يعتبر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب منظمة نقابية تدافع عن حقوق الطلبة سواء داخل المغرب أو خارجه، وقد تم تأسيسه سنة 1956، وكان الاتحاد في بداية تأسيسه يعتبره البعض عبارة عن قطاع حزبي مُوازٍ لبعض الأحزاب حيث تقوم بتصريف مخططاتها من خلاله داخل الحرم الجامعي، وتنظيما يترجم سياسة حزبية في القطاع الطلابي، مما جعل مجموعة من الجمعيات الطلابية (الجمعية العامة لطلبة المغرب 1947، جمعية الطلاب المغاربة 1948، اتحاد الطلاب المغاربة بفرنسا 1950) آنذاك أن قامت بحل نفسها وتأسيس منظمة طلابية موحدة وهي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب باعتباره الإطار الطلابي الشرعي الوحيد للطلبة والذي أصبحت تؤطره مبادئ من بينها الاستقلالية بمعنى عدم الخضوع لأي توجهات خارجية ترسم برامجه النضالية، ولم تكن هذه الولادة الجديدة مجرد رغبة ذاتية لدى الطلاب المغاربة الذين اجتمعوا في المؤتمر التأسيسي عام 1958 لبلورة الحركة الطلابية المغربية في إطار تنظيمي مستقل، بل كان ضرورة موضوعية واستجابة قوية يفرضها التطور الموضوعي لحركة الجماهير التواقة إلى التحرر السياسي والاجتماعي من ربقة الفساد والاستبداد.

وبعد كل الضربات التي تعرض لها الاتحاد في خطه النضالي من أجل زعزعته واحتوائه منذ تأسيسه ظل شامخا وصامدا في وجه كل العقبات رغم ما تخلل مساره من انتكاسات، لكن الحفاظ على رصيد الاتحاد النضالي لم يكن سهلا بل جاء نتيجة تضحيات كبيرة جدا تراوحت ما بين الطرد والاعتقال والتخويف والقتل، غير أنها انتهت في آخر المطاف بالتحرر من كل القيود ورفع الوصاية.

وقد ظل قياديو الاتحاد أوفياء لدم الشهداء من خلال الحفاظ على لحمة هياكله رغم المحاولات الفاشلة لتصدعها سواء من قبل السلطة أو بعض الفصائل التي لا تعتمد على مبدإ الوحدة كخيار استراتيجي في خطها النضالي والتي ما فتئت أن أصيبت بدائها وتجمدت عروقها وهي الآن تعيش موتا سريريا ويعرفها القاصي والداني.

وقد تجلى هذا الوفاء في تنظيم الاتحاد منذ سنة 1992 لأول ملتقى طلابي بمدينة مراكش يجمع هياكل الاتحاد على مستوى كل الجامعات المغربية وذلك لمجموعة من الاعتبارات سنأتي على ذكرها فيما بعد، ومنذ ذلك الحين استمر الاتحاد في الحفاظ على تنظيم الملتقيات، وفيما يلي لمحة مختصرة لأهم المدن الجامعية التي احتضنت الملتقيات الوطنية حيث كان الملتقى الثاني سنة 1993 بالبيضاء، الملتقى الثالث والرابع كذلك بالبيضاء سنَتَا 1994 و1995، الملتقى الخامس بتطوان 1996، الملتقى السادس بالرباط 1999، الملتقى السابع 2001 بابن مسيك المحمدية، الملتقى الثامن بمكناس 2003، الملتقى التاسع بابن مسيك المحمدية، الملتقى العاشر 2007 بالبيضاء، الملتقى الحادي عشر بالرباط 2009، الملتقى الثاني عشر بالبيضاء 2011، الملتقى الثالث عشر بالقنيطرة 2013.

ويعتبر الملتقى الوطني محطة تكوينية تأطيرية ترفيهية شاملة وجامعة لكل ما هو سياسي وفكري وثقافي.. تصب في اهتماماته للنهوض بوضعية الجامعة بالخصوص، وحال الأمة عامة، فماهي أبعاده ومتطلباته؟

أولا: الأبعاد

1- الأبعاد الخارجية

1-1- مد جسور التواصل

لقد جاء في القوانين المنظمة للاتحاد الوطني لطلبة المغرب الصادرة عن مؤتمره 16 في ديباجته أن الطالب المغربي جزء لا يتجزأ من طلاب المغرب والطلاب العرب والأفارقة، وهو يعمل على تحقيق وحدتهم، ويسعى لتعزيز صور التضامن والوحدة بين طلاب العالم ويقف مع الحركات الطلابية التحررية عبر العالم ضد الامبريالية والرجعية والصهيونية والميز العنصري، وهنا تستوقفني كلمة الدكتور إدريس الكتاني في الملتقى الوطني العاشر سنة 2007 حين قال بالحرف “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب إن شاء الله على أنه سيكون جيل الإنقاذ بالدرجة الأولى للمغرب العربي المسلم ويساهم بفعالية مع أقطار شمال إفريقيا في تحويل الهزيمة التي عاشها العالم العربي منذ نصف قرن إلى انتصار إن شاء الله تعالى بهبة هؤلاء الشباب وهؤلاء الشابات الذين يتقدون همة وحماسا وغيرة وإيمانا على أن يغيروا هذا الجيل إلى جيل الانتصار”. لذلك نجد الاتحاد دائما حاضرا بشتى أشكاله النضالية الداعمة لكل صوت ينادي من أجل الحرية على مستوى العالم.

كما يعتبر الملتقى محطة لدعوة الاتحادات الطلابية العالمية خاصة على المستوى العربي، من أجل الحضور وتجديد أواصر الأخوة والتجاور والتزاور من أجل جمع الجسد الطلابي العربي والإفريقي الذي جزأه الاستعمار وحافظ على هذه التفرقة حكام الجبر، وقد عرف الملتقى الثالث عشر حضور بعض الاتحادات الطلابية العربية والإفريقية التي عايشت ما عرفه هذا الملتقى من هجمة شرسة من قبل المخزن لأجل نسفه والتي أصدرت بيانا استنكاريا على ما حدث، وهذه الاتحادات هي: الاتحاد العام الطلابي الحر بالجزائر، وجمعية الطلبة والتلاميذ السينغاليين، والمنظمة الشبابية لحزب تواصل الموريتاني، ناهيك عن حضور بعض الحركات الطلابية من بلدان عربية أخرى للملتقى خاصة من فلسطين الجريحة، بالإضافة إلى دعوة الاتحاد للحضور والمشاركة في ملتقيات دولية.

2-2- تبادل التجارب النضالية

لقد ساهمت مجموعة من الحركات الطلابية على المستوى الدولي وخاصة العربي في مناهضة الاستبداد، وقد أدت في ذلك ثمنا باهظا مما جعلها محطة للتأمل واستخلاص الدروس والتجارب للاستفادة منها.

ولعل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ليس بالاستثناء لكونه واكب تاريخا مهما من حياة هذا الوطن الحبيب، حيث ساهم بنضالات أعضائه في الحد من الهيمنة والوصاية على الطلاب، مبرزا بذلك قيادات سياسية معارضة وأطرا في الدولة ليصبح تجربة راقية تستحق الوقوف من أجل مدارستها لما تميزت به من استمرارية في البناء والعطاء، عكس بعض الاتحادات العربية التي تم إجهاضها من خلال تشتيت كل مواقعها وقتل ونفي.. مناضليها.

2- الأبعاد الداخلية

2-1- إثبات الذات

إن الملتقى الوطني هو فضاء تلتف حوله كل هياكل الاتحاد على المستوى الوطني وتجتمع من أجل توحيد الصفوف وجمع الذات لتوحيد الرؤى والاستراتيجيات لأجل النهوض بوضعية الطلبة والجامعة، وهو رسالة كذلك لكل عين تتربص مسار الاتحاد وتنتظر انكساره وتشتته على أنه رقم صعب لا يمكن تجاوزه وأنه سيظل شوكة في حلق كل السياسات والمخططات الهادفة إلى نسف الجامعة من محتواها القيمي والفكري والنضالي…

2-2- الملتقى فضاء للفن والثقافة وحرية التعبير

بالإضافة إلى اعتبار الملتقى محطة للتأطير النقابي والسياسي والفكري يظل فضاء للترفيه من خلال إشراك مجموعة من الفنانين سواء في المسرح والغناء والشعر.. ليكون بذلك الملتقى صوت لكل من يغرد وينشد الحرية من خارج سرب النظام المخزني، كما أنه منبر من لا منبر له، فما يتميز به هو أنه يجمع فضلاء هذا الوطن، سواء الممنوعين من ممارسة أنشطتهم السياسية أو الحقوقية أو من يعملون داخل مؤسسات الدولة، وذلك كمبادرة لعدم إقصاء أي طرف والسعي إلى التوحيد والوقوف على مكمن الداء المكتوي به الكل وهو الاستبداد والفساد.

2-3- الملتقى فضاء للحوار

لطالما دعى الاتحاد كل مكونات الساحة الجامعية المغربية من أجل الوحدة، فهو الإطار الشرعي الوحيد للطلبة، ومسألة الحوار تعتبر من أولويات خطه النضالي وذلك رغم تباين واختلاف توجهات الفصائل الطلابية التي تعمل من خارج هياكل الاتحاد مع أن صيتها لدى الطلبة غير مدوّ بشكل قوي عكس الاتحاد الوطني، إلا أنه لا يعتبر نفسه عصى سحرية بل يدعو إلى مد يد العون من خلال التوحد لأن ما يجمع الفصائل أكثر مما يفرقها وهو الاهتمام بقضايا الطلبة والجامعة ككل.

2-4- الملتقى محطة لانتخاب القيادة الأوطامية

بعد تجديد هياكل الاتحاد على مستوى الجامعات وانتخاب مكاتب التعاضديات ومكاتب الفروع، يأتي الملتقى -كما جرى العرف النضالي- كمحطة لانتخاب الكاتب العام للاتحاد الوطني وانتخاب أعضاء الكتابة العامة للتنسيق الوطني.

ثانيا: المتطلبات

من الموافقات أن فكرة كتابة المتطلبات انتابتني قبل أن تقوم الكتابة العامة للتنسيق الوطني، في مراسلتها الصادرة بتاريخ 2015/03/09 لكل هياكل الاتحاد، بالدعوة إلى الالتزام ببعض الضوابط التنظيمية من أجل إنجاح هذه المحطة التاريخية، فما هي إذن أهم هذه الضوابط والمتطلبات؟

1- الإعداد والمشاركة

سبقت الإشارة إلى أن الملتقى محطة تكوينية بامتياز، حيث يتلقى فيها المناضل دروسا نظرية وتطبيقية تساهم في الرفع من وعيه وفكره ليتجسد ذلك في سلوكه وخطه النضالي، لذلك ينبغي الاستفادة ما أمكن من كل محطات الملتقى، خاصة المواد التي تعرف نقاشا لقضايا الطلبة والأمة، من خلال الإعداد الجيد للمواد التي تطرح في برنامج الملتقى والمشاركة وإبداء الرأي لتنضج الفكرة في محيطها.

2- الالتزام ببرنامج الملتقى

ما يتميز به أعضاء الاتحاد الوطني هو الانضباط، ولقد لاحظنا هذا في آخر وقفة احتجاجية على مشروع القانون المتعلق بالعنف داخل الجامعة أمام البرلمان حيث اتسمت هذه الوقفة بالانضباط والشجاعة، والملتقى ليس استثناء فهو بدوره محطة نضالية يجب إنجاحها وذلك من خلال الالتزام بالبرنامج العام للملتقى.

3- الصبر والمصابرة

يعرف جيدا كل مناضل سبق وحضر ملتقى للاتحاد على أنه يحصل إقبال كبير من قبل الوفود والطلبة لكل مواد برنامج الملتقى حيث يقع نوع من الاكتظاظ والزحام داخل المدرجات نتيجة كثرة العدد والحمد لله، وكذلك ضيق المدرجات التي لا تتسع لأكبر عدد من الطلاب، لذا ينبغي على الوفود تجنب كل ما من شأنه الدفع إلى التضييق على الممرات أو أي تداخل ما بين الطلبة والطالبات الذي يؤدي إلى عرقلة السير وإحداث الفوضى، بل ينبغي التعامل بإيثار مع كل من حولنا حتى نرقى بسلوكنا ونكون نموذجا للسمت الحسن والتحلي بالأخلاق العالية من ابتسامة في وجه الجميع وسعة الصدر لاحتضان الكل لا الجزء.

4- اغتنام الوقت

يجب أن نعتبر وقت الملتقى وقتا من ذهب، فكل محطاته وفقراته لا تنسى وتبقى راسخة في الذاكرة، وأكيد أن الوفود تأتي من أمكنة بعيدة بغية الحضور والاغتنام ما أمكن من الملتقى، لذلك لا يجب تضييع أي دقيقة من عمر الملتقى فيما لا يجدي نفعا حتى لا يرجع المناضل خاوي الوفاض.

5- احترام قرارات قيادة الاتحاد

لقد أبانت قيادة الاتحاد وأعضاؤه على نضج نضالي كبير خاصة في الملتقى الثالث عشر عندما تدخل المخزن لنسفه لكنه لم يفلح وفشل، حيث أنه كان يريد جر المناضلين للعنف واعتقال القيادة فتصدى لذلك المناضلون بحكمة من خلال إخلاء الكلية، مما جعله يعود لثكنته وقد أفرغ رصاصه في الخواء، لكن في اليوم الموالي عاد المناضلون وكلهم حماس وعزيمة لمواجهة المخزن بصدور عارية وأصوات مدوية، إلا أنه لم يتجرأ واكتفى بالاستيلاء على ممتلكات الملتقى التي أعيدت قبل ختمه بإصرار المناضلين.

6- استثمار الملتقى لما بعده

تبقى النقطة الأخيرة والمهمة هي استثمار كل ما تمت الاستفادة منه في الملتقى من تكوين وتأطير وشحذ للهمم وتبادل للتجارب النضالية المختلفة بين المواقع، وأن تتم بلورته واستثماره عند العودة إلى الجامعات في زيادة الحس النضالي للطلبة والدعوة إلى تغيير وضعية الجامعة والأمة من خلال التأكيد على محورية الطالب في المجتمع، وتحسيسه بكل السياسات التي تهدف إلى شله فكريا وترسم له واقعا لا تطبعه إلا الآفاق المظلمة، لذلك ينبغي زرع الأمل في قلوب الطلبة وطمأنتهم أن المستقبل لهم، وأن الظلام مهما اشتد سواده فلا بد أن يبزغ فجر يلوح بالبياض، فإن موعدهم الصبح وما الصبح ببعيد، وما ضاع حق وراءه طالب.