في 15 مارس/آذار دخلت الثورة السورية سنتها الخامسة، وبذلك تطفئ شمعتها (مع عدم وجود مناسبة بين اللفظة وما يموج في سوريا من تقتيل وما يسيل فيها من دماء) الرابعة، ولا جديد تحت شمس شام المعري، سوى تنامي سلسلة أرقام الضحايا من القتلى والجرحى واللاجئين، وكأننا بسوريا تصارع تشاؤم ابنها الشاعر المتبرم، وتأبى البوح بمآلاتها والكشف عن آفاقها، تُمعِن في التمنع وهي راغبة في خلاص أبنائها، حتى لا يكون لأحد فضل عليها من غير سواعدها.

نظام آثر المجازر والمقابر على الرضوخ والانصياع لأصوات الحق. نظام لا يملك من مقومات النظام، ولا من عناصر القوة إلا من حيث تقاطعه مع مصالح دول إقليمية في المنطقة، تماشىت مسارات الأحداث وتطوراتها مع ما كانت تأمله وتعمل له، فقوَّت شوكته مرحليا. تملي عليه أجندتها وتعضدها بالمال والجند والسلاح، والنتيجة فنون من الإجرام والتنكيل، مع الإخلال في نقل حجم المعاناة، على اعتبار أن العبارة قاصرة عن نقل الواقع الأليم بحذافره.

وقد أبانت مجزرة الغوطة، التي أقدم عليها جيش الأسد في سوريا، قبل عام ونصف، في آب أغسطس من سنة 2013، عن بدء مرحلة جديدة من حلقات مسلسل الإبادة الجماعية، وسياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها “حماة الديار”، منذ أربع سنوات.

مرحلة توثر فيها آلة الأسد حصد أكبر عدد ممكن من الأرواح، لتغيير بنية النسيج الديمغرافي لأرض الشام، وتعديلها على أساس خدمة مآرب طائفية مقيتة لا شية فيها.

وهو ما كان ملاحظا محسوسا منذ الأيام الأولى لانطلاق ثورة العزة والكرامة، إلا أن الجديد في المشهد، نهْج “النظام” لتكتيكين اثنين في أفق استراتيجية التركيع أو الإبادة، الأول: استخدام السلاح الكيماوي الممنوع دوليا تحت عديد من الاتفاقيات، من بينها اتفاقية جنيف.

الغوطة، وإن لم تكن الأولى في الاستهداف بهذا النوع من الأسلحة، فإنها نالت حصة الأسد من قصف الأسد. ذلك أن مجموع الشهداء الذين ارتقوا في المجزرة ينيف عن الألف بالنصف، أما مجموع شهداء المناطق التي قُصِفت بذات السلاح، مجتمعة، فلا تصل إلى هذا الرقم مع ضخامته بدوره. وهذا ما يفسر الازدياد المهول في أرقام القتلى الشهداء، نهج يتماشى وسياسة الاستنزاف.

إذن فلجوء النظام الخرِب إلى هذا السلاح، ينطوي على مسألتين:

أُولاهما: رغبته في إسكات أكبر عدد ممكن من أصوات “يسقط حكم الأسد”، وهي رغبة تترجم شعار “الأسد أو نحرق البلد”.

وعبْر “تكتيك الكيماوي” يصل إلى التكتيك الثاني، وهو بث الذعر والخوف في نفوس السوريين، وهم يرون آباءهم وأمهاتهم، أبناءهم وبناتهم تُسفَك دماؤهم، وتُزهَق أرواحهم.

ثانيهما: فشله في تحقيق تقدم على أرض المعركة، وانحسار مناطق سيطرته، وتكبده خسائر أمام الجيش الحر، الذي تنبني عقيدته القتالية على الجهاد في سبيل المستضعفين والدفاع عنهم، وهو أصل أصيل من أصول الجهاد في الإسلام، ودافِع نبيل من دوافع “الخروج” يعطي جنود “الحر” مضاء على العزم، وعزما على المضي في الطريق مهما انتكست النتائج المرحلية، فأعينهم على الخاتمة، ويقينهم أنْ سيختم الله للذين أحسنوا بالحسنى.

عكس جيش النظام الذي يعيش حالة من الفوضى، دون أن يكون عند جنوده هدف معين أو دافع قوي للقتال إلا تنفيذ الأوامر والتعليمات، أو دافع طائفي يَعتبِر من في صف الآخر “نجسا” كما هو ثابت في أباطيل بعض طوائف الشيعة، وهي كلها دوافع واهية، تسقط أمام المنطق والعاطفة ودماء الأطفال والشيوخ والنساء، تسقط عاجزة مع مدد الله.

ويأتي استهداف الأطفال، في مجزرة الغوطة، في إطار استكمال دورات الإبادة، ونشر الخوف، مع ما يشكله موت الأطفال من ضغط نفسي رهيب على السوريين حتى ينفَضُّوا، وينفَضُوا أيديهم من هذه الثورة المجيدة، ويتراجعوا خطوة إلى الخلف، ليعتزلوا الميادين ومساندة الأحرار ولو تصفيقا.

لا شك أنْ ستكون دماء أطفال الغوطة، وغيرها من المناطق السورية لعنة على الزمرة الأسدية الإجرامية. زمرة ابتلعتها مسرحية من تأليفها تحت اسم “الجماعات المسلحة”، والعقل البشري السليم يقف عاجزا عن فهم فصولها، فهو لا يمكن أن يستوعب أكثر من احتمالين: فإما أن يكون الأطفال المبادون جماعات مسلحة، وإما أن تكون الجماعات المسلحة هي من أبادت الأطفال. المجنون من يعتقد الاحتمال الأول، والمخبول من يظن الثاني، فأكثر الجماعات المسلحة فتكا ودموية، مهما اختلفت عقيدتها وخلفياتها ودوافعها، ومهما تفاقم من حقدها، وتكاثر من حنقها فلن تقسو على الأطفال قساوة هذه العصابة.

فالسوريون لا يذكرون مجازر ارتُكبت في حق أطفالهم وبراعمهم وزهراتهم الطاهرة طهر الملائكة من قِبَل العدو الصهيوني، كما يتذكرون ويوثقون ويدونون، يوما بعد يوم، يوميات المذابح بماركات مسجلة تحت: صنع محليا، صنع في إيران، صنع في روسيا، MADE IN CHINA…

إن إبادة هذه الملائكة الأرضية لهي بنزين هذه الثورة، التي لن ينكفئ نورها، ولن تدخل ظلمات المجهول، كما يروج لذلك البعض، فتلك أمانيهم…

منصورة لأنها على نور الملائكة، كيفما تَلوَّن الإجرام، ومهما تَفنَّن النظام.