تأصيل

يقول الحق سبحانه: إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم 1 . قيل في تفسير الآية: الإفك أبلغ ما يكون الكذب والافتراء، والمقصود به تخصيصا هو افتراء المنافقين ـ وعلى رأسهم ابن سلول ـ على أم المؤمنين عائشة واتهامها في عرضها في محاولة للنيل من شرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدش مقام النبوة.

وتقريرا لحُرمة الشرف والعِـرض، اعتبر القرآن الكريم الخوض فيه من غير بينة إفكا مبينا وبهتانا عظيما. إن رمي الأبرياء وطعنهم في أعراضهم من أعظم الموبقات والجرائم، لذلك جاء العتاب القرآني لمن انخرط بوعي أو عن غير وعي في هذه المؤامرة من خلال ثلاثة مستويات: قَبولا وسؤالا ونشرا، يقول عز سلطانه: وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم 2 .

صناعة الإفك والبهتان

منذ نشأتها قبل عقود، تعرضت جماعة العدل والإحسان لأنماط شتى من المؤامرات، فبعد أسلوب الاعتقال والحصار، لجأ المخزن إلى التشويش والأراجيف والشائعات، وأوعز لـ”بلاطجته” بطبع الكتب وتسجيل الأشرطة المرئي منها والمسموع، وجند أقلاما تدعي الأكاديمية والبحث العلمي للتنقيب في أدبياتها لفضح تناقضاتها التصورية وكفرها بالديمقراطية وخطرها على الديمقراطيين، واختلق منافسين وهميين لها في الساحات السياسية والطلابية والدعوية، قبل أن ينفذ صبره لينتقل إلى سرعة أكبر فيغرق المحاكم بآلاف أعضائها نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا، ويشمع البيوت ويطرد أهلها، ويضيق على الأرزاق و”يبتكر” التهم ليجز بالأبرياء في غياهب السجون: طلبة وجدة، مختطفو فاس السبعة، عمر محب، يحيى فضل الله …

ولما تيقن أن هذه المضايقات تفتِل في حبل شعبية الجماعة وتقوي حضورها في المجتمع، قرر المخزن أن يستهدف رموزها وقيادييها في عفتهم وشرفهم، بتهمة الخيانة الزوجية، وأنى له ذلك، فالشعب، عموم الشعب، يعلم علم اليقين نوايا المخزن، فكيف لمن يعتمد نشر الفواحش آلية للتصدي لجبهة الممانعة ومقاومة الاستبداد أن ينصِّب نفسه منافحا عن العفة؟

أسلوب دنيء ينم عن ضعف وعجز عن إدارة الصراع ـ المعلن من طرف المخزن على الجماعة ـ وعجز عن المواجهة الشريفة، وإلا ما الذي يمنع دولة بهيئاتها و”مفكريها” أن تنازل الجماعة من خلال حوار هادئ حول مشروعها التغييري وتصورها لإخراج البلاد مما هي فيه من انسداد أفق في أكثر من مجال، أو تثبت عبثية المعارضة التي تزعجها ـ والجماعة من مكوناتها ـ لينصرف عنها الشعب ويرتاح العباد والبلاد.

أتساءل كما يتساءل كل عاقل: ما الذي يجعل جماعة العدل والإحسان تحظى بكل هذا “الاهتمام” المخزني؟ ولماذا كل هذا التركيز عليها واستهدافها بتهم مفبركة سيئة الإخراج؟ فإذا كان الأمر كما يقول لسان حال المخزن: “العدل والإحسان جماعة خرافية، ظلامية، منبوذة شعبيا، لا تملك رؤيا سياسية”، فهي أضعف من الانشغال بها وتبذير أموال ومقدرات الشعب ـ المخزن أعلم بمبالغها ـ لاقتفاء خطوات أعضائها وهيئاتها؟

كلمة أخيرة نهمس بها في أذن من ما زالت فيه مُسحَةُ مروءةٍ وحياءٍ قول الله تعالى ووعيدُه لمن لا يتورع عن استهداف أعراض الأبرياء لعله يَرْعَـوي: والذين يوذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا 3 .


[1] سورة النور، الآية: 11.\
[2] سورة النور، الآية: 15.\
[3] سورة الأحزاب، الآية: 58.\