بعد يوم طويل حافل، جمع الله فيه بين موقف الخشوع أمام قدر الموت الذي قهر به الله تعالى عباده، وبين الموقف الجهادي الصامد أمام الغطرسة المخزنية الظالمة التي لا تعرف ولا ترعى للموتى ولا للمقابر حرمة، التأمت جموع الأهل والمحبين، والإخوان والفضلاء، في بيت الراحلة المجاهدة، والسيدة الجليلة، خديجة المالكي، في حفل تأبينها، عليها رحمة الله.

كان الافتتاح بآيات من كتاب الله عز وجل من سورة الفجر، تلاها القارئ إدريس الملياني، بصوت ندي، صور الموقف الذي فيه يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى، يقول يا ليتني قدمت لحياتي، والذي تُنادى فيه النفس المطمئنة يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.. صدق الله العظيم.

قدم لحفل التأبين الدكتور عبد العالي مسؤول، فنوه بهذه السيدة العظيمة الخفية التقية، كانت سندا وظهرا للإمام، احتضنت الدعوة وأكرمت المومنين والمومنات وأدت ما كان عليها من أمانة، وكان من أمنياتها أن تدفن إلى جوار زوجها فاستجاب الله دعوتها رغم كيد الكائدين.

كلمة الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، الذي أكد أننا نشهد صنع الله فيما سيبقى ذكرى خالدة.. والله تعالى جعل أولياءه رحمة في الخلق في حياتهم وبعد مماتهم. فقد كان يوم رحيل الإمام المجدد رحمة، واليوم يتجدد فضل الله علينا كذلك، إذ كانت العيون تدمع والقلوب تحزن غير أننا شعرنا أن الفرحة تغلب على الحزن، ولعل السر في ذلك أن أهل البرزخ يعيشون عرسا بمقدم الشريفة الجليلة أمنا خديجة عليهم، فهم يعيشون أفراحا فأراد الله عز وجل أن يذيقنا بعض هذا الفرح وإن كان فراق الأحبة صعبا على النفوس).

وبعد أن شكر كل من دعا وشيع وواسى وحضر الجنازة)، استنكر منع الدولة دفن السيدة الجليلة، مؤكدا أن الله قدر أن يكتب لنا بما حصل نصيبا من الجهاد)، وأن تجييش الجيوش مهما كانت لا تستطيع أن تغير إرادة الله). مضيفا: لا تنازل عن الحقوق ولكن بأسلوب الرفق حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين). وطالب أن نحافظ على الانسجام والأخوة والتحاب في الله والتصافي)، وأضاف: رجاؤنا في الأسرة الصغيرة والكبير أن نبقى صفا مرصوصا في وجه الطغيان مع الرفق وحب الخير للجميع مع الاستعانة بالله على فتح القلوب قبل فتح الأبصار).

وختم الأستاذ عبادي بالدعاء بالرحمة للراحلة الفقيدة.

وانتقل المنشد بلال عبد الواحد بأسماع الحاضرين وقلوبهم، من المعاني السابحة على ظهر الكلم، إلى المعاني السارية في سماوات النغم.

وبعد تلاوة عطرة لكتاب الله تعالى أخذ الكلمة خالد ياسين نجل الإمام المجدد باسم أسرة الراحلة المجاهدة، فشكر أعضاء مجلس الإرشاد وكل الحاضرين والمشيعين، الذين وقفوا وقفة رجولية في مقبرة الشهداء، وأشار بعفوية الابن البار إلى بعض من مناقب الراحلة في أخلاقها وعبادتها، وإلى ما كانت تحوزه من حب وتقدير واحترام في قلوب الأسرة الصغيرة وكل من عرفها.

وتناول الكلمة الدكتور عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة السياسية للجماعة، فدعا بالرحمة للسيدة الراحلة، وتحدث عن جهادها وصبرها ومصابرتها، دون أن ينسى الإشارة إلى ما ميز يوم دفنها من استنفار المخزن للمئات من القوات التي رابطت منذ الساعات الأولى من الصباح حول مقبرة الشهداء، فلما انقلب عليه تدبيره ومراده في عرقلة دفن الراحلة أصدرت جهاته الأمنية بلاغا زعمت فيه أن سبب تدخلها كان هو أن الدفن كان سيكون مخالفا لما عليه إجماع الأمة، فلما تم تصويب الأمر تم الترخيص بالدفن..!).

ثم أكد الدكتور متوكل ما قيل قبله من شهادات في هذه المرأة الكريمة الخيرة الفريدة، التي ما سمعنا من أحد قط أنه ضجر من تعاملها على مدى ثلاثين عاما). ثم دعا الله تعالى في آخر مداخلته أن يبوئها المكانة الكريمة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين).

وبعد آيات بينات من القرآن الكريم تلاها القارئ إبراهيم الأدغم، وختمها بابتهالات بالمناسبة، أخذ الكلمة المهندس أبو بكر بن الصديق، فتناول مناقب الراحلة التي كانت امرأة طيبة مؤمنة ذاكرة لله تعالى رحيمة صوامة قوامة، دارها كل حين عامرة)، والتي أكرمها الله تعالى قبيل وفاتها بيوم، بحفظ الزهراوين).

ودعا المهندس بن الصديق للراحلة بالرحمة والمغفرة.

وكانت قريحة الشاعر منير ركراكي في أوجها في ليلة التأبين، فأطلق العنان لشاعريته المتدفقة، على الرغم من تواضعه الذي حمل صورة الاعتذار على ما لا يستطيعه شعره من إيفاء الراحلة المجاهدة حقها.

وكان عنوان قصيدته: “أم للأمة” وكان مطلعها:

جراح الروح ليس لها دواء *** ولا يشفي مرارتها العزاء أما الأستاذة نادية بلغازي، فبعد الثناء على الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأشارت إلى خصال الراحلة ومكارمها زوجا ومربية، وإلى معاني الشموخ في شخصيتها، وإلى ما كَانَتْهُ من سند للدعوة التي أفنت زهرة شبابها وعمرها في احتضانها). وأضافت أن الإمام المجدد كان يذكرها بكل خير، ويقدرها أشد التقدير).

وفي ختام التأبين، وبعد تلاوة قرآنية عطرة، تناول الكلمة الأستاذ فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام للجماعة والناطق الرسمي باسمها، فابتدأ بحمد الله والثناء عليه، وقال: لولا ما لهذه السيدة العظيمة من مكانة لما وقفت للحديث هنا نظرا لحالتي الصحية، ولكن لا يمكن في مثل هذه المناسبة ألا أقول شيئا ولو بسيطا لأنه لا الوقت يسمح ولا الصحة ولا طبيعة اللقاء تسمح).

وزاد: تحدث من سبقني عن عناوين وكل عنوان يحتاج منا إلى تفصيل يبرز حقيقة لالة خديجة وحقيقة علاقتها بربها وبالجماعة وبذويها وبأبنائها … لكن اتوجه بالتقدير الكبير الأسرة الصغيرة لالة خديجة لما أظهرته من مواقف تترجم حقيقة الوفاء لهذه السيدة). وشكر كل الإخوة والإخوة الذين وقفوا وقفة وفاء للمرأة الصالحة.

وتساءل: من أين جاءت هذه المرأة الصالحة؟ نعم رباها الحاج العباس رحمه الله ثم الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله…). وتحدث عن ذكريات قديمة تعود لزمن تعرفت أسرته عليها وعرفت فيها مجموعة من الخصال الحميدة التي أهلتها لما أصبحته فيما بعد.

ودعا لها في الختام بالرحمة والمغفرة، وللأسرة الصغيرة والكبيرة بأن يلحقها ويلحقنا بها إخوانا على سرر متقابلين).

وفي الأخير شكر الدكتور عبد العالي مسؤول الحاضرين لحضورهم، وناول الكلمة للأستاذ محمد برشي الذي ختم التأبين بقراءة للفاتحة، ودعاء الله تعالى بالرحمة للفقيدة الراحلة ولزوجها الإمام المجدد رحمه الله وللأسرة الصغيرة والكبيرة بجميل الصبر والسلوان، وعميم التوفيق والنصر والسداد.