لا يحتاج المرء أن يكون نحريرا ولا عالم اجتماع ولا أخصائيا تنمويا كي يقف على مآسي شرائح كبيرة من المغاربة الفقراء المهمشين المقصيين المعزولين التعساء البؤساء، بقدر ما يكفيه أن يجول في المغرب العميق والحواضر المنسية، أو يسافر على متن قطار أو حافلة أو ينزل إلى الأسواق الأسبوعية في البوادي أو الأحياء الشعبية في المدن، ليقف على حجم المعاناة وقساوة الفقر ومرارة الحياة لأسر لا حول ولا قوة لها، ولفئات تفترش الإسفلت والإسمنت والتراب، ذنبها الوحيد هو أنها ولدت في المغرب.

فمنذ سنوات، والمغرب يعمل –أمام الكاميرات- من أجل تعزيز وحماية الحقوق التي تضمنها المواثيق والاتفاقيات الدولية، لتأهيل بعض القطاعات وتنميتها، وكذا تقوية قدرات ومؤهلات مجالات أخرى، خاصة المرتبطة بالتزاماته الدولية منذ سنة 2000 و2004، والتي فشل فيها بامتياز بسبب تداخل الملفات والقضايا وعدم اطمئنان –بل وتلكؤ- بعض الجهات الاستئصالية لتسوية الملفات الحقوقية، وتصفية الحسابات مع القوى الإسلامية عامة، من كعكة الديمقراطية المزعومة، وبالتالي استبعادها السياسي والحقوقي والإعلامي، بل وحتى من التغلغل المجتمعي؛ بمنعها ولو من تقديم خدمات إحسانية وإغاثية للمحتاجين وحتى للمنكوبين.

في ظل الإكراهات المذكورة – وأخرى إقليمية ودولية- والالتزامات والوعود التي قطعها المغرب على نفسه في السنتين المذكورتين، والتقاط المسؤولين المغاربة الإشارة من كلمة الأمين العام آنذاك كوفي عنان، بضرورة تأهيل المغرب للقطاعات التي تسبب له انتكاسات تلو الأخرى في مؤشرات التنمية البشرية، وترتبه في مراتب مخجلة وضمن دول مغمورة وأقل منه إمكانيات ومؤهلات، ناهيك عن دول الجوار الإقليمي؛ في ظل ذلك جاء خطاب 18 ماي، وجاءت معه مبادرة ملكية، سميت بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

جاءت هذه المبادرة بفلسفة تنموية حالمة تحمل أملا لجحافل من الفقراء والمهمشين والمقصيين والمعطلين. لكن بعد مرور سنة وأخرى وأخرى، ورابعة وتاسعة… لا يزال الفقر هو الفقر والتهميش هو التهميش، ولا تزال النساء تلدن فوق البغال في مرتفعات جبال أزيلال وفي جنبات الطرقات الموحلة أحيانا والمغطاة بالثلوج أحيانا أخرى في قرى ومداشير المغرب المنسي، لا يزال الشارع هو العنوان الرسمي والرئيسي لفئات عريضة من الأطفال في سن التمدرس، لا تزال الأمية منتشرة كالطاعون في أوساط جيل يتقن نظراؤه استعمال الانترنيت والهواتف الذكية، ودولهم بدأت تقطف ثمار تكنولوجيا النانو، لا تزال أحياء بكاملها تكتوي بنار القصدير في الصيف وتصطك أسنانها بزمهرير الشتاء، لا تزال أخاديد الدموع محفورة في وجنات الأرامل وخادمات البيوت والنساء في وضعية القهر والفقر والبؤس، لا يزال ما يفوق 7 ملايين مغربي محتاجين للدعم المباشر للدولة في التطبيب، بل هم في أمس الحاجة إلى حقنة بسيطة.

هؤلاء جميعا لا يمكن أن يشكل تمدرس أبنائهم أرقا ولا يدخل في أولوياتهم المعيشية. فالشخص الذي يعيش في فقر مدقع، ويعاني من الإقصاء الاجتماعي والهشاشة والبطالة، لا يمكن له أن يساهم، بأي شكل من الأشكال، بقدراته ومؤهلاته، ولا يستطيع ان ينشط الحياة السياسية والاجتماعية لبلده.

كان الأمل كبيرا لدى فئات عريضة من المغاربة الذين ذاقوا – وربما لا يزالون – مرارة الحاجة إلى أبسط مقومات الحياة الحافظة لكرامة الإنسان، بانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، والتي كان هدفها الرئيسي يتمثل في محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء والتهميش والعجز الاجتماعي. ولبلوغ هذا الهدف الجميل والنبيل، لم يتم التركيز على جودة الرجال – بالصدق والتفاني والأمانة والنزاهة ونكران الذات – تم التركيز فحسب على الحسابات الأرضية، بمنطق “هذا من شيعتي فليستفد، وذاك من شيعة ياسين فليقص”، فبدأ الحديث على توسيع نطاق الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية؛ وتنمية الأنشطة المدرة للدخل القار وفرص العمل؛ والمساعدة التي تستهدف الأشخاص المحرومين، أملا في إحداث التغيير العميق في المعيش اليومي للفئات الذكورة سالفا. لكن ماذا حدث؟ ذهبت الأماني والطموح والإرادة والزيارات الميدانية والتفقدية للأوراش والمشاريع مع رياح الاختلالات وسوء التدبير وضعف مشاركة الساكنات المعنية في تنفيذ المشاريع La participation وضعف التشاركية La concertation وانعدام الالتقائية La synergie، وتحكم وزارة الداخلية في سائر المشاريع بمنطق الهاجس الأمني، وبالتالي إقصاء الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والجمعيات والتعاونيات ذات الصلة بخصوم النظام السياسيين أو المحتملين. هذا دون الحديث عن الاختلالات المالية وما يرتبط بها من تجاوزات وخروقات في تنفيذ المشاريع التي طالما حلمت به فئات واسعة من الشعب المكلوم المبتلى.

2014 ولا تزال دار لقمان على حالها

إلا أنه رغم المجهودات المبذولة منذ سنة 2005، فإن سنة 2014 تبين أن البلاد لم تستطع بعد تحقيق المطامح التي تسعى إليها في كسب رهان التنمية، من خلال رفع مؤشر التنمية البشرية الذي يترجم مستوى رضى الفرد على الوضعية المعيشية.

وندقق كلامنا من خلال تحليل وتفسير بعض المؤشرات التي ضمناها في محاور أربعة، ونميز بين مؤشرات دالة على واقع “التنمية البشرية” بالمغرب. وهي: السلام والحماية، الحرية الديمقراطية وحقوق الإنسان، وجودة الحياة، والذكاء والتواصل والثقافة. هذا الفرز والتمييز كي نتمكن من رصد رتبة المغرب في مؤشر السعادة العالمي 1 ؛ الشيء الذي يعمل برنامج الأمم المتحدة للتنمية على رصده منذ 1990، والذي يميز بين مكونات ثلاثة (الناتج الداخلي الخام، أمد الحياة، ومستوى التكوين) المشكلة لمؤشر التنمية البشرية والمترجمة لمؤشر السعادة العالمي – المعبر عن مستوى السعادة الجماعية لأفراد بلد ما – من خلال تلبية حاجياتهم الأساسية الموزعة عبر المحاور الأربعة السالفة الذكر.

هي إذن، مؤشرات دالة نرصدها لمحاولة الإجابة عن السؤال: ما مستوى “مؤشر التنمية البشرية” بالمغرب مقارنة مع باقي الدول؟ وإلى أي مدى نجحت الوطنية للتنمية البشرية في محاربة الفقر المتعدّد الأوجه والأبعاد؟ وهل تم بالفعل وضع سياسة تنموية لمعالجة مشاكل الحرمان من المقدرات والفرص والموارد؟. فمتى ننتبه لتفسير الخبراء الاقتصاديين حول الفقر والحرمان؟. ف”أمارتيا صن” يفسر الفقر في كتابه “Dévelopment as freedom” باعتباره “يعد في الغالب حرمانا من المقدرات، أي من الفرص والموارد التي تمكن الناس من عيش الحياة التي يفضلونها”.

تقارير حول المغرب في أرقام

الجدول 1: ترتيب المغرب حسب مؤشرات التنمية

نلاحظ إذن أن المغرب حسب تقرير GLOBECO، يحتل مراتب متأخرة فيما يتعلق بمستوى الحرية الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك الأمر بالنسبة للمعايير الثقافية التي تخص البحث في التنمية، والمستوى التعليمي، والتواصل. الشيء الذي ينعكس بشكل مباشر على مستوى جودة الحياة الذي احتل فيه المغرب المرتبة الرابعة في الانتحار ومراتب متأخرة من حيث أمد الحياة ونسبة الدخل الفردي الخام. وفيما يخص محور السلام والحماية فقد سجل مراتب متقدمة فيما يخص معيار الموت العنيف.

نخلص إذن إلى أن المغرب يصنف ضمن العشرين دولة التي تقع في ذيل الترتيب العالمي من حيث المؤشرات الدالة على مستوى التنمية البشرية. وبالتالي فإن هذه المعايير الموضوعية تضع المغرب في خانة الدول الأكثر عرضة لخطر للاضطرابات الاجتماعية.

حسب تقرير التنمية البشرية لسنة 2014 الذي تصدره الأمم المتحدة يحتل المغرب الرتبة 129 ضمن 187 دولة، الشيء الذي يصنفه خلف معظم الدول العربية؛ منها فلسطين والجزائر ومصر والعراق. هذا التصنيف يطرح تساؤلات كثيرة عن جودة مستوى التنمية في المغرب خاصة في ظل تسويق الخطاب الرسمي المرصع.

وبذلك، تأتي مرتبة المغرب ضمن النصف الثاني من الدول التي تشهد تنمية متوسطة أو ضعيفة، وعادة ما تكون الدول التي تحتل ما بعد المائة في الرتبة ذات بنية اجتماعية هشة وفوارق اجتماعية كبيرة.

وبناء على تقرير معهد كاتو الأمريكي للدراسات السياسية والاقتصادية، حول الدول الأكثر بؤسا في العالم، تصدرت فنزويلا المقدمة في حين احتل المغرب المرتبة 69 عالمياً، مع اعتبار البطالة عاملا أولا في تصنيفه، ومن أهم أسباب البؤس؛ إذ يعتمد حساب الدول في «مؤشر البؤس» على جمع معدلات البطالة، وسعر الفائدة على القروض الشخصية، ومعدل التضخم.

أما تقرير GLOBECO حول مؤشر السعادة العالمي) 2 ، فيصنف المغرب في المرتبة 39 من أصل 60 دولة شملها التقرير، تتصدر الثلاث المراتب الأولى السويد، النرويج، والدنمارك وفي ذيل الترتيب إثيوبيا والجمهورية الديمقراطية للكنغو.


[1] GLOBECO, 2014. « Bonheur mondial», comprendre la mondialisation.\
[2] GLOBECO, 2014. «Bonheur mondial», comprendre la mondialisation.\