أضحى الحديث عن قضية المرأة مرتبطا بتاريخ 08 آذار/مارس، ففي مثل هذا اليوم، تتعالى أصوات بتحرير المرأة، وتنوير المرأة، وإنصاف المرأة، ومساواتها بالرجل.

فما حقيقة هذه الأصوات؟ وما حجمها؟

وإن كان “التحرير” واقعا، فبم؟ ومِمّ؟ ولِم؟

وهل 08 مارس: رغبة في تنوير المرأة أم إمعان في مشروع التعرية؟ التعرية من الحياء، التعرية من القيم، التعرية من كل شيء؟

للخوض في معترك القضية، لا بد من استدعاء الكرونولوجية التاريخية والسياق الموضوعي لهذا “الاحتفال العالمي”، حتى لا تُختطَف الرمزية، وكي لا تمرَّر الأباطيل بمعاذير صادقة في عمقها وسياقها، فكم من حق أريد به باطل.

ففي 08 من آذار سنة 1908 (وقبلها في 1856) خرجت النساء العاملات في أمريكا احتجاجا على ما يطلنهن من الحيف والتمييز بينهن وبين الرجال، حيث كن يكلفن في معامل النسيج بأعمال شاقة ومهينة لكرامتهن، أعمال تأنف منها النفوس الأبية التي لا ترضى بالضيم، بينما كان راتبهن هزيلا، مقارنة بالرجال، لا يتماشى مع ما يبذلنه من جهد. ونتيجة لذلك، قررن، في مثل هذا اليوم (8 مارس) كسر سيف الظلم المسلط على رقابهن، وخرجن إلى الشارع، باعتباره أيقونة للثورة على كل واقع مرير، متظاهرات، رافعات عقيرتهن بالمطالب المشروعة في المساواة، وحقَّ لهن ذلك، وتحقَّق.

إلا أن الاحتفال، في العقود الأخيرة، بدأ يحمل في طياته همزا ولمزا إلى أن الإسلام هو سبب انحطاط المرأة وتخلفها.

فما الذي تطلبه “الحركات النسائية” (مع تحفظنا على العبارة) وبخاصة في بلاد الإسلام؟

فما لحق المرأة المسلمة من ظلم ويلحقها، إنما هي في ذلك مع الرجل سواء، فهو نفسه قد شرب من نفس الكأس المرة. والطامة الأدهى والنائبة الأنكى، أن الوضع مستمر، مادامت كنانة الاستبداد وجعبة الاستعباد ترمي بسهام الإذلال ونصال التركيع والإخضاع. ستبقى المرأة، كما الرجل، سواء، يرزحان تحت كلكل الظلم ودهاقين الجبر متى وهنت شكيمتهما، وأبانا عن قابليتهما للطاعة والانقياد، في مقابل اشتداد الهجمة واعتدادها. يستمر الوضع، متى قبلت المرأة، وقبل الرجل مخطط الاستحمار، ومشروع الاستخفاف.

فتبعا لذلك، تعرضت المرأة، في هذا الوضع، لما تعرض له أخوها الرجل من تجهيل وتخويف وتفقير، ذلك أن الاستبداد رأس كل فساد.

ولقضية المرأة أهميتها ومكانتها في التصور الإسلامي، لا ينكر ذلك إلا جامد، ولا يشكك في ذلك إلا متربص وجاحد.

فالإسلام عني بالمرأة وأقرّ لها حقوقها وواجباتها أسوة بشقيقها الرجل؛ بل إن الإسلام قد رفع المرأة مرتبة، لا يتأتى معها لمرتادي سوق النخاسة العصري أن تصلها فيها أيديهم الماسكة باليورو والدولار، المتاجرة في الأجساد، المروجة لصور المرأة “النموذجية” و”المتحررة”.

وإذ يفعل الإسلام ذلك، فهو يريد إجلال المرأة وإكبارها لا إقبارها، وتبويئها مكانة لا تصلها، فيها، الأيادي الآثمة العابثة بالأعراض، الماسخة للطبيعة والأشكال، درجة لا تنزل بها إلى دركات الانحلال، ومهاوي سوق العهر والانحطاط.

بهذا، تصير “المساواة”، التي ينادي بها البعض، ظلما محضا للمرأة؛ فإذا كان الإسلام يريد من الرجل أن يرفع المرأة درجة فوقه، فإن المساواة تقضي بأن تنكص عن علوها وتنزل درجة لتستوي بالرجل، وهذا يُحمّل المرأة مَنقصَة لا تخفى على ذي قليل نباهة وكياسة.

يقول، الذائد على حياض كرامة المرأة، رسول الله صلى الله عليه وسلم موصيا بالنساء خيرا: “… مَا أَكْرَمَهُنَّ إِلاَّ كَرِيمٌ، وَمَا أَهَانَهُنَّ إِلاَّ لَئِيمٌ”. والمساواة تنسف هذا الحق، حق الإكرام والإجلال، من أساسه، ألم تر أن المساواة تُلزم المرأة بأن تأتي أعمالا شاقة لا تتحملها قدراتها البدنية؛ وهي، لا جرم، أبعد من أن تكون قادرة على الصبر، وقت العمل، في أماكن نائية وقاسية مناخيا وجغرافيا.

فنحن إن رفضنا بأن تعمل المرأة في مثل هذه الأوضاع، ووفّرنا لها من الظروف ما يليق بها، فقد كرّمناها؛ وإن رضينا بعملها فيما وصّفناه، وتطلبه هي (المساواة)، جاهدة مكدودة، فقد ملَّكنا يمينها بأغلى أماني “المرأة المتحررة”، وناولناها أسمى ما تأمله “أصوات المساواة”، فلتنعم في شقاء المساواة!

ونسوق لـ”ظلم المساواة” مثالا آخر: لنفترض أن هناك طابورا ينتظم فيه 100 رجل لقضاء مصلحة معينة في إدارة ما، يدخلون أُحادَ، وجاءت امرأة لقضاء نفس المصلحة في الطابور ذاته، فواجب الإكرام، هنا، يُلزِم أصحاب الطابور بتقديم المرأة وفسح المجال لها حتى لا تتجشم عناء الانتظار، وما أقسى الانتظار في إداراتنا، أما إن حكّمنا منطق المساواة، فواجب المرأة أن تلزَم مكانها في الطابور حتى يحين دورها. ما أبشعه من ظلم، وما أفظعها من مساواة.

تأسيسا على ما سبق، فالمرأة المسلمة مكرمة مصونة، وهذا لا ينفي وجود عقلية جامدة عند بعض المسلمين، ظلمت المرأة ظلما شنيعا، من جراء الفهم الخاطئ لديننا الحنيف؛ وهذا، قطعا، لا يدل على أن الدين سبب لتخلف المرأة وظلمها، إنما هو راجع، أساسا، لتخلف العقلية التي فسرت النصوص النقلية من منطلق هواها، لسوء الفهم، أو جرم الجهل، فقست على المرأة؛ وحمَلها المغرضون ذريعة لدعوة المرأة إلى التحرر، وهم يضمرون، في ذلك، التحرر من القيم الدينية وأصول الهوية.

ولا ننفي، أيضا، وجود عادات وتقاليد عند المسلمين تكرست في مجتمعاتنا، حتى اكتست طابع المقدس، جعلت المرأة عند أقدام الرجل، ترسف في أغلالها، وكأنما جاء بها من السوق أَمَة لتسهر على خدمته وامتصاص شهواته فحسب. هي عادات لا سبيل لها إلى الإسلام، إنما هي جزائر حجرية متصلبة معزولة، لا رابط بينها وبين سماحة الإسلام وعدله. فلا يجب أن يحمَّل الإسلام جرم ظلم المرأة، فالإسلام ذاته معتقل مظلوم، قابع خلف قضبان الاستبداد.

هذه هي مكانة المرأة في الإسلام، أفبعد كل هذا يستقيم أن نحمّل الحنفية السمحة أوزار العادات والجامدين والجاهلين والمستبدين؛ لكن لنلقي نظرة على مكانة المرأة في الجاهلية والمسيحية واليهودية بعد تحريفهما، فبذكر النقم تُحمد النعم، وباستحضار قتامة السواد يستحسن صفاء البياض.

كانت المرأة في الجاهلية، إن نجت من الوأد، تُحرم من الميراث، بل وتورَّث؛ فكانت المرأة من جملة ما يرثه الرجل من متاع وأموال، تنتقل من يد إلى يد وكأنها جماد أو تكاد.

أما عند أتباع الديانة المسيحية فالمرأة عندهم رأس كل خطيئة ومصيبة، وسبب انحلال المجتمع، وأن الزواج بها دنس من عمل الشيطان، وقالوا بشأنها: “النساء تخرس وتخضع”. أما في الديانة اليهودية فقضوا بحِرمة مجالسة المرأة الحائض، فهم يعتزلونها في المأكل والمرقد. وجعلوا شهادة مائة (100) امرأة تعادل شهادة رجل واحد.

وفي إنجلترا، وإلى عهد قريب (1901) كان عقد القران، الذي يرتبط بموجبه الرجل بالمرأة، أقرب ما يكون إلى عقد بيع وشراء منه إلى عقد زواج. فكان الرجل إذا أراد تطليق قرينته، ربط الحبل بعنقها وساقَها إلى السوق، يبيعها في شكل مزاد علني، والذي يدفع أكبر قدر من المال تصير من نصيبه (أو قل من ممتلكاته)، وحكت إحداهن، مؤخرا، لمحكمة جنح بمدينة ليدز (شمال إنجلترا) قصة بيعها مقابل يورو فقط. هكذا كانت المرأة تنتقل من رجل لآخر كما ينتقل الأثاث.

كما أن المرأة في المجتمعات غير المسلمة، إذا تزوجت كان، لزاما، عليها أن تحمل نسب زوجها في مقابل ضمور نسبها (يحرم ذلك في الإسلام)، فهل يصح الكلام عن التحرر بعد كل هذا.

ورب قائل: “إنما هذه قشور لا ترقى أن تكون دلائل احتجاج في القضية”. لكن نقول بأن الضنين على القشور لا يجود بالأنفس منه، لا يجود إلا كمن يزهد في الثلث الرابع والربع الخامس 1 .

هذه نماذج من صور المرأة خارج دائرة الإسلام، ولا يتسع المقال لذكر غيرها، لأنها صور عديدة، لا يمكن أن يحصرها مقال، ولا أن يلُمّها لسان. بالمجمل هي صورة بئيسة تعيسة، لا يمكن لعاقل أن يستصيغها لشناعتها.

وعليه، يبقى الاحتفال باليوم العالمي للمرأة مقبولا، نستقبله كل سنة بحذر، ونتعايش مع حاملي مشروعه بإعمال فكر ونظر؛ فلا نرفضه جملة، كون مبتدئه أصيلا وصافيا وجليا (ثورة على الظلم)؛ ولا نقبله جملة، لما يحمله من عناصر هدم للمجتمع، يتبنى فكرته المتحاملون على الأمة بأهداف معلنة وغير معلنة.

ليظل “التحرير” دعوة مردودة، ودعوى يعوزها عضد الصدق.


[1] حسابيا، لا وجود للثلث الرابع والربع الخامس … معناه: زهد في غير الموجود، وجود بالمفقود.\