تم تداول مفهوم “الاستقرار” كثيرا منذ بداية انتفاضات الربيع العربي من تونس، فهناك من رأى أن هذه الاحتجاجات هي نوع من عدم الاستقرار السياسي، والبعض اعتبرها مجرد تعبير عن حيوية المجتمع بحيث تطفو على السطح التناقضات الموجودة فيه. وفي المقابل استخدمت الأنظمة العربية ومؤسساتها السياسية والإعلامية عبارة “زعزعة الاستقرار” للتخويف من أي تغيير جديد ولضمان خضوع الشعوب لهاته الأنظمة.

إن الاستقرار السياسي كما وصفه الكاتب محمد محفوظ ليس وليد القوة العسكرية والأمنية، وإنما هو وليد تدابير سياسية واقتصادية وثقافية، فالنظام السياسي المتبع في الدولة يحدد مدى الاستقرار السياسي في هذه الدولة من عدمه. من هذا الوصف نستنتج أن الاستقرار السياسي لا يمكن تحقيقه بالقبضة الأمنية والقمع وتجاهل تطلعات الشعوب المشروعة، فهناك دول لا تمتلك بنية عسكرية وأمنية كبيرة إلا أن استقرارها صلب ومتين، وهي قادرة على حفظ أمنها العام ومواجهة أي أزمة. فعوامل تحقيق الاستقرار الحقيقي تتلخص في العلاقة بين الحاكم وشعبه، إذا كانت هذه العلاقة قائمة علی تعاقد اجتماعي يضمن التداول السلمي على السلطة ويضمن الحقوق والحريات، فاستقرار الدولة يكون صلب وقائم علی أسس متينة. أما إذا كانت هذه العلاقة قائمة علی الظلم والطغيان، فاستقرار الدولة يكون هشا ومعرضا للعطب في أي لحظة.

إن بعض الدول العربية التي تعيش استقرارا هشا ونسبيا، تستثمر حالة الفوضی التي تعيشها دول عربية أخری كسوريا وليبيا والعراق… لكي تعطي شرعية للتراجعات التي تعرفها علی مستوی الحقوق والحريات ولتعطيل الإصلاحات التي وعدت بها المواطنين، وتستخدم قبضتها الأمنية لإسكات الأصوات “المزعجة” بذريعة المحافظة علی الأمن والاستقرار. لكنها لا تعرف جيدا أن الفوضی وحالة عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشها بعض الدول التي طالبت شعوبها بالتغيير، هي نتاج ظلم وسلطوية الأنظمة المستبدة تجاه مواطنيها، فهي من قتلت أحلامهم وأخرست أصواتهم، فلولا هذا التسلط ما كان لهاته الشعوب أن تنهض وتنتفض ضد حكامها.

ما يحدث الآن من فوضى وعنف سياسي في هذه الدول كان سيحدث عاجلا أو آجلا، وذلك بسبب التناقضات الصارخة بين الحكام والمحكومين، وبسبب التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي تعيشه هذه الدول. رغم ذلك كله فالديمقراطية شيء حتمي في كل البلدان رغم التعثرات، ولنا في التاريخ نماذج كثيرة يجب التعلم منها والاستفادة من أخطائها، ففرنسا قامت فيها ثورة سنة 1789 واستمرت هذه الثورة في السقوط والنهوض علی مدی عقود حتی وصلت للديمقراطية التي تنعم بها الآن، أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد وصل بها الأمر إلی قيام حروب أهلية طاحنة بين الشمال والجنوب حتی تم إلغاء نظام العبودية، وإن لم ينته فعليا إلا بوثيقة حقوق الإنسان التي دافع عنها رائد المقاومة اللاعنفية مارتن لوثر كينج، ودفع حياته ثمنا لها باغتياله.

ليست الشعوب في خيار بين الاستبداد والفوضی، لأنها بإمكانها أن تفوز بالحرية التي تفرض نظامها وإن كان علی الأمد الطويل، أما الاستبداد فلا نظام له إلا التسلط والعنف. فمن يجعل الاستبداد هو البديل عن الفوضى، تعد إليه الفوضى بديلا أفضل للاستبداد، لأن الاستبداد في الأخير هو فقط مسكن لآلام التغيير وحل مؤقت للفوضى، لكنه ليس علاجا لها بالتأكيد.