ظل الصمت مرتبطا في أذهان العامة بالفراغ، فراغ المعنى، فراغ المضمون، فراغ اللسان، فراغ كل شيء، فأودعوه في سرداب نتاجات اللانعكاس.

وجنح السواد الأعظم من الناس إلى اعتباره أسا من أسس الكيانات المنفلتة من التطويع، ما دفع الكثرين إلى وسمه باللاجدوى.

فإلى أي حد يمكن القول بأن هذا الحكم هو عين الصواب؟

وإذا لم يكن الصمت على ذات النحو، فبم يكون نتوجا ومؤتيا؟ وما الجوانب المشرقة التي يسفر عنها بإزاء مساحات الغموض المكتنفة للمفهوم ذاته، والعدمية المصاحبة له في نظر البعض؟

اكتسى الصمت عند البعض لباس الضعف والخجل، وتسربل عند آخرين بدثار الانطواء والعدمية والتقوقع، إلا أن هذه الأحكام الجاهزة والمستعجلة غير ذات أساس، وتبقى غير ذات قَدمِ صدق على أرض صحة التجربة والمراس.

فعند أهل الله يرتبط الصمت، بما هو تجربة للتجلي، بدرجة سامقة يكون فيها العبد شاهدا على حالة من الأنس والصفاء؛ درجة لا يمكن أن تُعتلى إلا بتجربتي التخلي والتحلي، وهما مرتبطتان، أساسا، بالصمت المبيد لفضول القول، وشهوة الحديث، وقد قيل: من رام الحكمة فعليه بترك فضول الكلام).

بهذا، يصبح الصمت ترياقا لمن اكتوى بلظى الشوق، وبلسما للمحبين؛ وكذا وِردا للسلوك والتربية، تربية للنفس المجبولة على الثرثرة، وقد عبّر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله عن ذلك بقوله: الثرثرة سطحية، والصمت عمق) 1 . فمن تغيأ العلا لا فكاك له من تجربة اختراق السطحية، وسبر أغوار العمق في رحلة صبر على البحث عما غدا اليوم كالمعدن الأندر والكبريت الأحمر.

الصمت استجابة لأعمق ما في الإنسان، وهو العقل والروح. يلزم سموَّ الروح محركُ العقل، ولا نشاط لمحرك العقل بلا غذاء، ألا وإن غذاء العقل التفكر، ولا ينهض التفكر إلا على أساس صلب وهو الصمت. ويندر أن نجد تفكرا سليما منبجسا من معين راشد ومهيع رائد في جو الجلبة والثرثرة والفوضى. جاء في خصلة التؤدة، شعبة الصمت والتفكر، على لسان الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ما نصه: فضيلة الصمت لا تنفك عن فضيلة التفكر(…) الإسراع إلى الكلام خفة، والتفكر وتقليب الرأي رزانة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، وأمر به (…) والصمت أول العبادة كما جاء في الحديث، ولا سيما إن كان مع الصمت ذكر الله) 2 .

وإذا كانت كثرة الكلام عند المرء دليلا على إحساسه بالضعف، وآية على محاولته جلب الأنظار واستمالة الأسماع إلى هالته المتلاشية؛ فإن الصمت ينتصب أمامه (أمام الكلام) عزيزا شامخا أمارة على القوة والصلابة والثبات. ذلك أن الصمت صفة ملازمة للامتلاء، ونظيره صفة ملازمة للفراغ والانحلال، ألم تر أن البيت الفارغ يصخب لأدنى صوت يرجعه الصدى، أما الملآن فصخبه في صمته مهما علت الأصوات.

رغم ذلك، فإن الصامتين من الناس قلة، والمثرثرون كثرة، وما موضع الكثرة من القلة إلا كدرجة الحديد من الذهب. ونجد أن معادن الناس في هذا لا تخرج عن أحد هذين الوصفين؛ ويحدث، كثيرا، أن نحضر وليمة أو غيرها من المناسبات فنجد العالِم في الحضور قد استغرق في صمته صابرا كابحا جماح نفسه لا يحركه شيء؛ ونجد المتلذذ بالكلام قد تَصدَّر المشهد وأوعز لنفسه أن يصول صولات علم، يحسبها كذلك، ويجول، فتراه يهرف بما لا يعرف وقد ساد المجمع وشاد من غير علم ولا زاد، حتى ما يكاد يضارعه في ذلك أحد. فالعالم كلما زاد علمه، زاد صمته وتفكره وقل كلامه؛ بينما الجاهل، كلما اشتدت عتمات جهله كثر خلافه وزاد كلامه وقل صمته.

وقد دعانا الشرع الحنيف، في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الاعتصام بخصلة الصمت في قوله الشريف: “… وَمَن كَانَ يُومِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ” 3 . دعوة، بل أمر بالصمت حتى لا تحيد المسيرة عن جادة الصواب، كون الصمت هو الأصل، والكلام فرع. فالمولود يولد صامتا متفكرا فيما هو مقبل عليه، وصمته في هذه الحال دال على حالة من الطهر والنقاء، والمحتضَر على فراش الموت، المفارق للدنيا وأهلها يدخل في صمت دال على حالة من انكشاف حجب الحقيقة وحضور عالم العلم واليقين، استعدادا لاستقبال آخرته. وهكذا، فإن أهم مرحلتين في حياة الإنسان، الولادة والوفاة (وقت الاحتضار)، يحياهما الإنسان، بكل إدراك، في حالة من الصمت والتفكر.

بهذا، يؤسس الصمت لصرح ممتد من الرزانة والتؤدة؛ وهما مطلبان، لا غنى عنهما، لتنبجس النفس عن مكنوناتها، وتبوح بأسرارها وقوتها وأصالتها، حتى لا تُسجَر بحمم بركان الفضول والانشغال بالخوض في كل شيء.

يُستشَف شرف الصمت، في المواطن التي يُستحسن فيها الصمت وينشد، ففي ركب تشييع الجنائز يستحسن الصمت، فسحا لمجال التفكر حين يعيش الإنسان موقفه الرهيب بفقد حبيب.

وفي حلقات العلم، يصير الصمت تاجا على رؤوس المستمعين حرصا على ألا يضيع شيء من درر العالم المتكلم. والصمت سَمْتُ العلماء وحليتهم، هو سِمة لهم تعلُّما وتعليما. فأول العلم السماع، والسماع يقتضي من المتعلم، مع إعمال السمع، إسكات أصوات الثرثرة ومحو هوامش اللاجدوى؛ وهو (الصمت) في الآن ذاته، شرط تعاقد بين العالم والمتعلم، بدونه لا يتأتى للأول حسن الإلقاء، ولا للثاني حسن الاستماع.

من مواطن الصمت، أيضا، حين يصبح هو أقوى ناطق بحال الرضى، فعندما يُطرح الإيجاب في عقد الزواج ويُنتظر القَبول، لا يكون، في غالب الأحيان، إلا صمتا، فيقال وقتئذ الصمت علامة الرضى). وبالمجمل قالوا في البكر إذنها صُماتها) (أي صمتها).

أما حين تستعر نار الحمْلات الانتخابية، ويقترب موعد الاقتراع والحسم، نجد الصمت يحضر فيصلا بين المرحلتين، فيما يسمى في عرف العلوم السياسية بـ”الصمت الانتخابي”، إشعارا بانتهاء مرحلة وبدء أخرى لا تقل عنها أهمية.

لا نغمط الصمت حقه، فالحديث بشأنه يطول لشموخه وعزته، وحسبنا أن الصمت حبس لا لغوب فيه ولا تعب، صبر لا كبد فيه ولا نصب، فيه من الثمار ما لذ وطاب.

وهنا، لا نقصد بالصمت، بأي حال، الصمت في وجه الباطل والظلم، والصمت عن قول الحق؛ فذلك تمام العجز والانكسار اللذين ليس لهما في هذه الحال من محل، نقصد الصمت المنتج للتفكر لا السكوت المفرز للذل والخنوع. وأن ليس كل متكلم ثرثار، وليس كل صامت متفكر.

إن الكيس الفطن من عرف مواطن الصمت، ومواطن الكلام. وإن الصمت أرقى من أن يكون سَلبيا؛ بل، هو، مؤتٍ ومزلزل وصاخب.

للصمت صخب أعتى من صخب الكلام.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الطبعة الثانية: 1989، ص 312.\
[2] نفس المصدر، ص 312.\
[3] صحيح البخاري، (5672).\