نعيش هذه الأيام أجواء الذكرى الرابعة لانطلاق حركة 20 فبراير، وهي مناسبة لاسترجاع جزء من هذا الماضي القريب الذي ما زال يرخي بظلاله على الساحة السياسية ببلادنا إلى اليوم، والذي أسهم، بشكل مباشر، في تحقيق طفرة نوعية في المشهد السياسي لا تخفى على أي متتبع.

نتذكر السياق الإقليمي الذي أفرز، حينها، فئات من الشباب من كل الحساسيات المجتمعية، تواقة إلى الحرية والكرامة والعدالة، أحسنت استعمال أدوات عصرها لتحقيق رجة سياسية وجمع كلمتها وتوحيد جهودها في حركة مجتمعية جامعة وسط بيئة انشطارية وانقسامية.

أعادت حركة 20 فبراير الاعتبار وزمام المبادرة للمجتمع بعد أن غيبته السلطة لعقود طويلة، وأرجعت الأمل لفئات عريضة من المجتمع ظل العزوف واللامبالاة سلوكها المفضل، ونجحت في ربط جل الاحتجاجات الاجتماعية، الفئوية والقطاعية والمناطقية، بدينامية سياسية مؤطرة تمثلت في شعار محاربة الفساد والاستبداد، ووضعت جدول عمل جديدا في المشهد السياسي تضمن مطالب لم يكن يجرؤ الفاعلون، من داخل النسق الرسمي، على البوح به، ولو بشكل غير رسمي.

كشفت الحركة، في أوج ازدهارها، فشل الرهان على التغيير من داخل مؤسسات مزيفة غير ذات تمثيلية شعبية وصلاحيات حقيقية ومصداقية، وأقنعت قطاعا واسعا من المجتمع بأن تغيير ميزان القوى يتم من خلال الشارع بشكل رئيسي.

أعادت الحركة الثقة لفئات واسعة من المجتمع، وخاصة الطبقة الوسطى، ونجحت في اختبار السلمية رغم كل المضايقات والاستفزازات السلطوية ومحاولات الاختراق، وكسرت ادعاءات أن الشعب غير ناضج وغير مؤهل ليعيش الديمقراطية.

باختصار، أحدثت الحركة زلزالا في بيئة راكدة يتحكم فيها لاعب واحد وحوله فاعلون ثانويون يأتمرون بأمره ولا هامش لهم إلا المناورة في إطار ضيق.

سرعت الحركة وتيرة التغيير في البلاد مما ساهم في فتح ورش إصلاح الدستور ونظام الانتخابات وإجراء انتخابات سابقة لأوانها وإجراء حوار اجتماعي من خلال ميزان قوى جديد رجحت فيه الكفة للأحزاب والنقابات هذه المرة مدعومة بحركة احتجاجية في الشارع.

اليوم، وبعد مرور أربع سنوات، نستطيع الجزم بتعثر أو بطء، ولا أريد الحديث عن فشل، في تحقيق الكثير من المطالب التي تولت مسؤولية تنزيلها القوى التي تبنت مقاربة مخالفة للحركة، سواء تلك المرتبطة بالتنزيل الديمقراطي لدستور دافع هؤلاء على كونه قادرا على دمقرطة السلطة وربط ممارسة السلطة بالخضوع للمحاسبة وإقرار دولة القانون وسلطة المؤسسات وسيادة الشعب وفصل السلطة عن الثروة واحترام حقوق الإنسان، أو تلك المرتبطة بتخليق الحياة السياسية وتوسيع مجال الحريات وتوسيع مجال التعددية السياسية.

ما نشهده، اليوم، من ممارسات وتراجعات مؤشر على عدم قدرة هذه النخب والهيئات على سد الفراغ الذي تركته الحركة في الساحة، ومؤشر على أن السلطة لم تكن جادة في تبنيها للخيار الديمقراطي بكل تبعاته، ومؤشر على عودة عدم الثقة الشعبية في العملية السياسية برمتها.

بالمقابل، تتحمل الحركة جزءا من المسؤولية في هذا الفشل لأنها عجزت عن تحقيق انصهار حقيقي لمكوناتها يرتقي بالعمل المشترك من مجرد التقاء موضوعي وميداني أفرزته لحظة تاريخية إلى قوة مجتمعية تتجاوز منطق الاحتجاج إلى منطق اقتراح خارطة طريق لدمقرطة السلطة والمجتمع.

فشلت الحركة في الارتقاء بمكوناتها من مرحلة “الاتفاق على ما لا يريدونه”، وهو محاربة الفساد والاستبداد، إلى “الاتفاق على ما يريدونه”، وهو البرنامج العام، ولذلك سهل إحداث تصدع داخلها. وهذا كان يستلزم موازاة بين القوة الاحتجاجية للحركة والقوة الحوارية بين مكوناتها للاتفاق على برنامج حد أدنى يتضمن نقاطا مشتركة حول قضايا خلافية جوهرية.

فشلت الحركة في تجنيب مكوناتها، خلال لحظات حاسمة، النقاش الهوياتي ومخلفات صراعات الماضي وطغيان حسابات المستقبل، لصالح نقاش عمومي يستحضر متطلبات كل مرحلة على حدة.

فشلت الحركة في شق التواصل والإعلام لمواجهة الآلة الدعائية المضادة. وربما ساهم في هذا الحياد السلبي الذي طبع الأداء الإعلامي لمنابر إعلامية كان لها دور في نجاح دول أخرى.

فشلت الحركة في تغيير وتيرة اشتغالها من مرحلة إلى أخرى، وهو ما أسقطها في رتابة وجمود أفقدها جزءا من زخمها الشعبي؛ فباستثناء نقل الاحتجاجات إلى الأحياء الشعبية بعد خطاب 9 مارس، وكان خيارا ناجحا، عجزت الحركة عن رفع سقف نضاليتها بعد انكشاف التفاف السلطة وتماطلها ومقاربتها الانفرادية في تعديل الدستور. وقد تأكد الأمر بعد المصادقة على الدستور في استفتاء فاتح يوليوز 2011 وما واكبه من خروقات في التعبئة والاقتراع ومصادرة وتضييق وتغييب للرأي الآخر. وكان الأولى حينها الارتقاء بنضالات الحركة من الوتيرة الأسبوعية إلى اليومي والارتقاء بسقف مطالبها كذلك.

عجزت الحركة، رغم نجاحها الكبير في الحفاظ على سلميتها، عن طمأنة جزء من الشعب والحد من تخوفاته من تكرار المسلسل الدموي السوري والليبي في المغرب، وهو ما أفسح المجال للسلطة والكثير من الهيئات للعب بورقة الاستقرار كخيار ثالث. وكان الأولى كشف الغموض في هذه المقاربة التي لا تفرق بين الاستقرار، وضمانته الأساسية تمثلت حينها في نضج الحركة وسلميتها وعدم انجرارها إلى مستنقع العنف والعنف المضاد، وبين الجمود، وهو ما يلقي بظلاله على البلاد منذ بداية 2012.

ساهمت السلطة السياسية، كذلك، في عدم تحقق مطالب الحركة بمقاربتها الالتفافية ومناورتها السياسية وقدرتها على تجميع جزء من القوى التي اصطفت في صفها، مما أحدث تغيرا في ميزان القوى.

ساهمت هذه القوى، كذلك، في خذلان الحركة ومطالبها، ولو أنها كشفت عن حقيقة اصطفافها السياسي.

بعد مرور أربع سنوات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى حركة مجتمعية تقود موجة احتجاجية ثانية مستفيدة من كل النقائص السابقة لوقف مسلسل التدهور الحقوقي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي.. وبوابة ذلك هي تقييم حقيقي لتجربة حركة 20 فبراير يستفيد من كل الإيجابيات، وخاصة تلك المرتبطة بخيار الجماعية والسلمية والجماهيرية.

وبدون ذلك سنكون أمام انتظار تحقيق أهداف الحركة من خلال القوى التي تبنت مقاربة التدرج والاستقرار والاستمرار، وعامل الزمن والإنجاز مهم في هذا السيناريو.

وهناك سيناريو ثالث، وهو نتيجة حتمية لفشل ما سبق، وهو لجوء الشعب إلى العمل السلبي، في مستواه الأدنى، متمثلا في العزوف والمقاطعة كإجراء احتجاجي وانتقامي وتعبير عن التذمر والسخط.

لقد كان من حسنات الربيع العربي أنه وضح للشعوب أن المواطنة حقوق وواجبات، ولا يمكنها الاستمرار في أداء واجباتهم بمعزل عن الاستفادة من الحقوق.

يتمثل الفعل السلبي في مقاطعة العملية السياسية برمتها، والعزوف عن الانتماء الحزبي، والغش في أداء الواجب المهني، والتهرب الضريبي، وتهريب الأموال إلى الخارج، وتغييب كل حس تطوعي أو تغليب للمصلحة العامة على حساب الفردانية والأنانية و… باختصار، سنصبح أمام دولة بسلطة وبمجتمع متفكك وسلبي.

وقد يتطور هذا الفعل المجتمعي السلبي من بعده الفردي إلى بعد جماعي فينشئ حركة مجتمعية بدون قاطرة أو وجهة أو تأطير، وهو ما سيدخلنا إلى خيار الفوضوية كما عاشتها أوربا في فترة الستينيات. ستكون النتيجة حتما نهاية نخب وولادة نخب جديدة ومقاربة جديدة للعمل العام.

ستبقى حركة 20 فبراير ضميرا مجتمعيا تحاكم ضمائر كل الفاعلين وإنجازاتهم، وستبقى تجربتها ملهمة لكل التواقين إلى محاربة الفساد والاستبداد، وستظل بصمة إيجابية في تاريخ المغرب الحديث.

تحية إلى كل الشباب الذي ساهم، من قريب أو بعيد، في ولادة هذه الحركة واستمرارها. وسنكتشف جميعا، ولو بعد حين، أننا ما زلنا جميعا، بمختلف مواقعنا ومواقفنا، في حاجة إلى حركة مثلها إن كنا حقا نريد حرية وعدلا وكرامة.