ج- نظرية الدعوة والدولة وماهية الدولة

هنا يرد إشكال نوع الدولة التي تروم هذه النظرية إقامتها باعتبارها الوسيلة السياسية المحورية في المجتمع.

فمن الواضح أن نظرية الدعوة والدولة تُخرج الموضوع من دائرة النقاش العقيم الذي هيمن على النخبة مدة طويلة من الزمن، والمتعلق بماهية الدولة هل هي دينية أم مدنية، ذلك أن منطلق ومنطق النظرية ليس الجمع بين الدين والسياسة أو الفصل بينهما، لأن هذا أمر يتعلق بسياق التجربة الغربية، وأن إقحامه ضمن سياق آخر تَقَحم يؤدي إلى اضطراب شديد وارتباك بالغ الخطورة في العلاقات بين مكونات المجتمع؛ حيث لا يمكن إقناع إسلامي بدولة تحكم شعب مسلم لا علاقة لها بالدين الإسلامي، ولا إقناع لائكي بأن الدولة في مجتمع مسلم يجب أن تكون خادمة لهذا الاختيار العام.

فقاعدة النظرية أن الشعب مسلم. ومن هذا المنطلق يجب بناء النقاش حول ماهية الدولة، لأن الإصرار على فرض مضمون من خارج هذا المعطى إنما هو وسيلة التمزق وفرصة المتربص الخارجي للتدخل والذهاب مع معطى جزئي فرضته فترة الاستعمار وكان نتجية لواقع الانكسار القروني.

ولذلك، وفي هذا السياق الخاص، يناسب الموقف بحث العلاقة بين الدعوة والدولة حتى يحصل تجنب السقوط في فخ الانقسام “الإيديولوجي” الذي هو إفراز مرحلة الاستعمار وما ترتب عنها، وفي نفس الوقت تجنب هيمنة الفقيه ومنطق التفكير الفقهي على عملية تدبير الدولة وتسييرها، لأن نظرية الدعوة والدولة تعتبر الفقيه مجرد رجل دولة حيث عبر مؤسسته يواكب عملية الفتوى الجزئية وحصول المعنى الشرعي في جزئيات تصرفات ومبادرات الدولة في إطار عملية سلسلة ومنظمة ومفهومة. فالدعوة أكبر من وظيفة الفقيه التي تحتاج إليها الدولة في يوميات عملها، والدولة لايمكنها أن تتأبط الدعوة وتسخرها لأغراض محدودة وضيقة قد تعني شخصا أو أشخاص أو فئة أو فئات، إنها قضية الأمة التي تجني اليوم ويلات هيمنة السلطان على القرآن، حيث العكس في نظرية الدعوة والدولة؛ القرآن مهيمن على السلطان، لكن ليست الهيمنة التي عرفتها التجربة الغربية مع الكنيسة مطلقا.

هنا نستحضر تجربة نظرية ولاية الفقيه؛ حيث عند انتصار الثورة حرصت قيادتها مع الإمام الخميني على إعطاء الحكومة لشخصيات لها خبرة لكنها تؤمن بمفهوم الدولة كما صاغته التجربة الغربية؛ فكانت حكومة بني صدر وبازركان، ودعا الخميني الشعب إلى دعمهما، لكن الذي حصل أن هذه التجربة فشلت بعامل إصرار فريقي الحكومتين على إخراج حركة الدولة وبنائها من سياق الثورة الإسلامية المضمون إلى نمط الدولة كما تقدمها التجربة الغربية، وهو ما شكل رد فعل شعبي حيث اقتنعت قيادة الثورة بأن الحكومة يجب أن تكون بيد “رجال دين”، وهو رد فعل كان ضروريا للحفاظ على تماسك الثورة حينها، لكنه كرس انقساما حادا في وسط النخبة أفضى إلى مواجهات بين غالب التيارات اليسارية واللبيرالية وبين التيار الإسلامي استعملت فيه الأطراف السلاح فحسم بالسلاح المسند شعبيا ومن قيادة الثورة، الأمر الذي حافظ على هيمنة منطق الفقيه في تدبير الدولة وإن فتح لها عمقُ الثورة آفاقا عريضة.

طالع أيضا  تقديم "نظرية الدعوة والدولة"من خلال مأزق النظرية السياسية لدى الحركة الإسلامية المعاصرة (4)

وقد كرست هذا الانقسام تجارب ما سمي بالربيع العربي حيث القوة المجتمعية إسلامية في غالبيتها، لكن النخبة تصر إصرارا على نمط من الدولة لا يمثل إرادة غالبية الشعب، لذلك اتجهت الحركة الإسلامية في بعض هذه الدول إلى منطق التوافق الذي تريده الحركة الإسلامية آلية لتدبير المرحلة الانتقالية، في انتظار توفر شروط الاستقرار الكامل الذي يضمن الاختيار الحر الذي يبنى عليه مضمون العملية السياسية والدولة في ظل ما تفرزه الانتخابات الحرة، وتريده النخبة المغربة واقعا دائما يفرض تنازلات جوهرية ودائمة من طرف الحركة الإسلامية باعتبارها كما جماهيريا يجب أن يقوم بعملية ترويض وكبح إرادة المسلمين في تنظيم وجودهم على قواعد الإسلام ليبقى منشطا للعملية الديموقراطية الفوقية فقط. ومن الواضح أن عدم الخروج من هذا النفق سيؤدي إلى واقع من الاختناق والتشنج الذي يعرقل مسار استكمال الثورات التي لم يكن في جانب كبير منها الانتفاضة على أنظمة لفسادها واستبدادها فقط، بل لعدم التزامها بالدين ومحاربتها للتدين الإسلامي على الخصوص، وقد خاضت كثير من هذه الأنظمة العربية معارك ضارية تحت شعار “تجفيف المنابع” أي منابع التدين.

لقد عالجت نظرية ولاية الفقيه هذه اللحظة بالحسم الثوري، وأفرزت نظاما إسلاميا محكوما بهذه النظرية، ليبقى السؤال في تجربة الربيع العربي معروضا: هل هذا الإرباك والغموض في العملية السياسية والمجتمعية في هذه الدول سيبقى أصل هذه العملية مع الانتباه إلى ردود الفعل عليه المتنامية، والتي قد تصل إلى حد العنف الشامل، أم هناك مرحلة انتقالية، قد تطول لكنها تقدم مؤشرات على أن الحكم ونظامه ونمطه سيكون حسب أغلبية الشعب لا تحالف النخب؟

هنا تكون نظرية الدعوة والدولة -من خلال الفصل بين الدعوة والدولة والاشتغال على قاعدة الشورى العامة والتعبئة الشاملة للشعب والعمل على نظرية الميثاق، الذي قد يؤطر في لحظة اضطرارية حكومة توافق سياسي بين المكونات- تسهر على توظيف كل الطاقات في إدارة شؤون الأمة من خلال مؤسسات الدولة، لكنها لا تتنازل عن المضمون العام للعملية السياسية والمجتمعية الذي يجب أن يكون إسلاميا ما دام الكل مسلما طوعا لا كرها، لأن في التخلي عن هذا المضمون الذي لا يحرم الأمة من خدمات الكفاءات حتى ولو كانت من غير الدين الإسلامي، يهوديا أو مسيحيا مثلا، تدخل حركة الأمة العامة في نفق مظلم، وهو ما يعني تكريس التبعية والاستعمار بتكريس واقع الضعف والانشطار.

فليست نظرية الدعوة والدولة تكريسا لنوع من الدولة العلمانية اللائكية، كما هي ليست تكريسا لهيمنة رجال الدين عن الدولة كما عرفته التجربة الغربية، ولا فرض قبضة الفقيه والمنطق الفقهي المنحبس على حركة الدولة ونظامها الداخلي وعملها المجتمعي، بل لمصلحة الدعوة التي تهتم بالمصير، مصير الفرد عند الله تعالى ومصير الأمة التاريخي ومصير الإنسانية في حركتها الكونية أن لا تقحم نفسها في يوميات التدبير الحكومي البشري اليومي، كما لمصلحة هذا التدبير اليومي أن يتحرر من أي ثقل يعرقل نجاعة وجدوى الخدمة اليومية للمواطن والوطن حيث هذا الثقل تتكفل به مؤسسات الدعوة بحكم موقعها ومهمتها بما يوفر الكفاءة في التوجيه والارشاد المصيريين.

طالع أيضا  تقديم "نظرية الدعوة والدولة" من خلال مأزق النظرية السياسية لدى الحركة الإسلامية المعاصرة (3)

معنى هذا أن نظرية الدعوة والدولة لا تقبل في الوضع الطبيعي لحركة الأمة إلا الدولة الإسلامية التي تستثمر جميع كفاءات وخبرات الوطن مهما كانت اختياراتها مادامت منضبطة للاختيار المرجعي للأمة وهو الإسلام.

ودولة الإسلام، كما سلفت الإشارة، ليست دولة الفقيه وليست دولة رجل الدين وليست دولة عسكرية وفي نفس الوقت ليست دولة مدنية علمانية كما يريدها الغرب ونخبه المحلية، إنها دولة إسلامية لا تتحرك بمنطق الحد الفقهي سيفا مسلطا على رقاب الناس، لأن المعنى الفقهي الجزئي ترعاه حركة الوحي باعتباره كلية جامعة مبنية على معاني الرحمة والحكمة التي توظف قوة السلطان في مكانها المناسب والحكيم لترسيخ العدل وقيمه وقيامه، ومن بين مهام السلطان إجراءات تطبيق الحدود وفق نظام الوحي لا نظام الفقه الموروث كما تجسده بعض الحركات الإسلامية المعاصرة، لأن من مطالب وأسس نظرية الدعوة والدولة إرجاع العلاقة الصحيحة بين القرآن والسلطان وهي علاقة تحقق ثلاث كليات: كلية الرحمة وكلية الحكمة وكلية القوة التي لا تقبل العنف ولا تبني عليه، لأن كل ما يصدر منه وعنه شين، وتعمل بالرفق، لأن كل ما يصدر عنه ومنه زين. ومعناه أن الأصل هو إقامة واقع العدل والرحمة لا الحد الذي يأتي في درجة متأخرة في البناء مع الصرامة في القيام به في ظروفه وشروطه الشرعية.

ولذلك فالدولة الإسلامية، كما تعرضها وتبنيها نظرية الدعوة والدولة، هي دولة القرآن، كل القرآن، لا دولة الأحكام مجزأة مبعثرة، إذ في غير سياق حركة كل الوحي يكون تطبيق الأحكام الشرعية نقمة لا رحمة، وقطعا لا وصلا، وهو مقتضى مطالب وركائز هذه النظرية: الشورى والعدل والإحسان، إذ السياق الذي تصنعه حركة هذه الكليات الثلاثة هو محضن الاجتهاد الجزئي الفقهي الذي يرعاه وينظمه الاجتهاد الكلي باعتباره حركة جامعة تنظمها مؤسسات الدعوة على قواعد الشورى والإحسان وبنظام الجماعة الكامل.

ولذلك، فحركة الفقيه حركة جزئية، على أهميتها، ضمن نظرية الدعوة والدولة، حيث عمل الفقيه جزء من حركة الدولة ضمن تصديها لتفاصيل التدبير اليومي، إذ هو ليس رجل الدعوة بهذه الصفة.

وهذا التمييز الذي تعتمده هذه النظرية بين رجل الفقه وبين رجل الدعوة ضروري لتنظيم حركة الدعوة وبيان الأدوار، ذلك أن الخلط بين المهام في هذا المستوى عامل إرباك لحركة المجتمع عموما وللعملية السياسية خصوصا، وهو ما أكدته يوميات ماسمي بالربيع العربي، إذ كثير من التجارب الإسلامية أربكها، في لحظات حاسمة، هيمنة منطق الفقيه على تعبئتها وفتح آفاق عريضة لها (يكفي أن نذكر بنوع الخطاب الذي هيمن على ميادين رابعة والنهضة حيث كان لدى كثير ممن يصعدون المنصات خطاب انفعالي مبني على إثبات أحكام فقهية تجاه المخالفين، ونتذكر خطابات الشيخ علي بلحاج في الجزائر في مواكبة الحراك الجزائري بداية التسعينات، خاصة في فترة الانتخابات).

فنظرية الدعوة والدولة باعتبارها وسيلة علمية كبرى في تنظيم الحركة العامة للمجتمع ونظامه السياسي، فباستنادها إلى معنى الدعوة كما صاغته وجسدته التجربة النبوية كاملا تفتح الأفق الكبير لبناء نظام عالمي تستثمر فيه كل طاقات الأمة وخيراتها لتحقيق العدل بين المسلمين ليتأهلوا لقيامه مع تحالفهم مع المستضعفين في العالم، وذلك من مقتضى قوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

5. خاتمة

تؤكد الأحداث القائمة اليوم في عالمنا العربي والإسلامي أن من أكبر عوامل الفشل، خاصة في تجربة الحركة الإسلامية المعاصرة، خوضها معركة الوجود والمصير من دون نظرية سياسية كبيرة وجامعة.

طالع أيضا  تقديم "نظرية الدعوة والدولة"من خلال مأزق النظرية السياسية لدى الحركة الإسلامية المعاصرة (5)

فقد رهنت هذه الحركة عملها السياسي الشامل بارتهانها إلى مواقف سياسية وأفكار سياسية تستند إلى موروث من الفقه والفكر السياسيين الإسلاميين لم يصبح من مقدورهما التصدي لموضوع الصراع والتدافع السياسي محليا وإقليميا ودوليا.

فقد شكلت العمليات السياسية لدى الحركة الإسلامية مجرد ردات فعل متتالية على قضايا جوهرية في تاريخ الإنسانية، خاصة اتجاه الاستعمار، وانهيار الدولة العثمانية، وحدث الثورة الإيرانية بقيادة الخميني، خاصة لما وجدت هذه الثورة نفسها في مرحلة تاريخية مضطرة إلى تحالف مصيري مع دول غربية، كروسيا، ومع أنظمة عربية استبدادية كالنظام السوري والعراقي الذي أفرزه الغزو الأمريكي للعراق.

ولما انتفضت الشعوب مع ماسمي بالربيع العربي تصدت هذه الحركات إلى قيادة حراك هذه الانتفاضات في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد من دون نظرية سياسية واضحة ومتكاملة مما أوقعها في السقوط عند أول منعرجات مسار بناء الأنظمة السياسية الكبرى، خاصة بعد الثورة، وهو ما كشف في نفس الوقت عن السؤال الذي لم يخضع بعد للبحث الكافي المتعلق بماهية ونوعية القيادة التي يجب أن تقود عملية التغيير والإصلاح في المجتمعات الإسلامية.

في ظل هذه المعطيات العلمية والمعرفية والواقعية تظهر تجربتين في العامل الإسلامي.

الأولى جربت وتجرب من خلال الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني، وهي نظرية ولاية الفقيه، والثانية ما تقدم بعرضه منذ أواخر ستينيات القرن الميلادي الماضي الإمام عبد السلام ياسين تحت عنوان نظرية الدعوة والدولة وسهر على تفصيلها وبيان مضمونها طيلة حياته من خلال مؤلفاته الغزيرة والعديدة ومن خلال بناء تجربة جماعة العدل والإحسان عبر عرض مشروع العدل والإحسان منتظما في اجتهاد علمي جذري هو “المنهاج النبوي”.

لقد وفرت نظرية ولاية الفقيه من الرصيد العلمي والعملي منذ الثورة عام 1979م إلى اليوم ما يكشف نتائجها ومدى صلاحيتها حيث تدلل الواقع على أنها لم تصمد أمام الأحداث التي عرفتها المنطقة والعالم.

في حين نجد أن تجربة بناء تنظيم وحركة العدل والإحسان على قواعد وأسس هذه النظرية الكبرى ما زالت تدلل على أنها اجتهاد علمي وعملي يستحق الدراسة والبحث في أفق استشراف واقع سياسي ومجتمعي يخرج الحركة الإسلامية من موقف ردة الفعل إلى موقع العمل التاريخي الذي يضمن بناء أمة قوية وموحدة وخادمة للمستضعفين. وهو ما حاول هذا البحث المتواضع عرضه.

والله وحده الموفق للصواب لا إله إلا هو والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.