تقديم

يطرح الإمام المجدد عبد السلام ياسين مشروعا مجتمعيا تغييريا تكامليا أحاطت به كتبه المتعددة والمتنوعة في مختلف المجالات، يقوم على ركيزتين أساسيتين لهما توابع أخرى. الركيزتان يحملهما شعار الجماعة: العدل والإحسان.

وإذا كان من معاني الإحسان الإتقان، فإن الإتقان مطلوب في كل شيء، لذلك حرص الإمام المجدد على أن يكون مشروعه التغييري الموضوع للمستقبل مبنيا بإتقان على دراسة تاريخ الأمة وفهمه، مع حلحلة تراثها وبيان غثه من سمينه، وتسلق الجدر العليا في بيانه دون الانغماس في تفاصيله، حتى لا تختلف السبل وتضيع الوجهة في ثناياه المتناثرة، متتلمذا لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته له، والإنصات له صلى الله عليه وسلم في تنبؤاته الغيبية لما ستتعرض له الأمة من هوى سحيق يدحرجها إلى دركات الانحطاط والتفكك، حتى تصير قصعة تفتك بها أنياب المتداعين عليها بسبب عناصر القابلية للانهزام والتخلف فيها، القابلية التي ولدها داء فساد الحكم المزمن فيها.

ولئن كان دارسو التاريخ الإسلامي من علمائنا المسلمين جمعوا ووثقوا واستحدثوا مناهج لقراءته، فإن معظمهم سكت عن اللحظة الفارقة التي أوهنت جسد الأمة سواء بقصد أو غيره، وانتقلت به من مرحلة الخلافة الراشدة إلى مرحلة الملك العضوض فالجبري، لحظة الانكسار التاريخي، التي أوجدت واقعا جديدا تغير فيه ما بنته النبوة والخلافة الراشدة من وضع جعل الكفاءة الإيمانية والرجل وسابقته، والرجل وغناءه في الإسلام، والرجل وحظه من الله، على حد تعبير الفاروق رضي الله عنه، والكفاءة التنظيمية، أهم مؤهلات الخليفة دون نظر إلى قبيلة أو عرق أو جنس أو أسرة، إلى وضع العض والجبر الذى أوجد له أرضية مغايرة وقواما آخر، تم فيه استيلاء الولاء للقومية والطاغوت، وتحكم الطبقية وتسلط الحكم الفاسد، فسقيت بذلك بذور نشأته، حتى ترعرع واستوى على سوقه.

فما الذي ميز قراءة الإمام للتاريخ الإسلامي؟ وما هو الانكسار التاريخي عنده؟ وما هي مفاسده؟ وما الهدي النبوي في إعادة بناء الأمة وسد عرا الاسلام المنحلة؟ ليعود الإسلام كتلة واحدة تجتمع فيه ثنائيات تكامله: الدعوة والدولة، القرآن والسلطان، الإيمان والعقل، الروح والجسد… قبل البدء في بيان منهج الإمام في قراءته للتاريخ الإسلامي لا بد من الإشارة إلى مزالق حذر منها في التعامل مع التاريخ الإسلامي.

مزالق منهجية

– قراءة التاريخ لا تعني الخوض في تفاصيله: حتى لا نصاب بنوع من التأثر الوجداني والعاطفي، يدفعنا إلى الانتقاص من هذا أو ذاك، سيما إذا كان الفاعلون فيه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يفعل الروافض، كما لا يجب علينا تقديس هذا التاريخ بزعم أن الله عصم سيوفنا من فتنه فلنعصم ألستنا منها، مما يطمس حقائق معرفتها شرط في بناء المستقبل، وجهلها تأبيد لغشم العض والجبر وتبرير للقعود في مواجهته.

– تجنب التعامل مع التراث التاريخي الإسلامي كركام ثقافي: انقضت فوائده بانقضاء أحداثه، فلا فائدة من الرجوع إليه، والعيش على تراث الأموات لأنه أصبح جزءا من الماضي. بل على العكس من ذلك علينا أن بحث في هذا التاريخ، لكي نوضح كيف قام أهل الحق في لحظات مشرقة في محاربة الظلم والظالمين حتى نسحب البساط من فقهاء تبرير غلبة السلطان بالسيف، والتأويل له.

– تجنب القراءة المعوجة والانتقائية والحرفية لنصوص الطاعة والبيعة: المفصولة عن واقع التطبيق وسياقاته الشاملة والنظر الكلي مقترنة بالنظر الشرعي والإخبار النبوي، وفق سنة الله الكونية، مع الحرص على فهم اجتهادات من سبقونا في آنيتها التي أملتها مصلحة حفظ أمة الإسلام، وأملتها أيضا سيوف السلطان المسلطة على الرقاب، حتى لا نسقطها على واقعنا مع اختلاف الحال والمكان.

– التفريق بين تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين: يجب التمييز بين تاريخ الفتن، وهو تاريخ المسلمين، وبين تاريخ الإسلام الذي كان نموذجا رائعا في اتجاهه وإنجازاته على عهد النبوة والخلافة الراشدة، حتى لا نسقط في شراك قراءة القوميين العلمانيين الذين يعتبرون تاريخنا كتلة واحدة، نسبية كلها، جدلية كلها، تحمل بداياتها جراثيم تطورها وانجرافها، تفسر نهاياتها في زمن التخلف والهزيمة هذا محدودية الدعوة المحمدية وإقليميتها ومكانها في سلم التطور الاجتماعي الساري في المجتمعات البشرية المؤتمر بحتمية مادية جدلية. ما كان الدين والإيمان والله والآخرة والوحي إلا مقولات إديولوجية خدمت لزمان فات ومات مشروعا كان ثوريا في زمانه.

)وحتى لا تنطلي علينا ذهنية التقليد الراسخة عند بعض الناس من المسلمين، ومن الكتاب المحسوبين على الدعوة الذين يفكرون ويوصون ويجتهدون في حدود نمط الحكم الأموي، والمجد العباسي، والشوكة العثمانية، والفقه الفروعي، والعقيدة الجدلية عند علماء الكلام، والدفاع بلا تمييز عن تاريخ المسلمين يحسبونه تاريخ الإسلام.

)ولكي لا نغفل عَنْ كَوْنِ تاريخ المسلمين مَلِيئاً بِالجنايات التي ارتكبت بِاسْمِ الإسلام فِي كل قرن مِن القرون الأربعة عشر الخالية) 1 .

– الالتزام بفقه الاستشراف لا بفقه التقعيد: فإخباريات النبي صلى الله عليه وسلم واستشرافه بما سيقع من انتقاض لعرى الإسلام وانتقال الحكم من خلافة راشدة إلى ملك عضوض، فيه تحذير لنا منه، وليس قبولا به واستسلاما له، فذهب كثير من فقهائنا المسلمين يفصلون ويستنبطون، ويشرعون في الفروع في طاعة الإمام حتى ولو كان فاسقا وعدم الخروج عن الجماعة، وهم في غفلة عن مقاصد الإسلام ومطالب الشريعة، ويضرب لنا الإمام رحمه الله مثالا واضحا في قضية الرق والعبودية منتقدا هذا المنهج، يقول: كان الرِّق نظاما شرعيا للتعامل مع أسرى الحرب، إيوائهم من خوف، وضمهم إلى أسرة مسلمة تربي وتعلم وتؤلف القلوب بحسن المعاملة بما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نطعمهم مما نَطْعَم ونكسوهم مما نكتسي. جريمةُ اللاعبين بالدين، الناقضين لعُراه، أن أحالوا نظاما إنسانيا رحيما يَعُد تحرير الرقاب المؤمنة نية قربة إلى الله مرْبَح تجارة وبضاعة سوق وحظيرة دواجن بشرية، يكتب الملك بأوصاف المطلوب منها كما يوصي المرء سائس الخيل بشيات الخيل. نِخاسَةً وإهانة للمرأة وخِطّةَ خسْفٍ وخِسة أصبحت الرحمة التي نطق به المصطفى صلى الله عليه وسلم في فِتيان المسلمين وفتياتهم بقوله: )“هم إخوانكم وَخَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليُطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبَس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه”.) 2 .


[1] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص 44.\
[2] عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ص 44.\