بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أيتها الأخوات الكريمات أيها الإخوة الكرام، عضوات وضيوف هذا المجلس المبارك، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، بداية نرحب بكم وبكن جميعا في هذه المحطة الهامة من مسار عملنا النسائي، سائلات الله تعالى أن يجازي خيرا كلَ من ساهم في إعدادها وإنجاح أشغالها، وراجيات منه سبحانه أن يسدد فيها أقوالنا وأفعالنا ونياتنا آمين.

أخواتي إخواني، لقد اخترنا لهذه الدورة المباركة شعارا نعتبره ملخصا لرؤية آمن بها القطاع النسائي منذ تأسيسه، ونذر لأجلها الجهد والوقت. شعار ضمناه رسائل عدة، نتقاسم اليوم بعضا من معانيها مع عضوات هذا المجلس، ومع كل الغيورات على نساء هذا البلد، بل مع الغيورات على كل النساء كيفما كن وحيثما كن.

شعار هذه الدورة هو: فعلنا النسائي: خطوات راشدة نحو تعبئة النساء وجهاد البناء).

ومن هذا الشعار اخترنا عبارات ثلاث جعلناها محور هذه الكلمة، عبارات نقف مع بعض من دلالاتها وبعض من إشاراتها سائلين الله تعالى التوفيق والسداد.

وأولى هذه العبارات هي عبارة الرشد، مصطلح قرآني أصيل يحبل بمعاني الصلاح والإصلاح والهداية والاستقامة، الرشد بما هو جهد قاصد وبناء محكم توثقت عراه بقلوب متهممة وعقول مهتمة وإرادات ماضية وحركة دائمة، ما الرشد قعود وقعوس، ولا تراجع ونكوص ولا هو خمول وانزواء، ولا تقاعس وانطواء، بل هو قلب يتوب وعمل دؤوب، يزايل العشوائية ويناقض الارتجالية ويرفض الانتظارية.

الرشد توكل مطلق على مسبب الأسباب وهو في الآن نفسه أخد بالأسباب التي بثها الله تعالى في الأنفس والآفاق.

وهو قبل هذا وذاك رجاء في الله ومن الله تعالى أن يجعلنا من الراشدين، يقول عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ اَجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُوْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (سورة البقرة). ونحن في القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان نؤمن أن أي خطوة في اتجاه النهوض بواقع بئيس أكثر من يكتوي بنيرانه النساء، لابد وأن تكون خطوات راشدة مرشدة تمد اليد وتأسو الجراح وتداوي ويلات زماننا بالرفق والرحمة لا بالعنف والشدة.

وأما العبارة الثانية فهي التعبئة، والتعبئة حركة واعية تألف القلوب وتوحد الجهود وتوضح المقصود، التعبئة وقوف مع الحق ودعوة للإنصاف هي مناهضة للظلم ورفض للاستضعاف، وأكبر المستضعفين في زماننا النساء.

ما التعبئة تهييج للمشاعر في لحظة من اللحظات وكفى، بل هي حركة دائمة تحارب عادة الخمول والكمون، هي حركة مرنة تناهض التحجر والجمود.

التعبئة حركة واعية هادفة قاصدة لا مكان فيها للعبث، نفهمها سعي حثيث لاكتشاف الطاقات وتفعيلها، وبعث القدرات وتحريرها، طاقات وقدرات وكفاءات ظلت ولقرون مضت سجينة الأعراف والعادات، وحبيسة مخيال قاصر لا يرى في نسائه إلا أياد تطبخ وأرحام تنجب، ولو أننا نعتبر خدمة أهلينا شرفا والأمومة عندنا مقام مصان، لكننا في المقابل نؤمن أن النساء قادرات مع إتقانهن لما سبق ولوج مجالات أخرى يتقن فيها ويسبقن.

وأما ثالث هذه المعاني فهو البناء، والبناء لا يكون إلا من أساس وعلى أساس وأساسه قلوب حية يقظة بدوام الوقوف بين يدي الله تعالى وطلب رضاه ومن غير هذا الأساس يكون البناء عبثا في عبث.

البناء دعوة رحيمة تعيد للنساء الثقة في ذواتهن وقدراتهن وتأخذ بأيديهن لنفض غبار الجهل والعطالة.

البناء دعوة رحيمة تتحرك في إطار جسم قوي منضبط منظم يساعد على تنسيق الجهود وتنظيمها حتى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

البناء حكمة تفتقت عنها أفهام وعقول تفقه الواقع بإكراهاته وتحدياته وعقباته وترسم لنفسها آفاقا لا تسبح في أماني حالمة، لكنها تثق في موعود الله وبشارة رسول الله.

ونؤمن أيضا أن البناء مد لجسور الثقة وسعي حثيث لاكتشاف المشترك وما أكثره، وبناء هذا المشترك على أرضية صلبة تؤمن بالتنوع وتؤمن بالاختلاف، لكننا في الآن نفسه نعتز بهويتنا ونؤمن باختياراتنا من غير تنقيص ولا استخفاف ولا رفض للرأي الآخر.

ما البناء نزهة في سويعات راحة، إنما هو صبر ومصابرة، إنما هو جهاد، وليس عبثا أن نقرن الجهاد بالبناء في زمان شوه فيه مفهوم الجهاد حتى أصبح قرينا للاعتداء والدماء والعياد بالله. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه في تنوير المومنات: جِهَادُ الْقِتَالِ صَبْرُ سَاعَةٍ وَصَبْرُ أَيَّامٍ. أَمَّا جِهَادُ بِنَاءِ أُمَّةٍ، وَتَنْشِئَةِ أَجْيَالٍ، وَتَعْبِئَةِ حَامِلِي الرِّسَالَةِ ابْتِدَاءً مِنْ غُثَاءٍ رَمِيمٍ يُحْيِيهِ اللهُ عَلَى يَدِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، فَهُوَ صَبْرُ عُمْرٍ وَأَعْمَارٍ).

ويقول في موضع آخر من نفس الكتاب ما البناء رقدة بعد صحوة وشعار وحماس، البناء ما ساهمت به أنتِ من وقتك وصبرك وجهادك ثم ساهمت ثم صبرت ثم جاهدت تذوقين بعد ذلك لا قبله طعم النجاح.)ليس على اللذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين.

جعلنا الله وإياكم من عباده المحسنين. آمين والحمد لله رب العالمين.

الدار البيضاء، بتاريخ السبت 28 فبراير 2015