من سنن الله الكونية في خلقه أن خلق هذا الإنسان مكابدا في دنيا الناس المكدرة، فالتنكيل شدة ومصائب وبلايا من فعل الله المقضي المقدر، ومن فعل الناس، يصيبهم بأس الله، يظهر بينهم الفساد في البر والبحر بما كسبت أيديهم، ومما لا شك فيه أنه امتحان له مغزى وهدف، يريد الله عز وجل أن يبلونا أينا أحسن عملا، يبلونا بالشر والخير فتنة، يبلونا بالتنكيل والتمكين، يبلونا فرادى وجماعة، وحياة الناس دورات متعاقبة، وفي بعض الدورات والقرون يكون التنكيل حادا.

في مطلع الدعوة كان الابتلاء بالإيذاء والتنكيل، ثم كانت الهجرة والتمكين، وبين التنكيل والتمكين أكثر من عشرين سنة.

تأتي الفتن على ميعاد بين قدر الله وانحطاط العباد عن المبدإ لتؤكد سنة الله وتبينها وتعطيها طابع الاستمرارية.

ينكل بالمقدسيين من طرف الصليبيين ثم يأتي النصر على يد صلاح الدين الأيوبي، ودمر التتار بلاد المسلمين ومنها بغداد ثم جاء التمكين بالنصر بقيادة سيف الدين قطز، وسقطت الأندلس بالتنكيل بها وبأهلها ثم فتحت قسطنطينية بقيادة محمد الفاتح، وفي القرن العشرين قام اليهود والغرب بإسقاط الخلافة العثمانية بعدما أرهقوها وسموها آنذاك بالرجل المريض، فأصبحت الأمة مستعمرة من قبل الغرب ثم بيد أذيالهم. وقد حصلت التنكيلات الفظيعة بالأمة خلال القرنين الماضي والحالي بالاستعمار المباشر وغير المباشر وبالملوك الجبريين التابعين لهم…

فالفتنة في تاريخ المسلمين بشاهد الكتاب والسنة والواقع الملاحظ من سنن الله الكونية.

لا بد لأمة مقدرة عليها الفتنة أن تعلم أن لهذا الكون قانونا.

لطول ما عانت الأمة من التنكيل والتعسف والاستبداد نتيجة التبعية وعدم الاستقلال الفكري والتدبيري ونتيجة الفقر والجهل والمرض، بالإضافة هم السكن… وأمام الخوف من المخزن، وأمام عادات الكسل والخمول والتقاعس والتبعية للآخر أصبحنا عالة، تابعين لما ينتج الأجانب ولما يفكرون ولما يسمحون، تردينا وأصبحنا قطيعا من الأنعام يتحكم فيه ولا يملك لنفسه إلا الشكوى المكبوتة.

فالسبيل إلى نقلة نرى معها النور، نقلة من أمة ينكل بها نتيجة التبعية الى أمة مكن الله لها وصارت فاعلة هو باتخاذها الأسباب. وقد وضع الله عز وجل في كونه قانونا سببيا بمقتضاه تترتب النتائج على المقدمات، والفاعل الله لا غيره.

تأتي النتيجة عند السبب أو معه لا به.

وهي رسالة إلى كل الحالمين بالمدد الخارق للعادة، وهو مدد لا يتنزل على القاعدين بل هو منوط بأولئك الذين قاموا وشمروا وتعبوا وبذلوا الجهد وأعطوا الأسباب حقها، لأن سنة الله لا تجامل أحدا.

إن من أسباب التمكين المادية: الاهتمام بمراكز البحوث والتخطيط والإدارة، والاهتمام بالقوة الاقتصادية والإعداد الاعلامي.

وإن من أسباب التمكين المعنوية: الأخذ بوحدة التصور وتحكيم الكتاب والسنة، وصدق الانتماء والطلب وتحقيق الأخوة، وهذا كله يقتضي سنة التدرج عبر مراحل هي: مرحلة التعريف، (التمكين) ومرحلة الإعداد والتربية، ومرحلة المغالبة، ومرحلة الظهور.

إن بناء القاعدة الصلبة على أسس المنهاج النبوي يدخلنا ضمن الطائفة التي مكنها الله والتي تتحرك بهذا الدين وتسعى لسد جميع الثغرات.

إن من صفات الطائفة التي مكنها الله، من خلال أحاديث صحيحة، هي أنها على حق، وأنها قائمة بأمر الله، وأنها المجددة للأمة دينها، وأنها ظاهرة إلى قيام الساعة ثابتة صابرة محتسبة.

إن مرحلة التمكين هي ذروة العمل الإسلامي المنظم، وهي الثمرة الناضجة من الجهود التي بذلت في المراحل التي سبقتها. وإن بشائر العودة الى التمكين ومظاهره بدأت مع الحركات الاسلامية من قرنين ماضيين، ومع ثورات الأجيال الحاضرة… تجارب التي تركت لنا معالم في فقه التمكين.

ومن أهم أهداف التمكين، إقامة المجتمع المسلم، وبسط السلم والسلام.