اللقاءات التشاورية وعمليات الالتفاف الكبرى

مباشرة بعد الخطاب الرسمي الذي أعاد دق ناقوس الخطر حول وضع التعليم بالمغرب ملقيا باللائمة على الحكومة التي لم تقدر على استيعاب دينامية الإصلاحات الماضية، وانشغلت بالتقاطبات السياسية، أطلقت الدولة المغربية من خلال أجهزتها الرسمية ما سمي باللقاءات التشاورية حول المدرسية المغربية، وذلك من خلال مؤسستين رسميتين هما:

– المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي؛

– وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني.

وها نحن ننظر في السياقات العامة الحاكمة لهذه المشاورات، وفي الخطاب الوثائقي الذي أنتجته، ثم نسجل مجموعة من الملاحظات والخلاصات التي طبعت هذه الأشغال علنا نقف عند خلفياتها الموجهة ومراميها البعيدة يحكم انطلاق هذه المشاورات سياقات أساسية تبرز على الخصوص في:

– الخطابات الرسمية للسلطات العليا في البلاد التي أصبحت هي الأخرى تتحدث عن الوضع الكارثي للتعليم؛

– الفشل النهائي للبرنامج الاستعجالي؛

– صدور عدة تقارير دولية ووطنية تتحدث عن الوضع المتأزم للتعليم؛

– صدور دراسات دولية مختلفة حول المستوى الضعيف للتعلمات الأساسية عند التلاميذ.

وساوق هذه اللقاءات على المستوى العملي مجموعة من الإجراءات الرسمية المتعددة من قبيل:

– التمديد القسري والمباغت لعمل ما يقرب من 7741 من الأساتذة العاملية بالوزارة الذين بلغوا سن التقاعد من دون استشارتهم وضدا على إرادتهم وضدا على للقوانين المعمل بها؛

– حرمان الأساتذة من اجتياز مباريات ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين؛

– المنع من تراخيص متابعة الدراسة الجامعية استنادا إلى قرارا قديم ومذكرة صادرة منذ سنة 1982 في عهد الوزير عز الدين العراقي؛

– وضع عراقيل في وجيه الترخيص للدكاترة العاملين بالثانوي لاجتياز مباريات أساتذة التعليم العالي ووضع شروط مجحفة من لدن وزارة التعليم العالي؛

– توقيف محطات التكوين المستمر؛

– عدم فتح المباريات الخاصة بمركز التخطيط والتوجيه ومركز تكوين المفتشين خاصة أمام الخصاص في هذين الإطارين؛

– الاقتطاع والتوقيف من أجور العالمين بالقطاع بدعوى الإضراب والتغيب عن العمل؛

– الحد من حجم التوظيف داخل قطاع التربية الوطنية مما ولد الارتفاع القياسي والمهول في الخصاص في الموارد البشرية؛

– تأخير إصدار النظام الأساسي الجديد؛

– التلويح بقرارات جديدة تهم تمديد فترات التكوين في مراكز الجهوية إلى ثلاث سنوات؛

– خيارات التمكين لبكالوريا جديدة استجابة لتعليمات وضع العربية في المنظومة، عبر تنزيل نماذج جديدة من البكالوريا الدولية والمهنية؛

– وضع شروط قاسية في وجه المترشحين الأحرار للبكالوريا.

تبرز هذه السياقات أن التدخلات في قضية التعليم ما زالت حكرا في جوهرها على جهة واحدة، وأن مساحة المنفذين الملومين دوما هي مساحة ضيقة جدا، كما تبرز حجم التناقض بين القول والممارسة إذ في الوقت نفسه الذي تفتح فيه الدولة ما تسميه بأوراش الحوار والنقاش حول التعليم نجدها على مستوى الممارسة تقوم بتنزيل إجراءات متعددة يغيب عنها التشاور ويحضر فيها الارتجال والاستعجال، بل و تؤكد فقدان الدلالة السياسية والتدبيرية واستمرار العبثية والارتجال.

1- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي

تحدد القوانين المنظمة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وظيفة الهيئة الاستشارية) وبوتقة للتفكير الاستراتيجي)، والفضاء التعددي للنقاش والتنسيق) بشأن مختلف قضايا التربية والتكوين والبحث العلمي. ومن وظائفه أيضا: تنوير ذوي القرار والفاعلين والرأي العام، بواسطة التقييمات الكمية والنوعية، المنتظمة والدقيقة لمختلف مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي التي ينجزها) وتعطى له على العموم وضعية المؤسسة الدستورية المستقلة للحكامة الجيدة، والتنمية البشرية والمستدامة) وذلك عبر إعداد تقرير سنوي عن حالة المنظومة الوطنية للتربية والتكوين وآفاقها) 1 .

والحال أن هذه المؤسسة قد عرفت تأسيسا وإحداثا وممارسة اضطرابات كبيرة أفرغت أداءها من المطلوب من مثل هذه المؤسسات في المنظومات التعليمية المتقدمة، كما أن هناك إشكالات متعددة في عمل المجلس تظهر على الخصوص في:

طالع أيضا  اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربيةلغة الخيبة ومآلات الفشل(1)

– انفراد القصر الدائم بقضية التعليم عموما مبادرة وتفكيرا وسيطرة من خلال احتكارها عبر اللجان الدائمة والمتكررة ومن خلال تعيين وتركيب المجلس الأعلى هذا ذاته؛

– خضوع المجلس منذ نشأته لتغيرات وإعادة تنظيم قبل أن يرسو على شكله الحالي مع عدم تفعيله لسنوات عديدة؛

– طغيان العمل الموسمي المستجيب للتعليمات والمنفذ للتوجيهات؛

– تركيبة المجلس التي يقدم فيها الولاء التام للمخزن والتوازنات والترضيات النقابية والحزبية والقرب من دوائر النفوذ قبل أي اعتبار وإلا فما معنى تعيين من لا علاقة له بالتعليم خبيرا في التربية، وتغييب أعلام كبار في الميدان.

– تركيبة المجلس تطرح سؤال الحياد والاستقلالية والحكامة الجيدة خاصة إذا علمنا أن أغلب الأعضاء يخضعون لمنطق التعيين من طرف القصر، والباقية المتبقية ربما تكون هي نفسها سبب المشاكل لما لا ترتفع عن منطق الترضيات والتوافقات الحزبية والسياسية.

– التمكين لدعاة التغريب ودعاة التدريج (استعمال الدارجة) وإقصاء بعض الهيئات كهيئة نقابة المفتشين.

والحال أن كون المجلس مؤسسة معينة من الملك يجعل لها وضعا اعتباريا فوق دستوري يجعل من دراستها ونتائج أعمالها غالبا نتائج غير قابلة للنقاش.

لقد قدم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في نسخته الجديدة إبان الدورة الثانية للمجلس المضامين العامة للتقرير التحليلي لتطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين عرض فيها لتشخيص للوضع التعليمي إذ اعترف أنه في عشر سنوات عرفت المنظومة انقطاع 3 ملايين متعلم قبل بلوغ السنة الأخيرة من الإعدادي، وهو ما يزيد من نسب الهدر المدرسي ومن تفشي الأمية؛ كما وقف في هذا التشخيص على جملة اختلالات برزت على الخصوص في:

– الضعف القرائي للمتعلمين؛

– غياب شروط التعليم وجودة التأطير؛

– الخسارة المالية التي تضيع نسبة 10 % من ميزانية التسيير الإجمالية للوزارة؛

– خطر الفجوة الرقمية الذي يتهدد المؤسسات التعليمية؛

– نسبة الانقطاع بالجامعات التي وصلت 64%؛

– 3% فقط يتممون الأسلاك التعليمية بدون انقطاع؛

– إقصاء ذوي الاحتياجات الخاصة؛ 2

وعلى العموم، إن إعادة تكرار نفس السيناريوهات الماضية بالدعوة إلى مجالس للتشاور ومنتديات للإصلاح والتي تتحول إلى جلسات للاستماع والتسجيل والتنفيس ثم يمضي كل إلى حال سبيله تنبئ منذ البداية عن المصير الذي سيأخذه مسار الإصلاح المرتقب.

طالع أيضا  اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية.. لغة الخيبة ومآلات الفشل (4)

اللقاءات الحوارية الجهوية للمجلس الأعلى لتأهيل منظومة التربية والتكوين بالجهات

أطلق المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سلسلة من المشاورات حول المدرسة المغربية ما بين 14 و30 أكتوبر 2014 شملت مختلف جهات المملكة وعددا من الفاعلين المتدخلين في مجال التربية والتكوين وأنجزت بصددها خلاصات متعددة في وثائق اللقاءات الحوارية الجهوية للمجلس الأعلى لتأهيل منظومة التربية والتكوين بالجهات وخلاصات لجلسات الاستماع لمختلف الهيئات.

بقراءتنا المتأنية لمجموع التقارير الصادرة عن هذه اللقاءات الحوارية الجهوية نجدها اشتغلت على محورين اثنين؛ محور رصد خلل المنظومة، ومحور استشرافي الحلول.

في المحور الأول: نلحظ إجماعها على ما ينخر المنظومة التربوية من خلل في كل المجالات شمل السياسة التعليمية وإرادة الإصلاح والموارد البشرية والمالية والحكامة واللامركزية واللاتمركز، كما شملت الاختلالات البنيات التحتية والتجهيزات، وكذا المسألة اللغوية وعزلة العالم القروي والمناطق النائية ناهيك عن البرامج والمناهج والمقررات التعليمية والتعليم الأولي والخريطة المدرسية والتعبئة المجتمعية.

في المحور الثاني: المرتبط بالاستشراف نقرأ بعضا من المعالم العامة المقترحة للحلول عبر المجالات التالية:

– مجال المشروع المجتمعي: بناء مواصفات مشروع مجتمعي لإعادة الثقة للمدرسة المغربية؛ الابتعاد عن التقاطبات السياسية؛

– المجال التدبيري: إرادة الإصلاح؛ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ التعميم والجودة؛ التكامل بين القطاعات؛ إرساء وتفعيل الحكامة الجيدة، تحديث الترسانة التشريعية؛ العمل بالمشروع؛ تعزيز استقلالية المؤسسات ماليا وإداريا؛

– منظومة القيم: التربية لا التحصيل؛ تخليق الحياة المدرسية؛ توفير الأمن والدعم النفسي والاجتماعي؛

– المجال المالي: الرفع من ميزانية التعليم العالي؛

– المقاربة المجالية: تفعيل الجهوية؛ خصوصيات العالم القروي؛

– مجال التكوين والتحفيز للموارد: الاعتناء بالعنصر البشري تكوينا وتأهيلا وتحفيزا؛

– المناهج والبرامج: الحسم في الإشكالية اللغوية ؛مراجعة وتخفيف البرامج والمقررات؛ مراجعة نظام التقويم؛ إدخال الأنشطة الموازية في التعليم؛ إدخال تكنولوجيا الإعلام والاتصال؛ إدماج التكوين المهني في الأسلاك التعليمية 3 .

ملاحظات وخلاصات

لعل الملاحظ في التشخيص المقدم لوضعية المنظومة التربوية ومن طرف جهاز رسمي يعكس فداحة الوضع وحجم الأعطاب المزمنة التي تشمل كل العناصر والخلل الذي يشل جميع المجالات وهو ما يبرز ويؤكد أن القائمين على الأمر لم يستطيعوا التقدم بوضعنا التعليمي بعد 60 سنة من الاستقلال.

ولعل إنجازنا لقراءة معجمية للغة الواصفة التي قدمت بها الاختلالات تبرز جزءا من حجم هذه الكارثة، وهو ما يوضحه هذا الجدول الواصف:

تفيدنا مقاربة اللغة المعجمية الواصفة للاختلالات التربوية في استجلاء حقائق فظيعة عن الوضع المزري الذي يحياه قطاع التعليم، على نحو يجعل هذه المنظومة تتقدم إلينا في صورة أشلاء ممزقة لا ملامح واضحة فيها، وهو أمر له من الخطورة ماله.

إن منظومة تربوية تفتقد للرؤية الاستراتيجية وتغيب عنها الرؤية الواضحة للإصلاح ولا تستقر فيها ولا تستمر السياسات التعليمية لمنظومة لا مرجع لها ولا أفق لها، ولن يكون بوسعها سوى إخراج ما تخرجه المدرسة العمومية من الأجيال الضائعة التي لا وجهة لها.

يزداد الضياع ويتأصل حال الحديث عن هشاشة البنى التحتية ومحدوديتها، وتدهور الوضع الاعتباري لرجل التعليم وغياب تكوينه وضعف تأهيله، وغياب التحفيز المادي والمعنوي لممارسة مهنية جيدة.

طالع أيضا  اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية.. لغة الخيبة ومآلات الفشل (3)

ولما تستعصى المسألة اللغوية فتغدو إشكالية، وتتقادم البنية التشريعية، وتغيب الحكامة وتضرب فرص التكافؤ في نيل تعليم جيد وموحد خاصة أمام ارتباك المقاربات المنهجية في التدريس وعدم ملاءمة المضامين والمحتويات للهوية وللخصوصيات ولواقع الشغل فلا تنتظر سوى الضعف الشديد في مستويات تحصيل الكفايات الأساسية والمهارات الضرورية.

ولعل الطامة المخزية بعد كل الذي تقدم أن تتدنى الصورة المثلى للمدرسة فلا تؤدي وظائفها التربوية، وتهدر فيها القيم المجتمعية لتكون مجالا خصبا للعنف والمخدرات ولهيمنة التسيب وفقدان الجدية.

أوصاف وسمات وميزات دائرة في بناها المعجمية وحقولها الدلالية في ذيول لغة الخيبة والفشل.

إنه يمكن مقاربة وتحليل مجموع هذه المشاورات وما أفرزته من خلال ملاحظات على مستويات ثلاث:

– المستوى المنهجي

– انتهاج الطريقة ذاتها في مقاربة مشاكل التعليم وبناء طرائق للإصلاح إذ يتم الانطلاق دائما من الدائرة المرسومة سلفا، دائرة ما تختطه الدوائر الرسمية المعينة من القصر؛

– قصر المدة الزمنية المخصصة لهذه المشاورات وكأننا في مدة أسبوعين يمكن أن نبني إنصاتا حقيقيا في موضوع مصيري هو موضوع التربية والتعليم؛

– استمرار التركيبات الشكلية في الجهات التي يتم استشارتها حيث يحضر حضور البعد التحكمي في المشاورات (كم حضر من الناس)، وهاجس التمثيلية حيث يتم الإشارة إلى مجموعة من أنواع المتدخلين. بيد أن التدقيق في نوعهم يجدهم لا يخرجون عن الدوائر القريبة التي يحرص فيها على ألا يحضر المغضوب عليهم إنما المقربون؛ مما يطرح سؤال الحكامة والحرية واستمرار توجيه النقاش والتحكم في مخرجات النتائج الحوارية.

– على مستوى الخطاب

– غياب الجرأة في طرح سؤال المحاسبة للمسؤول الحقيقي عن وضعية الكارثة التي يتم الإقرار بها، إذ رغم ما يتم تسجيله والاعتراف به من اختلالات خطيرة يتم العمل بمنطق التجاوز والعفو من دون البحث أو حتى طرح أو ملامسة جوانب المسؤولية التاريخية للحكام بسبب سيطرتهم على ملف التعليم وتحكمهم فيه؛

– استمرار حضور المقاربة التكنوقراطية والمقاربة التقنية بالتركيز على الجوانب المتعلقة بالتسيير والتدبير دون النفوذ إلى جوهر الإشكالات على نحو عميق؛

– استمرار التركيز على خطاب الأزمة الذي يبتسر وضع التعليم في إجراءات شكلية مرتبطة بالجوانب التقنية أساسا.

– على مستوى النتائج

– تغييب الربط بين الوضع التعليمي والوضع الاجتماعي والسياسي والاستمرار في السبح في الحوم حول جوهر المشكل وجوهر الحل؛

– العمومية في طروحات الاستشراف من دون اقتراح حلول عملية واضحة للمعضلات الكبرى للمنظومة.


[1] الظهير الشريف رقم 1.05.152 المؤرخ في 11 محرم 1427 الموافق لـ10 فبراير 2006 والذي تم تعديله وتتميمه بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.07.191 الصادر في 19 ذي القعدة 1428 هـ الموافق ل 30 نونبر 2007 م.\
[2] يراجع موقع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ونشرة وزارة التربية الوطنية بتاريخ 19/9/2014.\
[3] تراجع خلاصات لقاءات الحوار الجهوي لتأهيل منظومة التربية والتكوين بالجهات.\