في إيمانها ووفائها وعزيمتها وصدقها على مدى هذه العقود من الزمن، بالموازاة مع ما امتُحِنَ به الإمام، كأن البلاء أبى أن يفرق في القسمة بين من جمعهما الله تعالى عليه في درب واحد وعلى صعيد واحد. وتجرعت من ألوان الشدة ما لا يفلُّ حديدَه إلا الصبر الجميل حبا في الله. وقد كان اعتقال زوجها الإمام إثر رسالة “الإسلام.. أو الطوفان!” عام 1974، امتحانا شديدا لذات صدرها، زاده شدة أنها كانت ساعتَها حاملا بنجلهما محمد، الذي فتح عينيه على الدنيا بعيدا عن الوالد المعتقل بين مستشفى الأمراض الصدرية ومستشفى الأمراض العقلية بمراكش. وتكرر الأمر نفسه حين كانت حاملا بكريمتهما مريم إبان قضاء الإمام فترة السجن بين عامي 1983 و1985 بسجن لعلو بسلا.

وبيد الظالمين كافأها القدر على جميل صبرها وتحمُّلها بالضِّعف، فكانت الإقامة الإجبارية التي دامت عشر سنوات وخمسة أشهر (1989-2000)، وهي ضِعف مدة الاعتقالين التي قضتها بعيدا عن الزوج الإمام الذي أوت إلى ظله شاكرة ساكنة مطمئنة، مستأنسة بقربه أيما أنس، متنعمة بروحه أيما تنعُّم.

ومن أول ما زُفَّت السيدة الجليلة إلى الإمام المجدد رحمهما الله، وإلى أن زَفَّته هي إلى الدار الآخرة قبل عامين ونيف، كان قلبها والبيت مفتوحين على مصاريعهما، مهوى لأفئدة المومنين والمومنات، ومحطة يتزودون فيها لآخرتهم، وركنا شديدا يتقوون بالاستناد إلى مجالسه الإيمانية على نوائب الحق، تطعمهم وتسقيهم، وهي الوالدة الكريمة، والفرح بأفواجهم المتتالية وبحِلَقِهم المجتمعة على الله تنضح به قسمات وجهها المتلألئ، وتبتهج بكل طارق أو صاحب حاجة كما يبتهج الملهوف بالغوث المغيث في اليوم الشديد العصيب، وتنفق مما في يديها بغير حساب كأن قبضهما يفنيه وبسطهما يثريه.

وللسيدة الجليلة على أجيال المومنين والمومنات في هذه الجماعة المباركة، ومنها إلى من شاء الله وما شاء الله تعالى، أياد بيضاء تشع نورا بما آوت واحتضنت ورَعَت بقلب حريص محب، ولها في ذمة كل منهم أفضال تلهج بما بذلت وصبرت وصابرت بعزيمة ماضية ما عرفت نَبْوَة، وسيرة وضيئة وئيدة ما أوقعتها كبوة. وما رفع رافع للحق لواءً في ساحة من ساحات الجهاد إلا كان لها في ما يحوزه من قدم الصدق عند ربه نصيب، ولا غُرِسَ فَسِيلٌ للدعوة المباركة ولا أزهر ولا أثمر إلا كان الدم الذي جرى في عروقها سقاء وغذاء يمد جذورها وأغصانها وثمارها، فيفيء إلى ظلالها المتعب الواني طلبا لراحة القلب وسكينة الإيمان.

كانت لها أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مثلا أعلى جعلته نصب عينيها، نهلت من معين مشكاته النبوية، واستمدت من أنوارها ما خلع عليها حللا تليق بمن كانت خير رفيق لمن سلك درب المنهاج النبوي الجهادي النوراني اللاحب الطويل، واستمدت منها ما تَخَلَّقَت به من أخلاق فاضت عنها إلى هذه الآلاف المؤلفة من دعاة العدل والإحسان، سُـمُـوّاً في طلب المعالي، وقصدا في السلوك إلى الغاية العظمى، ومغالبةً للمحن، واقتحاما للأهوال، وثباتا على الحق، ورجولة في الميدان، وتواضعا لله بين الناس، وذلةً على المومنين والمومنات، ودواما على حال الصلة بالله، وصفاء الروح، والبذل بغير منّ أو حساب، فترجمت للأجيال بلسان حالها وبمثالها من المعاني الموءودة في بطون الكتب ما يسري في هذه الأفواج المتوضئة مسرى الروح، وما يجري في شرايينها مجرى الدم إلى آخر الزمان.

يقولون إن وراء كل رجل عظيم امرأة، وحق عليهم أن يقولوا إن وراء كل معنىً عظيمٍ، ووراء كل جيل عظيم، رجلا عظيما، وامرأة عظيمة، ومعيةً ربانية عظيمة.