2- اللقاءات التشاورية لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني

في السياق ذاته، سياق الاستجابة للتعليمات الملكية، نظمت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني سلسلة من اللقاءات سمتها بـاللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية) غطت الفترة الممتدة من 28 أبريل إلى 15 يوينو 2014 وذلك على المستوى المركزي والجهوي والإقليمي والمحلي. وكان من نتائج هذه اللقاءات تجميع كم من الوثائق على شكل تقارير موضوعاتية مختلفة.

بقراءتنا وتمحيصنا لهذا الكم الوثائقي نجد أنه على مستوى الخطاب يتم الإعلان عن كون هذه اللقاءات هي مؤطرة بثلاثة عناصر أساسية، السياق، والأهداف، والمواضيع، كما أنها مدعومة ببعد إحصائي، وببعد استشرافي متجه نحو المستقبل. وكانت لها خلاصات هي عبارة عن تقارير تركيبية تجميعية لهذه المشاورات جهويا ووطنيا بمدخلي الموضوعات والفئات تم الإعلان عنها في ملتقى صحفي.

1-2: السياق

تحكم هذه اللقاءات التشاورية سياقيا:

– الخطب الملكية؛

– مقتضيات الدستور الجديد؛

– البرنامج الحكومي؛

– استحضار “رؤية وانتظارات المجتمع بمختلف أطيافه”؛

– الرغبة في تحقيق التعبئة الشاملة للمجتمع.

2-2: الأهداف

تحدد هذه الوثائق أهداف اللقاءات التشاورية في محورين:

* محور تشخيصي: يتجه إلى رصد الاختلالات لتوفير تحليل موضوعي لأسباب إخفاق المنظومة التربوية؛

* محور استشرافي: ذي أبعاد ثلاثة؛ بعد استقصائي يتم التعرف فيه على انتظارات جميع الفئات، وبعد اقتراحي: يبلور اقتراحات عملية، وبعد تخطيطي يرسم معالم وأولويات المشروع الجديد للإصلاح.

3-2: المواضيع

أطرت هذه اللقاءات بمجموعة من المواضيع تعرضت لـ:

– السياسة التربوية؛

– المنهاج التربوي؛

– تدريس اللغات؛

– الحكامة؛

– الحياة المدرسية؛

– التعبئة المجتمعية؛

– الإعلام والتوجيه؛

– المسار المهني؛

– إدارة المؤسسات التعليمية؛

– تكوين الأساتذة؛

– التكوين المهني؛

– صورة المدرسة؛

– جودة التدبير.

4-2: البعد الإحصائي

من الإحصاءات ذات الدلالة في الوثائق المقدمة ما يلي:

– شارك في المشاورات المعقودة على مستوى الأسلاك التعليمية 39% من مؤسسات التعليم الابتدائي، و42% من مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي، و45% من مؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي؛

طالع أيضا  اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية.. لغة الخيبة ومآلات الفشل (4)

– على مستوى الوسط بلغت نسبة مشاركة الوسط الحضري 52% و48% بالنسبة للوسط القروي؛

– بلغت عدد الإشكاليات المرتبطة بالسياسة التعليمية 33 إشكالية؛

– سجلت إشكالات النموذج البيداغوجي طرحا وتحليلا واقتراحا 198 تكرارا؛

– ومثلت إشكالات الحكامة مع النموذج البيداغوجي ما نسبته 56.05% من مجموع الأفكار المتداولة بتكرار وصل إلى 572 تكرارا.

5-2: البعد الاستشرافي

يتحدد المنتج المعروض في شكل مشروع تربوي يرفع شعاري الجدة والاتجاه إلى المستقبل من خلال مقولة: “مدرسة جديدة من أجل مواطن الغد”. وتعلن الوثائق المنجزة أن البعد الاستشرافي المقدم يتأسس على خطة منهجية ذات مراحل ثلاث مؤطرة برؤية مستقبلية ذات مبادئ وتدابير.

أما الخطة المنهجية: فتنبني على:

-أ- مرحلة التشخيص والتحليل عبر:

– تصور أولي يحدد مرجعياته في: (دستور 2011، الخطب الملكية، تقرير 50 سنة من التنمية، تقرير الجهوية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، البرنامج الحكومي)؛

– المشاورات الواسعة وطنيا وجهويا وإقليميا ومحليا، لتجميع الإشكالات والعراقيل والحلول؛

– تحليل هذه الاختلالات اعتمادا على التقارير الداخلية وتقارير المجلس الأعلى وتقارير الهيئات الوطنية والدولية؛

-ب- مرحلة البلورة باعتماد منهجية swot والاستناد إلى:

– توصيات المجلس الأعلى للتعليم؛

– مجموع الأسئلة المطروحة؛

– مشاريع ذات أولوية؛

– إغناء المواطنين والفاعلين والخبراء.

-ج- مرحلة التخطيط والإنجاز: للرؤية المستقبلية عبر:

– استراتيجية تفعيل النموذج البيداغوجي والموارد والعرض التربوي والحكامة؛

– تعبئة الجميع (هيئات وشركاء وفاعلين) حول المدرسة.

فيما يرتبط بالرؤية المستقبلية: فتتحدد بـ:

– مدى زمني هو 2030؛

– مبادئ مؤطرة تشمل (الإنصاف، الجودة، القيم والمبادئ العليا للوطن، التأهيل للمستقبل، الانفتاح على المبادئ الكونية، بناء الرأسمال البشري)؛

– تدابير ذات أولوية تشمل التحكم في اللغات، ودمج التكوين المهني في التعليم العمومي، والكفايات العرضانية، وتحسين العرض المدرسي، والتأطير التربوي، والحكامة، والتخليق، والتنافسية.

طالع أيضا  اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربيةلغة الخيبة ومآلات الفشل(1)

3- ملاحظات وخلاصات

تسعفنا القراءة التحليلية المتأنية في بناء الخلاصات التالية:

– في ما يرتبط باللغة المعجمية الواصفة مازلنا ندور في الفلك نفسه فلك الوصف المزري للوضع المزري، معجم يمتح من لغة الإخفاقات والاختلالات والفشل، فما زلنا ومنذ زمن طويل نقف عند المشاكل ذاتها والعراقيل نفسها التي سجلت على مدى التاريخ الطويل لما سمي إصلاحات للتعليم وهو ما يكشف أن هذه الأسباب ليست إلا الواجهة التي تخفي جوهر الإشكالية التي يتوجب البحث عنها ليس فيما قيل وإنما في ما لم يقل أو فيما لم يجرؤ أحد على قوله والنبش فيه؛ النبش عن المسؤول.

– نلحظ في المعطيات الإحصائية المقدمة أن الوزارة لم تستطع أن تعبئ عددا كبيرا من المؤسسات التعليمية التابعة لها للمشاركة في هذه اللقاءات التشاورية، بدليل أنها لم تستطع تعبئة ما يقرب من 61% من مؤسسات التعليم الابتدائي و58 % من مؤسسات التعليم الإعدادي و55% من مؤسسات التعليم الثانوي، كما أن هذه النسب لم تحقق تعبئة 52% من العالم القروي و48% من الوسط الحضري، بل ولم تعبئ إلا نسبة 7% من المتعلمين؛ وهو ما يعني أن الوزارة لم تستطع بلوغ مواطن الخلل الحقيقي والأعطاب الكبيرة في الأوساط البعيدة ولا القريبة طبعا لن نتحدث هنا عما لم يصرح به من مقاطعة هيئات أخرى وازنة في المنظومة التربوية والفاعلين المجتمعيين غير المرضي عنهم، وهو ما يشكك في مفاهيم التعبئة المجتمعية وفي شعارات التشاور المرفوعة؛ ويضرب في العمق مصداقية المعطيات المجموعة لافتقادها للتفاصيل الواقعية الحقيقية وللطابع الشمولي الاستقرائي الميداني؛

– تظهر اللقاءات التشاورية محكومة بالمرجعيات التاريخية الموجهة ذاتها وهو ما يعني الغياب الكلي لمستوى المبادرة والمبادأة؛ ذلك أن المنفذين عندنا لا يتحركون إلا في سياق التعليمات السامية، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه آنفا من كون دائرة الحركة والفعل تفكيرا ورصدا واقتراحا لن تكون إلا في حدود المرسوم المسيج سلفا على المنهج ذاته (التعليمات والتوجيهات) وبالأدوات نفسها (المجالس المعينة وفق المواصفات الخاصة)، وبالأسلوب نفسه (جمع الناس في منتديات خاصة والاستماع إليهم وانتقاء المرغوب غير المزعج من خطاباتهم وانتهى الأمر)، وتأتي برامجهم الحكومية على علاتها في أسفل المرجعيات التي يتم الاستناد إليها ليترك للحكومة الحيز الضيق استجابة وتنفيذا، والحيز الأوسع عتابا ولوما وتقريعا في كل حالات الإخفاق والفشل التي تمثل الوضع الطبيعي الأبدي عندنا للتعليم؛

طالع أيضا  اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربيةلغة الخيبة ومآلات الفشل(2)

– تظل المقترحات المعروضة على شكل رؤى مستقبلية محكومة تصوريا بمرجعيات هي الأخرى من إنتاج دوائر القصر مادام الدستور ممنوحا، والتقارير المنتجة منجزة من المجالس والهيئات المعينة بناء على المقاس والمواصفات المعروفة الدائرة مدار الولاء والطاعة، كما تظل محكومة منهجيا بانتهاج نفس الطريقة في المقاربة والبلورة والاقتراح والتنزيل؛

– منهجيا يسجل الدارس اختلالات في البناء المنهجي لما سمي تصورا لمشروع تربوي جديد، وغموضا في معنى ومبنى الرؤية المستقبلية، كما نلحظ خللا في التخطيط على مستوى ترتيب الأهداف الاستراتيجية، وبلورة المقترحات وإنجازها، وكذا عدم وضوح بعض المفاهيم والمصطلحات وتعارضها أحيانا إذ ما معنى تعزيز الهوية المغربية؟ وما هي القيم والمبادئ العليا للوطن؟ وما القيم التي يجب ترسيخها؟ وما المقصود بالانفتاح على المبادئ الكونية؟

والخلاصة أن المقترحات المعروضة تبدو مجرد إعلان للنوايا إذ إنه في ظل غياب إشراك حقيقي وواقعي للشعب المغربي ولكل قواه الحية؛ مادامت لا تجيب عن الأسئلة المؤرقة للمنظومة ولا تحسم في إشكالاتها الكبرى ولا تحدد الكيفيات الإجرائية العملية ولا تملك دائرة القرار الحقيقي وتعيب عنها التعبئة المجتمعية الشاملة، وهذا يزيد تشكيكا في قضية تعبئة المجتمع والفاعلين التعبئة الحقيقية ويؤكد الطابع البهرجي الإعلامي التسويقي ويرسخه.