إذا كان لا يمكن إنكار دور التحولات العربية، ابتداء من أواخر سنة 2010، في انبثاق حركة 20 فبراير، فإنه من جهة أخرى لا يمكن الادعاء بأن الحركة الاحتجاجية المغربية كانت فقط مجرد تقليد لما عرفته دول عربية أخرى، ليس ذلك فقط بالنظر إلى أن المغرب عرف تناميا ملحوظا للاحتجاج قبل أن يحرق البوعزيزي نفسه بتونس، ولكن بالنظر أيضا إلى وجود دواعي حقيقية للاحتجاج والانتفاض، يمكن رصدها على الشكل الآتي:

1- دواعي سياسية

خاض المغرب بعد حصوله على الاستقلال سنة 1956 مجموعة من التجارب السياسية والدستورية، تمثلت على الخصوص في إقرار تعددية حزبية وتنظيم سلسلة من الانتخابات النيابية والجماعية وإصدار مجموعة من الدساتير، دون أن يعني ذلك تحقيق ديمقراطية حقيقية، إذ ظل النظام الملكي متحكما في الحياة السياسية، بأساليب متعددة، وأحيانا عنيفة، وقد انعكس ذلك على الدولة والمجتمع، بحيث تكرست مجموعة من الظواهر التي حدت من الفعل المؤسساتي وكرست الفساد والاستبداد. وإثر التحولات العالمية في العقد الأخير من القرن الماضي اضطر النظام الملكي إلى إبداء نوع من الانفتاح تجاه أحزاب المعارضة، بحيث دعاها إلى المشاركة في الحكومة، إلا أن تمسك الحسن الثاني بوزير الداخلية، جعل تلك المفاوضات تبوء بالفشل. ليتم استئنافها من جديد في أواسط عقد تسعينات القرن الماضي، لأن الحسن الثاني كان يحرص أشد الحرص على إشراك أحزاب المعارضة في الحكومة، من منطلق ضمان انتقال سلس للعرش إلى ابنه بعد وفاته، وذلك ما تحقق بالفعل من خلال مشاركة أحزاب المعارضة في حكومة ما سمي بالتناوب التوافقي بقيادة الحقوقي الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998. زرعت تجربة التناوب التوافقي الأمل في الناس، خاصة وقد أتت في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، وازداد الأمل مع مجيء الملك الجديد سنة 1999، الذي أطلق بعض الإشارات وأقدم على بعض المبادرات، لكن تبين مع توالي الأيام أن ما تحقق من إيجابيات، سواء من خلال العمل الحكومي أو عمل المؤسسة الملكية، لم يكن من منطلق إرادة مصممة واستراتيجية واضحة لتحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، فبعد انتخابات 27 شتنبر 2002 تم تعيين وزير أول تقنوقراطي، مما اعتُبر خروجا عن المنهجية الديمقراطية التي تم نهجها سنة 1998، حيث تم اختيار الوزير الأول آنذاك من صف الحزب الحائز على المرتبة الأولى في الانتخابات، كما كانت هناك تراجعات أخرى شملت مختلف المجالات، وتفاقمت حدة هذه التراجعات على المستوى الحقوقي بعد أحداث 16 ماي2003، ليندثر الأمل وتنعدم الثقة من جديد. وزادت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية من تذمر الناس. وكان أبرز تجلي لفقدان الثقة على المستوى السياسي العزوف الكبير عن المشاركة في انتخابات 7 نونبر 2007، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة 37 في المائة. ولبَثّ نوع من الدينامية في المؤسسات السياسية والدستورية من جهة، ووضع حد لتنامي التيارات الإسلامية من جهة أخرى، لجأ النظام السياسي إلى بعض الأساليب القديمة، كان من أبرزها إنشاء حزب أغلبي جديد، بقيادة صديق الملك فؤاد عالي الهمة. وقد حصل هذا الحزب، الذي لم يتأسس إلا في سنة 2008، على المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية لسنة 2009 متقدما على أحزاب تاريخية مثل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ورغم استهجان العديد من القوى السياسية لذلك الأسلوب المضر بالحياة السياسية، فإن ذلك لم يمنع من الاستمرار في تحكم حزب الأصالة والمعاصرة في الحياة السياسية، خاصة بعد أن استقطب العديد من النواب البرلمانيين من أحزاب الأغلبية. وفي الوقت الذي كان يجري فيه التمكين لحزب الأصالة و المعاصرة، أبدت المؤسسة الملكية نوعا من الاستهانة بأحزاب سياسية أخرى، حيث تمت استعاضة وزراء سياسيين بآخرين غير منتمين لأية هيئة سياسية، ودون التشاور بشأن ذلك مع الوزير الأول، الذي تم إشعاره بالتعديل فقط دون إخباره بمضمونه. وقد أدت مظاهر التحكم هذه إلى المزيد من فقدان الثقة في المؤسسات السياسية، وشكلت داعيا مهما للاحتجاج، خاصة وقد تم التأخر في طرح ورقة التعديل الدستوري، التي كان من شأنها بث نوع من الدينامية في المشهد السياسي.

2- دواعي اقتصادية

ارتهنت السياسة الاقتصادية للمغرب منذ الحصول على الاستقلال لهاجس الحفاظ الصارم على استقرار المؤشرات الاقتصادية الكبرى، المتعلقة أساسا بنسب عجز الميزانية والتضخم والمديونية، مما انعكس سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى فعالية السوق الداخلي. وارتهن النمو الاقتصادي في المغرب إلى حد كبير لحصيلة الإنتاج الفلاحي المتقلب، ولتغيُّرات السوق الرأسمالية العالمية. وقد عرفت السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا في مجموعة من المؤشرات الاقتصادية، بسبب المعيقات البنيوية التي تعوق الاقتصاد المغربي، المتمثلة بشكل خاص في ضعف التنافسية الاقتصادية، وتفاقم العجز التجاري، وضيق السوق الداخلية، وانتشار اقتصاد الريع، وتفشي التهرب الضريبي وغيره من مظاهر الفساد الاقتصادي. وبعد أن تمكن المغرب، في مرحلة أولى، على غرار مجمل الدول المتخلفة، من تفادي الأزمة المالية التي عرفها العالم ابتداء من سنة 2007 بفضل ضعف اندماج نظامه البنكي والمالي في الأسواق المالية الدولية، بدأ يتأثر بانعكاساتها ابتداء من النصف الثاني لسنة 2008، خاصة على مستوى التصدير والاستثمار الخارجي والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج. فقد تعمق العجز التجاري سنة 2008، بسبب ارتفاع قيمة الواردات، وخاصة النفط (36,2% مقابل 16,8% سنة 2007)، وضعف قيمة الصادرات. وظل معدل تغطية الصادرات للواردات ضعيفا بنسبة 45 في المائة. ورغم أن صادرات قطاع السيارات، وبشكل أقل، صادرات القطاع الإلكتروني، عرفت نتائج إيجابية، فقد سجلت قطاعات أخرى خاصة قطاع النسيج انخفاضا كبيرا، مما تسبب في إغلاق مجموعة من المعامل وتسريح الآلاف من العمال.

وإذا كانت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج قد ساهمت حسب بعض الدراسات الرسمية في تقليص الفقر بأكثر من أربع نقاط في الفترة (1990ـ2004)، فإن ذلك تقلص بفعل الأزمة الاقتصادية بنسبة 5.4 في المائة سنة 2009 مقابل 3.5 في المائة سنة 2008. وازدادت حدة ذلك خلال سنة 2010 بحيث ارتفعت معدلات البطالة في صفوف المغاربة المقيمين بالخارج، خاصة في بعض الدول التي تعرف كثافة من حيث هجرة المغاربة إليها، كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وقد كان لذلك انعكاس سلبي كبير على العديد من الأسر الفقيرة، إذ أن مناطقا بأكملها في المغرب يعيش أصحابها على تحويلات أقاربهم في الخارج. ومما زاد في ضعف تلك التحويلات انخفاض قيمة الأورو، كما تضررت من ذلك بشكل مباشر بعض القطاعات كقطاع العقار، ولم تعد الهجرة إلى الخارج خيارا تُعقد عليه آمال الشباب العاطل.

ورغم أن المغرب حقق بعض التقدم على مستوى الاستثمار الأجنبي خلال السنوات القليلة الماضية، بحيث انتقل سنة 2003 من المركز الرابع إلى الأول بين البلدان العربية التي توجهت لها استثمارات أجنبية المباشرة، واحتل المرتبة الثالثة على الصعيد الإفريقي، وبلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر بالنسبة للناتج الداخلي الخام 52% سنة 2006 مقابل 9,7 % سنة 1990، فإن الأزمة المالية أدت إلى تقليص الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة % 28,6، كما كان لها أثر واضح على عائدات السياحة الخارجية.

وقد عرفت السنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا لتدخل المؤسسة الملكية ومحيطها في الاقتصاد المغربي، الأمر الذي كانت لها نتائج سلبية على التنافسية، بل كشف موقع “ويكيليكس” أن لجنة مصغرة مكونة من بعض مستشاري الملك هي من تتخذ القرار بخصوص الملفات الاستثمارية الكبرى، وفي سنة 2010 تم دمج مؤسستين كبيرتين تتحكمان في الكثير من القطاعات الحيوية، وهما مجموعتا أونا والشركة الوطنية للاستثمار، في مؤسسة واحدة تحمل اسم الشركة الوطنية للاستثمار، و ظلت الأسرة الملكية هي المالك الرئيسي لهذه المؤسسة.

وعرف المغرب سنة 2010 تراجعا ملحوظا لنشاطه الاقتصادي بسب الجفاف وتزايد تكاليف الموارد الأولية المستوردة وارتفاع المديونية العمومية واستمرار آثار الأزمة العالمية، ليسجل نمو بنسبة 4 في المائة مقابل 4.9 في المائة سنة 2009 و5.6 في المائة سنة 2008. وعلى الرغم من ارتفاع المداخيل الضريبية و مداخيل الفوسفاط، فإن عجز الميزانية قدر ب4.5 في المائة، متأثرا بارتفاع نفقات التسيير وبتقلص مداخيل الخصخصة وارتفاع تكاليف صندوق المقاصة. وعرفت سنة 2010 عودة المغرب إلى الاقتراض الخارجي باقتراضه لمليار أورو في شهر شتنبر 2010 مما رفع المديونية الخارجية مقارنة بالناتج الداخلي الخام إلى 15 في المائة.

هذه التراجعات الاقتصادية كان لها انعكاس اجتماعي سلبي واضح على فئات عريضة من المجتمع المغربي، وزاد من حدة ذلك مظاهر الاحتكار والفساد التي تنخر الاقتصاد المغربي.

3- دواعي اجتماعية

حاولت حكومة السيد عبد الرحمن اليوسفي نهج “سياسة اجتماعية تضامنية”، لتكون المحصلة مجموعة من النتائج الإيجابية نسبيا، كانخفاض معدل البطالة الإجمالي إلى 12,5 سنة 2001 بعد أن كان 13,9 سنة 1999، وتنفيذ بعض توصيات الحوار الاجتماعي، سواء ما تعلق منها بتسوية ملفات المطرودين والموقوفين، أو ترقية الموظفين والأعوان، وإحداث مناصب جديدة للشغل، وكذلك مراجعة النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية، واستصدار مجموعة من القوانين والأنظمة انطلاقا من الميثاق الوطني للتربية والتكوين.. ومع ذلك فقد كانت المحصلة دون الطموحات والانتظارات الواسعة للمجتمع، ويمكن أن نفسر محدودية الحصيلة الاجتماعية لحكومة التناوب التوافقي بعدة أسباب منها:

أ- عدم الانطلاق في تلك الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية من مرتكزات دستورية وسياسية ذات طبيعة تعاقدية واضحة، لأن هناك، شئنا أم أبينا، تداخلا وتفاعلا موضوعيا وجدليا بين قطبي الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي من جهة والدستوري والسياسي من جهة أخرى؛

ب- إكراهات المناخ العالمي. فرياح العولمة دفعت آنذاك في اتجاه تحقيق التوازنات المالية والتحكم في التضخم بناء على نفس المنطق الذي تحكم في سياسة التقويم الهيكلي في بداية ثمانينات القرن الماضي، مما خلف أضرارا اجتماعية واضحة؛

ت- ثقل الإرث وضخامة الانتظارات، وهذا ما عبر عنه السيد عبد الرحمان اليوسفي صراحة في تصريحه، الذي قدمه أمام البرلمان بتاريخ 2 غشت 2002.

وبعد أن اعتلى الملك محمد السادس العرش، أكد على أولوية ما هو اقتصادي واجتماعي، لكن ذلك لم يمنع من تفاقم المعاناة الاجتماعية لدى فئات عريضة من المجتمع، ليس فقط بسبب الهشاشة الاقتصادية، ولكن أيضا بسبب احتكار الثروة وغياب المساواة وانتشار الكثير من مظاهر اقتصاد الريع والفساد والزبونية. وللتخفيف من الأضرار الاجتماعية، طرح الملك سنة 2005 المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي استهدفت الفئات الفقيرة في المجتمع، لكن تأثيرها ظل جد محدود. فالمغرب في سنة 2010 احتل الرتبة 114 من بين 165 دولة في تقرير التنمية البشرية، وأتى في أسفل الترتيب عربيا باحتلاله الرتبة 12 من بين 16 بلد عربي، ومعدل الفقر وفقا للبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي بلغ 28 في المائة.

ورغم التطور النسبي لسوق الشغل خلال سنة 2009 و2010، فإن وتيرة إحداث مناصب الشغل ظلت غير كافية لامتصاص العاطلين، خاصة حاملي الشهادات. وتعثّر الحوار الاجتماعي مع النقابات، لأن عروض الحكومة لم ترق إلى مستويات طموحات الشغيلة. وازدادت معاناة المواطنين بشكل ملحوظ خاصة فيما يتعلق بالماء الصالح للشرب والكهرباء والسكن والصحة والتعليم.

كل ذلك أحدث موجة من الاحتجاجات الاجتماعية، وجعل فئات عريضة من المغرب متهيئة للتأثر بأحداث الربيع العربي، لكن إلى أي حد ستكون القوى السياسية بدورها متهيئة لذلك؟