تقديم

الأخوة في الله، من أعظم شعائر الدين، ومن أوثق عرى الإيمان، وقد انتقضت كثير من عرى الإسلام، بتفكك عرى الإيمان، ومن بينها الأخوة في الله، القائمة على أصل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ 1 ، ومرد ذاك ضعف الإيمان، وتقديم علاقات دنوية على علاقاتنا العقائدية، فالعصبية الحزبية، وحب الذات والأنانية، والتعلق بالدنيا، وطغيان المصلحة. كلها أمراض فتكت بالشخصية المسلمة، وأصبحت المحبة في الله، تشوبها نوازع دخيلة، طغت على صفائها، فعكرت صفو نيتها، وأحالتها إلى شتات.

ضروب المحبة

المحبة ضروب أربعة:

أولها: محبة ثمنها اللذة لا غير، فهي سريعة الانعقاد، سهلة الانفراط.

ثانيها: محبة منشؤها المعروف، وهي سهلة الانعقاد، بطيئة الانفراط.

ثالثها: محبة قامت على المصالح، فهي للانهيار أقرب، لهشاشة بنائها، وغش أسها.

رابعها: محبة الخلود، وهي ما اجتمع عليها القلبان، في الله ولله أساسا.

ولا ضير إن عانق بناء محبة الخلود، الثلاثة الأول، لأن الله فطر الإنسان على زينة الحياة الدنيا ابتلاء، فاظفر بمحبة الخلود تنل خير الدنيا والآخرة، واسأل الله أن يرزقك من صنفها أناسا يخلصون لك كما تخلص لهم، فما كان لله دام واتصل وما كان لله انقطع وانفصل .

شجرة لا تنقطع ثمارها

الحب في الله، تلك الشجرة الطيبة، أصلها ثابت لا يتزعزع، مهما زمجرت حولها العواصف، وتداعت عليها النوائب، تثمر إلى الأبد، لا تعرف عقما ولا سقما، خراجها يصل المتحابين في الغيب والشهادة، ظلالها حسن ظن دائم، وأوراقها حفظ ود ثابت، وجذورها أرض القلوب الطيبة المخلصة، وفروعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، في السراء والضراء، في العاجلة والآجلة، أبشر بها من نعمة، إن حظيت بها في الدنيا، عض عليها بالنواجد، واصبر على هفواتها وعثراتها، فإن الكمال لله، والعصمة لرسل الله.

وهل أتاك نبأ هذا النداء الخاص يوم العرض الأكبر، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: “أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟ الْيَوْمُ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي”” 2 .

فكل خلة سواها إلى زوال، وبراءة الأخلاء بعضهم من بعض سلوك معهود يومها، لا غضاضة فيه ولا شماتة، فالحق أبلج يومئذ من سابقه، والصدق أدعى ساعتها من خواليه، وعلى أرض المحشر، حيث تمثل البشرية كلها، من أولها إلى آخرها، في موقف رهيب، يكرم فريق ويهان آخر، وتزداد الصلات نماء وبهاء، للمتحابين في الله: “إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:”أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 3 ، وتزداد الفرقة اتساعا، والقلوب شتاتا، لمن جمعتهم المصالح والمطامع، فلا يجدون غير البراءة، تعبيرا عن سخطهم: قال تعالى: الاخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ 4 .

بالمحبة تسقى شجرة الحياة

الأخوة… الرحمة… العفو… الإحسان… الصفح… البذل… العطاء… الإيثار… كلها معاني سامية في حلبة الإنسانية، لكنها عملة نادرة في سوقها اليوم، وعلمتنا الحياة، أن كل هذه الخلال، بنات صفة اسمها “المحبة”، ومنبت أرض اسمها “القلب النقي”، فبالمحبة تصفو الحياة وتطيب، ومع إشراقتها تذوب الأنانية، وتفنى الكراهية، وبمعولها تكسر أسوار التمييز والفوارق الكاذبة، وتبنى على أنقاضها جسور التفاهم والوصال، ومن ثم من ملك ناصية المحبة للآخرين، أنى له أن يجد مأوى غير قلوبهم، يكتب له القبول، ولو كان ضعيفا قليل الحيلة، سجين الفكرة والأسوار، والله يرزق من يشاء.

من العصبية القبلية إلى ألفة فريدة

لم يعرف تاريخ الإنسانية تحولا اجتماعيا، وتأثيرا عميقا في النفس الإنسانية، مثل الذي أحدثه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، من ألفة بين القلوب، وإيثار قل نظيره، مع ما جبلوا عليه كسائر العرب من الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة) 5 .

فــلقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله؛ والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة؛ فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ؛ والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة – أو يمهد لحياة الجنة وسمتها البارزة، )وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ 6 .

إن هذه العقيدة عجيبة فعلاً. إنها حين تخالط القلوب، تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب، التي تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق، فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب، ترانيم من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب؛ ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب، وهذه العقيدة تهتف للبشرية بنداء الحب في الله؛ وتوقع على أوتارها ألحان الخلوص له والالتقاء عليه، فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله، ولا يقدر عليها إلا الله) 7 ، وقد شهد سبحانه، بهذا الإعجاز فقال: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 8 .

وكان هذا التآلف في ظلال الاعتصام بحبل الله، أمرا حاسما في قوة الدولة الوليدة في المدينة المنورة، وتماسك لحمة المجتمع بين أعداء الأمس، الأوس والخزرج، وغرباء الأرض والقبيلة المهاجرين والأنصار، وهم يتلقون النداء الرباني، غضا طريا، يثمن هذه النقلة المباركة، من تكاتف السيوف والحراب، وجلبة الخيول في ساحة الوغى، إلى تكاتف القلوب، وامتزاجها ووحدتها: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 9 .

ضالة راجٍ في طوق الحمامة

ولله در خبير، وقد تفتقت قريحته في وصف أعز ما يطلب من الأخلاء، فأصاب وأفاد. قال ابن حزم الأندلسي رحمه الله:

ومن الأسباب المتمناة في الحب: أن يهب الله عز وجلَّ للإنسان صديقاً مخلصاً، لطيف القول، بسيط الطَّوْل، حسَن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحِلم، واسع العلم، قليل المخالفة، عظيم المساعفة، شديد الاحتمال، صابراً على الإدلال، جم الموافقة، جميل المخالفة، محمود الخلائق، مكفوف البوائق، محتوم المساعدة، كارهاً للمباعدة، نبيل الشمائل، مصروف الغوائل، غامض المعاني، عارفاً بالأماني، طيب الأخلاق، سري الأعراق، مكتوم السر، كثير البر، صحيح الأمانة، مأمون الخيانة، كريم النفس، صحيح الحدس، مضمون العون، كامل الصون، مشهور الوفاء، ظاهر الغناء، ثابت القريحة، مبذول النصيحة، مستيقن الوداد، سهل الانقياد، حسن الاعتقاد، صادق اللهجة، خفيف المهجة، عفيف الطباع، رحب الذراع، واسع الصدر، متخلقاً بالصبر، يألف الإمحاض [أي: إخلاص الود]، ولا يعرف الإعراض، يستريح إليه ببلابله، ويشاركه في خلوة فكره، ويفاوضه في مكتوماته، وإن فيه للمحب لأعظمَ الراحات، وأين هذا؟)فإن ظَفِرَتْ به يداك: فشدهما عليه شد الضنين، وأمسك بهما إمساك البخيل، وصنه بطارفك وتالدك، فمعه يكمل الأنس، وتنجلي الأحزان، ويقصر الزمان، وتطيب النفس، ولن يفقد الإنسان من صاحب هذه الصفة عوناً جميلا، ورأياً حسنا) 10 .


[1] سورة الحجرات، 10.\
[2] رواه مسلم.\
[3] رواه أبو داود (3527) عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وصححه الألباني في “صحيح أبي داود”.\
[4] سورة الزخرف، 67.\
[5] الألوسي – روح المعاني.\
[6] الحجر، 47.\
[7] سيد قطب، في ظلال القرآن.\
[8] سورة الأنفال الآية: 63.\
[9] سورة آل عمران، 103.\
[10] ابن حزم الأندلسي رحمه الله، طوق الحمامة، ص 164.\